بديل ـ الرباط

بوقاحة نادرة، أعلنت الحكومة وفاة ستة و ستين شخصا، قتلوا جميعا رجما بالحجارة أو السكاكين و الخناجر، مما يعني إلقاء مسؤولية المذبحة على المتظاهرين المضربين وحدهم. لكن إن كانت الوفياات قليلة، فلماذا حُفرت خلال الليل أول حُفرة عامة بين طريق تيت مليل و مقبرة الشهداء في أرض بور واسعة كان الأولاد يلعبون فيها بكرة القدم: ثم حفرة عامة ثانية قرب حي الفرح، و لماذا مُنحت رُخصة إجمالية لدفن ثلاثمئة وخمسين جثة سلمت إلى مسؤولي مقبرة بن مسيك؟ جميع الشهادات، وخاصة شهادة موظفي المشافي و معارض الجثث المجهولة الهوية، تُقدر رقم الضحايا بين ستمئة و ألف. أما الجرحى فيُعدون بالآلاف، وكثيرون منهم لم ينقلوا إلى المشافي خشية الأنتقام أو التصفية.

ثلث القتلى كانوا من الأولاد.

ستة إلى ثمانية آلاف شخص تم اعتقالهم في الدار البيضاء. جُمعوا في مفوضية الشرطة، و منها تلك الواقعة في منطقة الصخور السوداء، حيث توفي ستة و عشرون منهم اختناقا، وفي قبو المصرف المركزي المغربي، و مستودعات المعرض الدولي، حيث قضى أربعون من الفتيان الجرحى الذين تركوا دون طعام أو شراب نحبهم. أما الأولاد ففقد رُصوا بالمعنى الحقيقي للكلمة في مستودعات تبريد دائرة التصدير الشريفية في النواصر؛ حيث توفي كثير منهم اختناقا أيضا. في البرنوصي حُجز الموقوفون، الذين نزحوا من مساكن صفيح مقالع توماس ورحاما، وزحموا في مكان ضيق جدا منحبس الهواء، حيث توفي ثمانية و عشرون اختناقا.

استخدمت ثكنة عين حرودة مركزا لفرز المعتقلين الذين جُمعوا في العراء وقوفا تحت الحراسة ليلا ونهارا، دون ماء أو غذاء، و أعطى الجنود أمرا بإطلاق النار على كل من يتحرك. قتل عدد منهم أمام رفاقهم البائسين.

تمكنت أحيانا بعض العائلات الثرية من تحرير أبنائها المشاركين في التظاهرات و المعتقلين في دوائر الشرطة، لقاء رشوة تتراوح بين ثلاثمئة و ثلاثة آلاف درهم. و بما أن عدد الموقوفين يجب أن يببقى ثابتا، كان أفراد الشرطة المرتشون يعمدون إلى اعتقال أولاد من الشارع بدلا من أصحاب الحظوة الذين تمكن المال من تحريرهم.

كان القضاة على مستوى رجال الشرطة. حُددت محكمة خاصة لمقاضاة الجرحى من المتظاهرين. ثلاثة منهم قضوا نحبهم أثناء جلسات المحاكمة.. ومعظم المتهمين مثلوا أمام القضاة بعد أن رقعوا على محاضر ضبط بيضاء . حتى أن مناقشات التهم على حدتها و عجالة النظر فيها أظهرت تناقضات تثبت بطلانها. فبعض المحاضر نسبت إلى متهمين وقائع حدثت بعد إلقاء القبض عليهم، و بعض الأشخاص كانوا في الرباط، و نسبت إليهم تهم وقعت أثناء وجودهم في العاصمة... هذه السفاسف لم تبدُ للقضاة من طبيعة تحول دون سير العدالة.

ألف و ثمانمئة مُتهم حوكموا في الدار البيضاء سواء أمام محاكم الدرجة الأولى في دعاوى جرم مشهود، و في الغالب دون محامين، أو أمام محاكم الجنايات. تراوحت العقوبات بين ثلاثة أشهر سجن و عشرين سنة حبسا مع الأشغال الشاقة. كما أن عشرات من أعضاء اتحاد العمال الديموقراطي و الإتحاد الإشتراكي أُدينوا في جميع أنحاء البلاد، لأنهم دعوا سرا إلى الإضراب تنفيذا لقرار النقابة المركزية.

بُطحت المعارضة مرة أخرى، و عُطلت صحافتها، و أُعيد سكان أحياء الصفيح إلى جحور شبيهة بجحور الجرذان، ومهدت حُفر المقابر المُشتركة و سُويت بالأرض، و عاد الهدوء إلى المغرب.

يُتبع...