بديل ـ الرباط

استغرقت جلسة مجلس الوزراء برئاسة الملك مدة طويلة. بدا أوفقير شاحبا، متشنجا، وقد فقد الصبر. و فجأة انفجر مغتاظا: "لا يمكن لهذه الحال أن تدوم إذا لم تغيروا شيئا، سيحدث انقلاب آخر، و بدلا من أن أصرع و أنا في سروال سباحة، أفضل أن أنهي حياتي الآن". و أمام الملك و الوزراء المنذهلين، أخرج من جيبه مسدسا، وطرق به الطاولة. ساد الصمت برهة ثم نهض أوفقير، وغادر الغرفة قائلا:"إنني مرهق، و أنا ذاهب لأنام". تبعه الحسن الثاني، و اختلى معه في أحد المكاتب، يتحاوران لأكثر من ساعة. كان ذلك في اليوم التالي للصخيرات.

كان أوفقير تعبا. كتب جان لاكوتور بعد فترة وجيزة:"منذ عشرين عاما، لم يتعرض الشعب المغربي مرة للخطر، إلا ووجد أوفقير إلى جانب أعداء وحدته، وتحرره، وتقدمه" عذب كثيرا، وقتل كثيرا، لكنه تعب من لعب دوره جزارا في خدمة النظام. كان يكن احتراما عميقا للصحفي المصري هيكل، وقد كتب عنه هيكل بعد أن منحه الملك كامل الصلاحيات أثناء بلبلة الصخيرات الدموية: "أوفقير معتمد الإرهاب و القمع".

الإعدامات العشرة التي تمت في معسكر مولاي إسماعيل بقيت في ذاكرته غير قابلة للنسيان. لا تقارن بينه و بين أمثال بن بركة، و البصري، و بوعبيد، وجميع السياسيين في نظره ثرثارون محرضون على الفوضى، لن يغفروا له مطلقا ما هو مدعاة فخره: ماضيه العسكري وهو يرتدي بزة الضابط الفرنسي. و الجنرالات الذين عُذبوا أعدموا في ثكنة مولاي إسماعيل هم عائلته. هؤلاء يعرفون أنهم لم يخوضوا معركة مونت كاسينو، و أوحال شتاء 1944 الجليدية، و الطريق الاستعمارية رقم 4، وديان بيان فو، ضباطا مرتزقة؟

ما الفائدة من شرح ذلك؟ و لمن؟

صرخة الرجل النزيه الجنرال بوغرين، رفيق طفولته، قبل رشقة رصاص إعدامه:"أنا أعلم أنك شريك لنا في الفكر" ترن في أذنه...

وزير للداخلية بعد اضطرابات الدار البيضاء، وزير الدفاع بعد مذبحة الصخيرات. في كل مرة تنفتح ثغرة في النظام يُلجأ إليه.و دائما للقمع و التفريق، و التجسس، و العقوبة.
كان يؤمن بالنظام، لكنه فقد إيمانه به كليا. ما الفائدة من ان ينهك نفسه مادام كل شيء في الأساس لا يتغير، وذات الأسباب تُحدث دائما ذات النتائج؟ بعض الدعاوي المذهلة التي تُلقى لتخدير الرأي العام لن تزيل الفساد المتعايش مع نظام الحسن. إنه هو وزير الداخلية، في الموقع الأنسب لتقدير الدمار الحاصل. و بإلقاء نظرة سوداء على الوزراء، يعرف الاتجار بالنفوذ و الإبتزازات التي شكلت ثروة كل منهم. هو بالذات غني، لكن ألذ أعدائه لم يصنفوه بين الفاسدين. الشعب يعتبره:"الوحيد بين وزرائنا الذي لا يكلفنا غاليا" جلاد دون شك، لكنه جلاد شريف: لا فضل له مطلقا : المال آخر ما يفكر فيه.

يتبع ..