بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

لم تقتصر الأزمة على أحياء الصفيح، لكنها وصلت أيضا إلى الخطة الخمسية الأولى(1960- 1964) التي فشلت فشلا ذريعا. عمال ومستخدمون ومعلمون: الجميع يعانون من الركود الاقتصادي. حتى أن الملك نفسه، في خطاب ألقاه في بداية الشهر تصدى إلى "الظروف الاقتصادية والمالية الصعبة".
تراصف الشقاء والقحط مع ترف لا يعاني من أي نقص. وتشكلت ثروات على أنقاض البلاد تحت الحماية.

البرجوازية الكبيرة الهاربة من الاستثمارات الإنتاجية المكلفة بما تحتاجه من قوى عاملة، اختصت بالاستيراد والتصدير، والمضاربات العقارية، والرأسمال الأجنبي احتفظ بأوضاعه المتينة، إن لم يكن قد حسنها، ووجد في السوق المحلية مرشحين يفوقون حاجته، ويتزاحمون على إدارة مصالحه.

عم الفساد كل مكان من شقيق الملك الأمير عبد الله الملقب بـ"صاحب السمو 51% "(وهي النسبة التي كان يفرضها على كل شركة يقوم برعايتها) حتى آخر موظف مرورا بأقل الوزراء شأنا، كان جهاز الدولة غارق في الرشوة ومال الترضية، وقد خلع عذار الخجل وتمنطق بالخبث والنفاق، فعم التهريب والاتجار بكل شيء وخاصة بالنفوذ، على مرأى ومسمع كل إنسان ذُهل الصحافيون الأجانب من نهب مثيري الفتن للمستوصفات مكاتب البريد: دلك أنهم كانوا يعلمون أيّة عمولات تم تقاضيها في أسواق الاحتيال التي رافقت إنشاءها.

هكذا كانت مثار حيرة في المدينة، الأحياء التي يتسكع فيها العاطلون عن العمل، والأبراج الشامخة المبنية مكاتب لرجال الأعمال/ والمدُّ الأزرق المخضر لأكواخ الصفيح، والقصور الخاصة المحاطة بأسوار عالية في حي الذُرا.
كم كان عدد النازلين إلى الشارع؟
كان أهل التلاميذ أول الواصلين للنجدة عندما علموا أن الشرطة تزج بأبنائهم جماعات لتلقي بهم في المخافر ودوائر الأمن.
تبعهم عشرات الألوف من العاطلين عن العمل والحقد يملأ نفوسهم وهم يحطمون كل ما يقع في طريقهم، وعند عصر اليوم ازدادت الفتنة تأججا في الدار البيضاء.

كما حدث في العام 1952 حاصر الجمهور مفوضية المقالع المركزية التي أشيع أن عشرات من التلاميذ محتجزون فيها، فأطلقت الشرطة النار وأوقعت عشرات الضحايا، غير أن مثيري الفتنة المسلحين بالفؤوس وقضبان الحديد لم يتراجعوا، وأصيب عدد من أفراد الشرطة بعد أن نفدت ذخيرتهم.

مثل ملاك الموت المدمر، هبط أفقير من السماء، فهو مغرم بالهيليكوبتير للقدرة التي تمنحها له في الانقضاض على العدو بسرعة العقاب، هو أيضا يتذكر الفتن المعادية للفرنسيين في العام 1952 وأعمال قمعها التي بدت له ضعيفة غير رادعة.

لا يمكن أن يوجه إليه أي لوم من هذا القبيل، فقد اقتلع أحد الأبواب الجانبية من حوامته التي أطلق عليها اسم القبة الثانية، ووقف رجل خلفه ليمده بأمشاط الرصاص، يده على مقبض الرشيش وقدمه على مزلج الهبوط، أخد يُمطر الجماهير بزخات الرصاص إلى أن تفرقوا، وابتعد الناجون منهم عن المفوضية، ثم صعدت الحوامة تطوف فوق شوارع الدار البيضاء الطويلة واحداً بعد الآخر تفرق بنيرانها مواكب المتظاهرين.

اقتحمت الدبابات وأربعمائة شاحنة ممتلئة بالعساكر شوارع الدار البيضاء، هبط الليل على الشوارع المقفرة، وراح الجنود يجمعون الجثث ويدفنونها في حفر مجهولة مشتركة.

احتاج أفقير إلى ثلاثة أيام لقمع فتنة الدار البيضاء، توجه بعدها إلى الرباط وفاس حيث بدأ الطلاب بالتظاهر وأعاد النظام بالطريقة نفسها. كم كان عدد الضحايا؟ بالتأكيد عدة مئات من القتلى، بعضهم يقول أنهم ألف ومعظمهم من الأولاد. لم يحدث في التاريخ الحديث إجراء قمع تظاهرات فُتك فيها بمثل هذا العدد الكبير من الشبان والفتيان، وحدها المقابر الجماعية تعرف الرقم الصحيح.

كان الملك يتقن مهنته، ظهر على شاشة التلفاز في 29 آذار، وتوجه إلى الشعب معبراً عن خيبة أمله:"وضعتني أمام الاختبار يا شعبي العزيز".

رسم لوحة قاتمة عن الوضع الاقتصادي، لكنه تذكر قول تشرشل:" ليس لي ما أعدكم به إلا الدم والعرق والدموع". ندد"بالوسطاء السياسين" أي الأحزاب، بتعابير لا تدع مجالا للشك تحملهم مسؤولية قيام الفتنة.