لقد بدا، لي، ومن أوّل وهلة، أن فيلم "الزين اللي فيك" من نوع "الأحداث" أو "الوقائع"، لكي لا أقول الأفلام، التي لا يمكنها إلا أن تثير هذه الضجة وعلى النحو الذي دفع إلى الخروج إلى "الشارع" باعتباره "برلمان الشعوب العربية الجديد".

والسبب أن الأمر لا يتعلق بمجرد "لقطة"، أو "لقطات" قيل إنها مبتسرة ومسرّبة، ولا يتعلق حتى بفيلم... المسألة تتجاوز كل ذلك نحو "خطاب كبير"، مدروس، ومصمِّم على "تجريف" المجتمع. والأكيد أن هذا الفهم الموسع، وهذا الإحساس بهذا النوع من الخطاب السافر والجارف، هو ما جعل "الكل" ــ تقريبا ــ بإمكانه التدخّـل في الواقعة.

وأظن أن إقدام الوزارة المعنية على "عدم السماح"، تبعا للمصطلح الملطّف، بعرض الفيلم جاء في سياق امتصاص "الأزمة" الناجمة عن الفيلم ذاته. وكما أن تبرير "عدم السماح"، هذا، بالنظر "لما تضمنه [الفيلم] من إساءة أخلاقية جسيمة للقيم وللمرأة المغربية ومس صريح بصورة المغرب"... فيه "إشارة" إلى نوع من "الخطاب المضاد" للخطاب الذي ينتظم فيه فيلم نبيل عيوش.

وحتى إن كنت لست بصدد "التسمين المنهجي" فإن ذلك لا يحول دون التذكير بارتكاز الخطاب على المؤسسات. والسينما، وحتى لا نطيل أكثر، ليست مجرد "بناية معزولة"، وإنما هي مجال لتصريف تيارات وتوجّهات وأفكار... و"حروب ثقافية".

و"الدعارة" من الأفكار التي هي في شكل "قوة مادية"، والتعاطي لها على مستوى السلوك ليس هو التعاطي لها على مستوى النقاش العام حول القيم. ومهما كان فإنه لا ينبغي تسليع اللحم الآدمي، والاتجار بالزفت الاجتماعي، والتسويق بالبلاد والعباد. وكثيرون ليسوا ضد التعاطي الفني، المسؤول والإنساني والتاريخي، للغم الدعارة... لكنهم ضد "تقشير الوجه بشكل مؤلم".

أظن أن فيلم "الزيم..." ينتظم ضمن خطاب "الاستشراق الكبير" الذي لا يزال يصرّ على "التنميط" و"الكليشيه"... و"العري الشرقي الكولونيالي" و"النفط السخط"... والمدن التي توجد في الواقع مثلما توجد في الخيال. واللقطات بمفردها كفيلة بتأكيد هذا الخطاب المموَّل، بسخاء. ولذلك لا نستغرب من تدخّـل ــ جزء كبير من ــ الصحافة الفرنسية" (لوموند"،"لوجورنال دوديمانش"...) في الموضوع بـ"دليل أن فيلم عيوش يُدين مجتمعا مغربيا منافقا".

سؤالي: ماذا لو كان الأمر يتعلق بفيلم حول الدعارة الكولونيالية بالمغرب وسواء من خلال الدور التي رخصت لها السلطات الاستعمارية؟ أو من خلال أحياء الصفيح؟ أن من خلال ـــ وهذا هو الأفظع ــ ما يعرف بـ MBC (Bordels militaires de campagne) التي أحدثها الجنرال ليوطي في مضمار "اختراقه السلمي" (كذا) لـ"مجتمع الأهالي". وكل ذلك في دلالة على النساء المغربيات المرافقات لفلول العسكر في "غزواتهم" للمغرب حيث الاستغلال الجنسي، والعنف الجنسي الكولونيالي، وحيث آهات الجنس بجوار طلقات الرشاشات والمدافع في الخيام مثلما في سيارات الإسعاف. هذا بالإضافة إلى أن هؤلاء النساء لم يرافقن الجنود الفرنسيين في أدغال وأحواش وجبال المغرب فقط، بل ورافقنهم خارج المغرب في حروب فرنسا "الضرورية" التي لا علاقة لهن بها. نساء لم يحصدن من غير جراح الذاكرة وأوشام وثقوب في الجسد وأمراض الزهري (السيفيليس)... دونما اعتراف بهن، وحتى الآن، وسواء في الداخل أو الخارج. وهل نصدّق أن امرأة، واحدة، كانت لأكثر من 100 مفترس في هذه المسالك الوعرة؟ وأليست هاته لقطة أكثر سينمائية من السينما ذاتها؟

نحن لا نطالب صاحب "الزين..." بالتعاطي لمثل هذا الموضوع، ذلك أن هذا ما لا يفكر فيه أصلا، إضافة إلى أن موضوعا في هذا الحجم يتطلب مخرجا مثقفا ومطلعا ومؤمنا بإسهام فريق في "نصه" لتبقى له تقنيات التصوير؟ وهل فرنسا بإمكانها التمويل لمثل هذه الأفلام؟ وهل بإمكان الصحافة الفرنسية إثارتها؟ ومتى اعترفت فرنسا اعترافا صريحا بجرائمها الاستعمارية؟

وهل يرقى فعلا عيوش إلى تصعيد نفاق المجتمع المغربي عبر فيلم؟ وأليست الصحافة الفرنسية بدورها منافقة؟ من خلال خدمتها لهذا الخطاب الاستشراقي الكبير؟