عبد المجيد بن شاوية

ما من شك أن المغرب الرسمي يعانق في هذه المرحلة بالذات فصلا جديدا في مسار بناء تصوراته للعمل السياسي والمؤسساتي ، انطلاقا من إجراء استحقاقات انتخابية قادمة هي الثانية في ظل دستور 2011 ، الذي جاء بعد الحراك الشعبي والسياسي ، نتيجة تداعيات الحراك الثوري الجماهيري العربي الذي دشنه الشعب التونسي بإسقاط نظام سياسي عتيد، وما استتبعه من نتائج على عموم الأنظمة السياسية العربية، من المحيط إلى الخليج، التي لا زالت مفاعيلها قائمة لحد الساعة، وبهذا فالنظام السياسي المغربي كان سباقا إلى احتواء كل ما من شأنه أن يعصف بالأوضاع القائمة، سياسيا ،اجتماعيا ، اقتصاديا، أيديولوجيا ، تاريخيا ، بفعل ذكائه المناور في امتصاص الغضب الشعبي الجماهيري ، وسحب البساط من تحت الأيديولوجية المناهضة للاستبداد المخزني في صوره وأنماطه التقليدية، وكذا في تخريجاته المستحدثة التي تنهل من الحداثة المعاشة في جبة التقليدانية ، حيث سمح له في الدفع بقانون الاستمرارية السياسية والتاريخية واضعا حدا للقلاقل والرجات الممكنة مما سمح لبعض المحللين والمثقفين على تباين اهتماماتهم بالقول باستثنائية الحالة المغربية . إلا أن السؤال المطروح على المغرب الرسمي هو كالتالي : هل أبدع النظام السياسي المغربي في إنتاج رزمانة من القواعد والمعايير والقوانين لكسب رهان الحداثة السياسية للدخول في مرحلة بناء المؤسسات بمنطق العقلانية السياسية ، أم أن ما كان قائما سيصبح كائنا في واقع يضمن استمرار يته من داخل لعبة يتم تكريسها من طرف كل الفاعلين في مربع الشأن السياسي بالمغرب ؟ . إن هذا السؤال يجعلنا نفتح أعيننا على مشروع مؤسساتي ضخم في كل أبعاده السياسية ، الاقتصادية ، الاجتماعية، الثقافية ، التنموية ، المحلية ، الإقليمية ، الجهوية ، والوطنية، ألا وهو مشروع الجهوية الذي كثر الحديث عنه وأفاض الكثير من المداد ، وأثار الكثير من الكلام على اختلافه مدلولاته .
لاعتبار الانتخابات مؤسسة سياسية قائمة بذاتها، التي تشرعن لاختيار البدائل والقيام بانتقاء البرامج المطروحة من قبل الأحزاب السياسية أمام عموم الناخبين ، فلذلك تعمل الأحزاب على طرح مشاريع برامجها بهدف بلوغ الوصول إلى تقلد المناصب الرسمية الحكومية ، ومن ثمة تولي المسؤوليات الرسمية لتسيير وتدبير مصالح الشأن العام ، في كل مجالاتها وتخصصاتها، حيث تتقدم كل الأحزاب سواء كانت في الأغلبية الحكومية أو التي كانت في المعارضة، على طاولة التنافسية ببرامجها بهدف استمالة الناخبين وكسب أصواتهم في بورصة المؤسسة الانتخابية، ومن هنا يكون ربح الرهان التنافسي الانتخابي على ضوء ما تفرزه صناديق الاقتراع من نتائج، فضلا عن إنتاج مشهد سياسي حزبي ، وما يمكن أن يخلقه هذا الأخير من إشكالات في عمليات تشكيل الجهاز التنفيذي الحكومي والبرلماني.
هذا على المستوى العام في قراءتنا المجردة للمؤسسة الانتخابية، أما على المستوى الواقعي المتعلق بالشأن الحزبي المغربي في علاقته بالمؤسسة الانتخابية، يطرح السؤال علينا جميعا كمغاربة ، هل المؤسسة الحزبية المغربية تنضبط للمعايير والإجراءات والقوانين للمؤسسة الانتخابية كما هو معروف لدى الدول الديمقراطية الحديثة ، أم أن كل هذا يبقى مجرد حبر على ورق كما هو مدون في الكراسات الحزبية والمؤسسات القانونية الرسمية ؟ . ولعل أهم سؤال يتبادر إلى أذهان المغاربة المتيقظين هو : هل يمكن للمغاربة في استحقاقاتهم القادمة أن ينتجوا الفعاليات والكفاءات والطاقات السياسية القادرة على كسب الرهانات الإستراتيجية المستقبلية لمغرب الغد بكل إكراهات وتداعيات الراهن سواء في أبعادها الوطنية والإقليمية والدولية، أم أن محصلة الراهن الحزبي الحالي لا تبشر بالمطلوب الممكن في أفق السير التقدمي الذي يحلم به المغاربة عموما ؟ .
في هذه اللحظة بالذات بدأت الأحزاب المغربية تشحذ هممها وعزائمها، انطلاقا من مواقعها المركزية مرور بمعاقلها الإقليمية، وصولا لدكاكينها المحلية، هذه الأخيرة الموجودة في حكم الغائب ، بعد الغياب الشبه التام التي تسجله على سجلاتها اليومية، لعقد مؤتمراتها ولقاءاتها، أملا في التواصل مع المواطنين أو إنشاء حلقات التواصل المؤسساتي المرحلي المرهون بتفاعلات المرحلة الاستحقاقية القادمة، مكرسة العيوب المتوارثة منذ أن أصيبت المؤسسة الحزبية المغربية بأمراض وعلل يصعب معها العلاج الشافي ، سواء كانت بفعل النظام السياسي المغربي أو كانت من قبل أصحاب الشأن الحزبي أنفسهم ، حيث أن هذا الأمر لا يستقيم مع البعد الحزبي العقلاني في علاقاته بالمواطنين ، انطلاقا من مفهوم الحزبية وأدوارها ووظائفها، مما جعل المواطن المغربي في شك تام بصدد المؤسسات الحزبية المغربية، ولم تعد بالنسبة إليه مؤسسات موثثوقة في أطروحاتها وبرامجها ووعودها، خاصة مع شيوع القيم الشخصانية والمصالح الذاتية في ارتباطها بكيفيات التحزب المقيتة، وغيرها من التفاعلات السلبية ذات النزوع الحزبي الضيق الأفق ، بالإضافة إلى خدمة أجندات النظام السياسي المخزني، فبالنسبة لأحزاب الأغلبية لم تشكل أية قوة وازنة في تدبير الشأن العام ، وكأنها مجرد ديكورات على الواجهة السياسية الرسمية، أما بالنسبة للأحزاب المصطفة في صف المعارضة، لم تشكل أية قوة اقتراحية لمطالب وطموحات الجماهير المغربية، في تقويم السياسات الحكومية العمومية، فيكفيها اللغط في الفضاءات العمومية والصراعات الدونكيشوتية في الهواء الطلق ، أملا في استمالة الجماهير في معاركها المستقبلية للوصول إلى دفة السلطة ومراكز القرار السياسي الموهومة .
ففي استعداد كل الأحزاب المغربية في هذا الوقت بالذات لخوض عمار التنافسية في استحقاقات 2015 ، العديد من الملاحظات الممكنة :
- غياب التأطير والتعبئة الوظيفية للأحزاب المغربية في الحياة العمومية للمغاربة.
- غياب الأدبيات الحزبية في تصورات المواطن المغربي .
- اعتماد الأحزاب المغربية على القنوات التقليدية في إمكانية التواصل الحزبي .
- العمل الموسمي اللحظي عند اقتراب موعد الانتخابات.
- الاستقطاب المصحوب بالوعود ذات البعد الذاتي .
- تكريس ثقافة القيم الذاتية في الانتماءات الحزبية .
- الاعتماد على المال وأصحاب الرساميل المادية .
- تسييد ثقافة العضوية الاجتماعية بروابطها التقليدية .
هذه الملاحظات وغيرها التي يمكننا أن نسجلها في هاته الورقة البسيطة ، والتي سمحت لنا بعنونة مقالنا هذا بالعنوان أعلاه، فالأحزاب المغربية لم تعمل على تجديد أدبياتها ولا برامجها ولا أطروحاتها الكفيلة بإنتاج نخب سياسية قادرة على مواجهة تحديات المغرب المستقبلية، في كل مجالات الحياة عموما، انطلاقا من استقرائنا لحركيتها وسلوكياتها ، التي يشهد عليها المغاربة قاطبة ، ولهذا لا يمكننا إلا انتظار ما هو أسوء في عمليات إنتاج مشهد سياسي بقوالب تقليدية كلاسيكية ، ما دام أن شروط العقلانية السياسية تم تغييبها فيما سبق من تاريخ الممارسة الحزبية والنظامية إلى حدود الراهن الذي يسوقنا نحو استحقاقات قادمة بفواعل عتيقة وبالية، وهو ما لا يسعف المغرب والمغاربة على تحقيق التطلعات والتحديات الممكنة في التاريخ المستقبلي على المدى القريب والمتوسط معا .