عندما كتبتُ عاش المخزنْ، وتعاملت بنوعٍ من الزهدْ اتجاه أحداث الانتخابات الأخيرة، وما صاحب أطوارها من أحداث وتفاعلاتْ، إيمانا عميقا منيِ، بالتناقض القول والفعلْ لدى الخطاب الرسمي وفروعهِ، أي ننادي بأمر ما ونأتي على غيرهِ، في مشهد يؤكد وجود مبدأ "التفكير المزدوج" أي الإيمان بفكرتينْ متناقضتينْ معا في الوقت نفسهِ، مع توظيف كلتيهما في وقتها المناسبْ، وما بدر من بعض السياسيين من إشارات مشفرة، على وجودْ ما يشبه صفقة سياسيةْ، أبطالها المخزن "الداخلية" وبعض قيادات الأحزاب الوطنيةْ، هذا اعتراف ضمني، على كوننا فشلنا مرة أخرى في بناءْ صرح ديمقراطيِ حقيقي، كما سطرته رياح الحراكْ المغربي، وظهرت بعض مؤشراته على وثيقة التعاقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنينْ، إلا أننا اكتشفنا تدريجييا، بأن بعض الساسة المغاربةْ، يحنون إلى سنوات خلتْ، ولا فكرة لهمْ، عما يجري حولهمْ من تغييراتْ فكرية وثقافية واقتصاديةْ، الشيء الذي سيكلفنا حتما سنوات إضافية وجهدا إضافيا، في إقناعهم بجدوى التقدم والمضي قدماً نحو مستقبل أكثر إشراقا، من سنوات الظلام، التي تلتْ الاستقلال المغربيِ، والتي امتدت لعقودْ، وكأن قدر هذا الشعبْ المسكين التضحية بعقودهِ وزهرة سنوات شبابهِ في الترقبْ، بدل العمل على بناءْ والانخراط بشكل كليِ داخل نمط اجتماعي موزع الأدوار.

يمكن القول وتحديدا هذا ما نعنيه ب "الانتظاريةْ" التي تتوارثها الأجيال المغربية فيما بينهاَ، مع قليل من جرعات الآمل، التي يحقن بها كل جيلْ ذاته، التي نخرتها "الانتظاريةْ"، وتبخرت أحلامه لأكثر من مرةْ، غير أن الإنسان المغربي، من طبعه، التعايش عبر عصور خلت، مع ثنائية قسوة الطبيعةْ وقسوة العيشْ، حتى صار لا وجود لحزب الفرحْ بين أفراده، وصار فعلُ "الرفاهيةْ الاجتماعيةْ" فصل من فصول حكاية "ألف ليلة وليلةْ".

وبالمقابل، انخرط جموع أفراده غصباً، بحزب الحزنْ، كيف لا قسمات وجوههم الشاحبةْ، تأكدُ تدمعْ عيون السياحْ "الغربيين" لحالهاَ، وصدق نجيب محفوظ ، حينما قال ، “لو ظل التخلف في مجتمعاتنا فسيأتي السياح ليتفرجوا علينا بدلاً من الآثار”، لأن الإنسان هذه الأيام، أضحى لا يتوفرْ إلا على بقاياَ الحياةْ وعلى أنقادهاَ، يبقى آمالهُ المتبخرةْ قيد الحياةْ، إن لم نقل قيد الموتْ.

لابد أن يدركْ الجميعْ، أننا وفي وقت الراهن، أمام مسؤوليات جسامْ، وخصوصاً لمن وجدواَ في مواقعْ ومنابرْ، تلقي بشكل تلقائي على عاتقهم مسؤوليةْ، السهر على بناءْ وطن يتسع للجميعْ، كيفما كانَ أصلهم، شريطة أن يقدروا إنسانيتهم، ويسموا بها إلى مقامها الحقيقيِ، في وضع يسمح لباقي أفراد الشعبْ، العيش حياة تليقُ بهم كالبشرْ، لكن وفي كل مرة يبدو أن الوقت قد فاتنا لإدراكْ ذلكْ، وأضعنا الموعدْ مع التاريخ، ذلك التاريخ، الذي سيقرؤه أبنائنا وأحفادنا، ويسحروا من شجعنا وطمعناَ وخيانتنا لمسؤولياتنا.

وعودة لموضوع المخاض السياسي الأخير، الذي شهده المغربْ، يمكن القولْ، بأننا أمام ساسةْ أخر شيء يفكرون فيهْ، هو إرادة هذا الشعبْ، إذ كيف يتحالف دعاة محاربة الفساد مع الفساد، في موقعة اغتيال تاريخية لإرادة، هذا الشعب، الذي اختار جزء يسير منه عن وعيْ، التغيير من داخل صناديق الاقتراعْ، مدججون بالعتادْ الثقيل، الذي ننشده لديمقراطيتنا الناشئةْ، ما أفرزته الانتخابات الأخيرة، من سلوكيات وممارساتْ، من شأنها، أن توسع دائرةْ، العزوف السياسيِ وحتى الحزبيِ، الشيء الذي سيفتح البابْ على جميع الاحتمالاتْ.

وأول الأسئلة وبدايتها، إلى متى تحل ثقافةْ "خدمة الصالح العام" مكان، ما سبيل إلى كعكةْ؟، لأننا صدقا سئمنا ونخر اليأس ذواتناَ، من انتظار لحظة "نهضة" أو "صحوة" أو سموها كما شئتمْ، الأساسي طي صفحة السباتْ هذه، التي طال أمدها، لأننا نقلق على مستقبل الأجيال القادمةْ، أكثر من خشيتناَ على سنوات عمرناَ وأيامناَ، إيمانا منا بمسؤولية الانتماء لهذا الوطن.