المفضل بنحليمة

يكاد المتأمل للمشهد السياسي المغربي ،وهو يلاحظ الطريقة التي تدار بها البلاد ،أن يُصاب بالذهول، و يجد نفسَه وكأنه أمام مسرحية سريالية فريدة من نوعها.

يتكون هذا المشهد ،بشكل عام من :
1- القصر

2-الحكومة و الأحزابِ المشكِّـلة للأغلبية البرلمانية

3- أحزابِ المعارضةِ والمركزيات النقابية المتحالفة معها...


أولا : القصر :

القصر هو الفاعل الأساسي في كل ما يحدث. وهو في أعلى هرم السلطة ، ممسِكٌ ، بحكم الدستور وبحكم التقليد ، بكل خيوط اللعبة السياسية وبكل مقاليد الأمور الكبرى التي تهم البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ودينيا...

ثانيا : الحكومة

الحكومة تضم أطيافا سياسية مختلفة تصل في اختلافها – على مستوى الشكل - إلى حد التنافر ، بحيث أن من يحاول أن يعتمد في تحليله على المنطق لا يمكن أن يجد أمامه اسبابا معقولة وقواسم تتيح لهذه الأطياف إمكانية تأليف برنامج عمل حكومي مشترك دون أن تسقط في التناقض وفي حالة التنافي كما هو حاصل في واقع الأمر.
ومن مظاهر هذا التنافي مثلا أنه في وضع حكوميّ سليم لا يجوز أن يجمع وزيرٌ بين سلطتِه التنفيذيةِ وانتمائِه لعالم المال والأعمال كما هو موجود في تشكيلة هذه الحكومة .

كما أنه في ظل حكومة حقيقية متضامنة ومنسجمة ، لا يستقيم أن نجد فيها جَنْباً إلى جَنْب ،إسلاميين محافظين ، واشتراكيين علمانيين ،وليبراليين ، ووزراء سيادة و تكنوقراط ...

هذا الخليط المتنافر في تركيبة هذه الحكومة ،لايوجد إلاّ في المغرب ،ولا يمكن تفسيره إلا بكونها مُفبركة على مقاس يسمح بإمكانية التحكم فيها وفي مَـصِيـرِها من طرف من يصنعون المشهد السياسي للحفاظ على العلاقات والأوضاع القائمة كما هي سياسيا واقتصاديا وثقافيا الخ...

ثالثا : المعارضة

والتشكيلة المكوِّنة للمعارضة هي أيضاً قريبة من الفسيفساء الذي رأيناه في تركيبة الحكومة .
ففي هذه المعارضة تقف أحزابٌ إداريَّة وُضِعَـت تصاميمُ إنشائها ، في البدء ،في مختبرات النظام ،وخرجت إلى حيِّـز الوجود مِنْ رَحِم السلطة ، ثم نَمَت وتطورت للقيام بدور المساندة لتوجهات الدولة ، ولمشاريعها الآنية والإستراتيجية ، ولكلِّ ما يؤدي إلى استمرار واستقرار النظام السياسي القائم في البلاد.
وهي أحزابٌ بحكم طبيعتها ومَنْشَـئِها هذا ، لا يمكنها أن تجيد القيام بأي دور سياسي ما عدا دور الموالاة للنظام.
وتقف مع هذه الأحزاب نقابة ، كفَّ الجهازُ المتنفذ فيها عن الدفاع عن قضايا الطبقة العاملة ، وسُميَ ذات يوم جهازاً برصويا ،لأنه تخلى عن التشبث بالمصالح العليا للطبقة العاملة في سياق تاريخي حاسم . كما تخلى عن كل ما له علاقة بقيم الحرية والديمقراطية والنضال السياسي الذي ينبغي أن يخوضه العمال .
وهما معاً – الأحزاب الإدارية والجهاز البرصوي - يقفان اليوم في صف واحد مع أحزابٍ وطنية وتقدمية ومنظماتٍ نقابية يسارية، وُلدت على إثر مخاض شاق وعسير مِنْ رَحِم المجتمع ، وقدَّمت عبر مسيرتها التاريخية من أجل تحقيق أهدافها في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية قافلةً من الشهداء وسَـيْـلاً جارفاً من الدم والدموع.

من الناحية المنطقية يصعب – هنا أيضا - تصورُ إمكانية إيجاد قواسم مشتركة بين مكونات هذه المعارضة المتنافرة تسمح لها بصياغة برنامج عمل مُوَحَّد وبالنضال من أجله ، دون أن تجد الأطرافُ التي تنتمي إلى اليسار نفسَها في حالة شرود ، إذا لم نقلْ في حالة تواطؤ وتَـنَـكّـرٍ للمشروع المجتمعي الذي تم إقراره عند مخاض الولادة ومرحلة التأسيس.
فهل يستقيم سياسياً التنسيقُ بين أحزاب وطنية وتقدمية تسعى نظريّاً إلى دَمَقْـرطة الدولة والمجتمع كحالة الاتحاد الاشتراكي مثلا ، وبين أحزاب أنشأها النظام من أجل الالتفاف على دور أحزاب المعارضة الحقيقية، ومن أجل حمايةِ مصالحِه الاستراتيجية والحفاظِ على الأوضاع وعلاقاتِ الإنتاج السائدة ؟

وهل يستقيم على المستوى الاجتماعي أن تتلاقى إرادةُ مركزيتين نقابيتين كان مُبرِّرُ خروج إحداهما للوجود هو انحرافُ الأخرى ودفاعُها عن مصالح الباطرونا والطبقة السائدة؟

هذا أمر سريالي غريب ، مخالف لأحكام العقل والمنطق . ومع ذلك يُعتبر اليوم- مع شديد الأسف - أَهمَّ سِمَةٍ للمشهد السياسي المغربي ، حيث نجد حكومةً تجمع داخلها مشارب سياسية شتى وهي لا تحكم ، ومعارضةً مؤلفة من أطراف متناقضة في الأهداف وهي لا تُعارض مَنْ يَحْكـم .

ومن خلال هذا المشهد يبدو لي، أن القاعدة الاجتماعية للنظام قد اتسعت لتشمل أيضا الأطراف السياسية والاجتماعية التي كانت إلى عهد قريب ، مناهضة للاستبداد ...

هذه القوى السياسية والاجتماعية اليسارية وهي في المعارضة صارت الآن تلغي من اهتماماتها وبرامجها القضايا السياسية والاجتماعية الكبرى من قبيل الاعتقال السياسي ، وتشغيل الشباب ، والتعليم العمومي...
وتحصر اهتمامها في معارضة جزئية تستهدف بنكيران فقط وحكومته التي لا تحكم في حقيقة الأمر .
وهذا لا يمكن تبريره إلا إذا كانت في حالة شرود تام أو كانت أداة في يد النظام وأن روحَ تجربة (مجموعة الثمانية ) هي التي تُـلهِمُها . وأنَّ قيادَتَـها المتنفذة قد غيرت نظرتها إلى طبيعة التناقض الأساسي في المجتمع.
الأمرُ الذي اقتضى واستتبع أن تقوم بتغيير مماثل ، في أهدافها ،وفي منطق تحالفاتها ، وأيضا في مواقفها النضالية وساحات معاركها بحيث أصبح مَنْ يرأس الحكومة ولا يحكم هو عدوُّها،ومَنْ يحكم بالفعل مجرد حَكَــم .

(مجموعة الثمانية : تحالف انتخابي بين ثمانية أحزاب إدارية لم يكتب له الاستمرار بعد اندلاع الحراك الديمقراطي الذي فجرته حركة 20 فبراير)