بديل ـ الرباط

أعاد كتاب "الأمير المنبوذ" لصاحبه الأمير هشام، ذاكرة بعض المغاربة إلى كتاب آخر، هز عرش الحسن الثاني، بالقدر الذي لم تهزه كل الانقلابات التي شهدها عهده، حتى إن بعض المتتبعين اليوم يتساءلون: كيف سيتعامل محمد السادس مع كتاب "الأمير المنبوذ"؟

"صديقنا الملك" لصاحبه الصحفي الفرنسي جيل بيرو، كتاب قهر الحسن الثاني، لدرجة دفعته إلى إدانته مباشرة على التلفزة المغربية، وهو الذي لم يقهره لا جبروت عسكر ولا مناورات اشتراكيين ولا تقية إسلاميين، حتى قضى فوق كرسي العرش زهاء أربعين سنة من الحكم، لم تخل سنة واحدة منها من العواصف الاجتماعية والسياسية والعسكرية.

وإذ يعيد "بديل" نشر الكتاب على شكل حلقات مساء كل يوم فليس معنى هذا أنه يتبنى ما ورد فيه، وإنما غايته إطلاع زوراه، ممن فاتهم قراءة الكتاب، على الحديقة السرية لواحد من أكثر الملوك العلويين إثارة للجدل على طول تاريخ حكم هذه العائلة للمغرب.

كانت حملة من الدرك تتألف من مائة عنصر بقيادة الدليمي معاون مدير الأمن العام قد اعتقلت مومن الديروي (الصورة) في 13 حزيران1963، اقتيد إلى داخل قاعة عسكرية أمريكية في القنيطرة حيث أخضعه أربعة من المختصين الأمريكيين الوافدين من الولايات المتحدة لفحص على جهاز كاشف للكذب بخصوص سرقة أسلحة حدثت في القاعدة، عُصبت عيناه بعد ذلك وقيّدت يداه ورجلاه واقتيد إلى دار المقري، وألقي في القاعة الكبرى.

كتب بعد ذلك:"خيل إلى أنني في قاع بئر. طرقت مسامعي تنهدات مستمرة، وصرخات متأوهة وسعال، وأصوات نساء ورجال وأطفال. كنت مستعد أن أدفع أي ثمن لقاء أن أعرف ما يحدث حولي".

أخيرا رفع حارس العصابة عن عينيه. كانت القاعة مضاءة بثريات كبيرة من كريستال بوهيميا.
"غلالة سوداء تموجت بعض لحظات أمام عيني، بدا لي أنني أرى كائنات بشرية معلقة من أرجلها في السقف ورأسها إلى الأسفل. فكرت أن عيني قد غشيتها لانتقالهما من الظلمة إلى النور.

خلال دقيقة ستعود رؤيتي واضحة وسأجد هؤلاء الأشخاص جلوسا أو وقوفا، للأسف، لم يكن ما رأيت خطأ أو خديعة، فالصورة حقيقية فعلا، جد حقيقية.

"رجال ونساء مقيدون ومعلقون في السقف بكلاب حديدي رُبطوا إلى الحبل، وعلى الأرض أطفال يرفعون رؤوسهم نحو أمهاتهم وآبائهم، وهم ينتحبون وقد أضناهم التعب والبكاء، وجوههم الصغيرة متسخة بالدموع، والمخاط يسيل من أنوفهم، لا عمر لهذه الكائنات الصغيرة التي بدت قريبة من الاحتضار، لهؤلاء الأطفال الراكعين أو الجالسين القرفصاء في برك من الدم والقيء.

"رائحة رهيبة من نتن صعدت إلى حلقي، شعرت بالغثيان والرغبة بالإقياء بدوري، منذ كم من الأيام والليالي يتخبطون في هذا المكان؟".

ظهر أفقير فجأة، وأمر بتحضير ديوري للدرجة الأولى من التعذيب، الذي يتألف في دار المقري من سبعة طقوس متدرجة في الشدة.

الدرجة الأولى منها تشمل على ربط رجلي المعذّب ويديه، وتعليقه مدة ساعات وبطنه نحو الأرض على قضيب أفقي يستند إلى عمودين. يمارس ثقل جسمه انجذاباً على عضلات العنق والكتفين يصعب تحمله، بعد أن يُفك الشخص عن القضيب، يزداد الألم، ولا يتمكن من الحركة مدة ساعات لتكزز العضلات.

لا تبتكر الدرجة الثانية شيئاً إلا أن المعذِّب يجلس على ظهر المعذَّب، وهو في وضعه على القضيب مما يعرض العمود الفقري لتجربة شاقة جداً.

عُرض مؤمن ديوري لهاتين الدرجتين قبل أن يوجه إليه أي سؤال.

الدرجة الثالثة نوع متطور من تعذيب المغطس الأوروبي، ويقوم على تغطيس وجه الشخص في حوض مملوء ببول المعذِّبين، بعد تغطيستين يُصب ماء جافيل في منخري المعذّب.

كان رجل في نحو الخمسين من العمر، طويل القامة ذو شعر طويل يصل حتى منتصف ظهره ولحية طويلة أيضا، يسير على غير هدى في القاعة وهو يرتل أدعية غير مفهومة، إنه هنا منذ ثلاث سنوات، قتل افقير أمامه زوجته الحامل، فغدا مجنونا.

كان الحسن الثاني يتردد على دار المقري، ويجب أن يُعرض عليه المجنون الكاهل وهو عار يقوم بحركات مخجلة ويردد الشتائم، يُعاد بعدها الرجل إلى القاعة ليقضي ساعات في البكاء.
ثم بدأ بمعالجة أسنان ديوري بكماشة.

رأى أفقير يقتل رجل مطافئ من الدار البيضاء، هو لحسن المقاوم السابق الذي يعرفه جيداً، كان لحسن معلقا في السقف من قدميه. تقدم أفقير والخنجر في يده، وشق بطنه فاندلقت أحشاؤه، وبضربة خنجر قطع الحبل، سقط لحسن على الأرض، وتحطمت فقراته الرقبية، حمل الحراس الجثة. كانوا يدفنون الموتى عند جذوع أشجار البرتقال في الحديقة.

تقوم الدرجة الرابعة من التعذيب على وصل مسريين كهربائيين في الأعضاء التناسلية."الجيجين" الكلاسيكية التي أكسبها الفرنسيون شهرة عالمية في الجزائر، ولأول مرة طرح أفقير السؤال:" أين شيخ العرب؟" أجاب ديوري بأنه التقى بشيخ العرب، لكنه يجهل عنوانه.

كانت الدرجة الخامسة ذات بساطة مذهلة، اقترب أفقير والخنجر في يده، من مؤمن ديوري، وهو مربوط إلى عمود وشق الجانب الأيسر من ظهره، ثم أخرج من جيبه قطعة ملح وغرزها في الجرح و غطىاه بلصقة مشمعة، ثم جلس وانتظر النتيجة، بعد فترة طلب من أحد الحراس أن يتعري وأ بسكين يشق بطن مواطن (لخذ يرشه ماء بارداً بواسطة خرطوم متصل بصنبور.

تصبب جسم ديوري عرقاً، وجف ريقه، خيل إليه قرب احتضاره"كنت مستعد أن أقدم عيني مقابل شرب الماء".