عندما يُهنئ الملك محمد السادس الياس العماري على وصوله إلى الأمانة العامة لحزب "الأصالة والمعاصرة" يكون الأمر عاديا، بل ويمكن وضع هذه التهنئة في إطار "التقاليد المرعية" في علاقة رئيس الدولة بالفاعل الحزبي في البلد، كما دأبت العادة، لكن أن يصل الأمر إلى مستوى إشادة الملك  بـ"الخصال الإنسانية" للعماري و بتحليه بـ"الكفاءة وروح المسؤولية"، وبـ"تشبته المكين  بمقدسات الأمة وثوابتها"، فإن الأمر لا يغدو عاديا بل يطرح أربعة إشكالات على الأقل؛

الإشكال الأول، ذو طبيعة دستورية، فالملك هو رئيس الدولة، وهو الذي يرأس المجلس الوزاري الذي تعرض وتناقش فيه الاستراتيجيات الكبرى المحددة للسياسة العمومية للدولة، ويتمتع بسلطات وصلاحيات واسعة تفوق صلاحيات الحكومة التي تستمد مشروعيتها منه بحكم مسؤوليتها أمامه أولا وأمام الشعب ثانيا، وحيث أنه شهد بأن إلياس "يتحلى بخصال إنسانية ومشهود له بالكفاءة وروح المسؤولية" في وقت يقول فيه رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران الذي يعد من الناحية المؤسساتية الرجل الثاني في هرم الدولة "إن الياس "سلكوط" و"إبليس المملكة" بل ويتهمه بجمع "الأموال من الغبرة" فإن هذا التناقض بين الرئيس ونائبه يؤكد على وجود هوة في تقدير الأشياء بين الملك ورئيس الحكومة.

الإشكال الثاني، هو ذو طبيعة اقتصادية، ويتعلق بأثر هذه الشهادة على إنعاش الإستثمار داخل المغرب، فحين يرى المستثمر، سواء كان مغربيا أو أجنبيا، تباينا في المواقف بين الملك ورئيس الحكومة، فمن شأن ذلك، أن يقلص من فرص الإستثمار ، بعد أن تراوده هواجس حول مدى استقرار الوضع السياسي داخل البلد .

الإشكال الثالث، ذو طبيعة قضائية، فحين يشهد القاضي الأول في المملكة  المغربية، وهو الملك محمد السادس، رئيس "المجلس الأعلى للقضاء" على حسن سيرة إلياس العماري وإخلاصه لمقدسات البلاد، فمن هو هذا  الوكيل العام أو وكيل الملك الذي سيجرؤ غدا على اعتقال إلياس أو مجرد تحريك الأمر بالبحث معه، إذا تبث تورطه في الإتجار في "الغبرة" كما اتهمه بذلك بنكيران أو تبث تحكمه في عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية من اجل اعتقال الأبرياء كما اتهمه  بذلك الأمين العام لحزب الإستقلال" حميد شباط؟

الإشكال االرابع، يرتبط بقضية الصحراء، فحين يقول الملك إن إلياس معهود فيه  "تشبثه  المكين بمقدسات الأمة وثوابتها"، في وقت يرى فيه إلياس أن "الإستفتاء هو أرقى أشكال ممارسة الديمقراطية لحل نزاع الصحراء، حين تكون البيئة ديمقراطية"، بحسب ما صرح به لقناة "العربية"، فإن ذلك سيجعل المغاربة يتساءلون عما إذا كان الملك يحكمه نفس الموقف من قضية الصحراء، وبالتالي أي تداعيات لذلك على علاقة الملك بباقي الفاعلين الحزبيين، ممن لهم وجهة نظر اخرى في الصحراء حتى إذا توفرت الشروط الديمقراطية للمارسة خيار الاستفتاء؟

وبالمجمل، فإن  شهادة الملك في حق إلياس العماري تثير إشكالا سياسيا عميقا، يرتبط بطبيعة الدولة القائمة، والدولة التي ينشدها فضلاء البلد منذ الجلاء  الشكلي للاستعمار  الفرنسي  إلى اليوم؛ ففي دولة ديمقراطية حيث  ملف الصحراء تديره حكومة بصلاحيات قوية والقضاء مستقل عن  الجميع بما فيهم الملك، لكون الأخير فاعل اقتصادي وليس فقط سياسي، وحيث الملك بعيد عن تدبير الشأن العام  تكون  لشهادته في حق الياس العماري معنى غير قابل لأي تاويل أو قراءة، لكن حين نكون أمام نظام سياسي فيه  الملك يسود ويحكم ويتمتع بصلاحيات واسعة ومؤثرة في كل السلط التنفيدية والقضائية والتشريعية، فإن شهادته قد تضر بالحياة الديمقراطية وبسلامة المؤسسات الدستورية في البلاد.