يصاب الإنسان بالاستغراب أمام حالات أشخاص حصلوا على مناصب المسؤولية سواء عن طريق الانتخابات أو عن طريق التعيين ، و تجد أغلب من هم في مناصب المسؤولية بعيدون كل البعد عن الشروط الواجب توفرها فيهم و تنقصهم الكفاءة الضرورية لتولي مناصب تستدعي المعرفة القانونية و القدرة على التخطيط و التمكن من مهارات التدبير الفعال، و وجوب شرط التميز بالشخصية ذات القوة التواصلية ، هذا إلى جانب أن يمتلك المسؤولون الحس الإبداعي الذي يدفعهم للمبادرة و إيجاد الحلول الناجعة بكيفية سريعة ، ناهيك على وجوب اتصافهم بخصال الاستقامة و النزاهة و الجدية و الأخلاق العالية و السلوك الديمقراطي ، فتجد أشخاصا لا يتوفرون لا على الإجازة أو الماستر أو شهادات مماثلة كشهادات المدارس الإدارية و الهندسة و لا على خبرة التي يجب أن لا تقل عن 15 سنة من العمل في مجال محدد يتطلعون طمعا في مناصب عليا فشلهم فيها أكبر من حظوظ نجاحهم ،و نوايا النهب و الاغتناء هي دافعهم لذلك ، ثم أنه يستحيل للشخص مهما كانت له شواهد عليا و لا يتوفر على تكوين في التدبير الإداري و المالي و دارس للقانون أن يتقن عمله القيادي و التدبيري و التواصلي للمؤسسة التي يسيرها ،و ستكون مظاهر التردي و الفشل و التسيب ظاهرة للعيان في غياب رؤية استراتيجية و قانونية و تدبيرية.

و بالطبع ممارسة المسؤولية بمعنى القيادة لمؤسسة ما تعتمد على حجم السلطة الممنوحة للقائد و المهارات القيادية التي تمكنه و تخول له وضع الاستراتيجيات و السياسات العمومية ،و كذلك الكفاءة العلمية و الأكاديمية التي تؤهله للقيام بالتدبير الإداري للمؤسسة و تمكنه من استعمال أساليب الاتصال و التواصل الفعال ، بالإضافة إلى مدى استقلالية المنصب الذي يشغله المسئول القائد الإداري و المسموح له القيام به في حدود الاختصاصات الممنوحة له بنص القانون .

و تتضح خبرة القائد عندما يتعامل مع أناس رؤساء و مرؤوسين أو مرتفقين أو مجتمع مدني، من مستويات معرفية و تعليمية متفاوتة و من فئات اجتماعية و ثقافية متنوعة،حيث يستعمل المرونة المطلوبة من موقف لآخر و من وضعية لأخرى، و يستخدم مهارته و يقظته و نباهته في التنقل من نمط لآخر من أنماط القيادة.

و تعتبر القيادة أهم ركيزة لنجاح أي مؤسسة سواء كانت على المستوى الوطني كالحكومة أو الوزارة أو مديرية أو على المستوى الجهوي و المحلي كالأكاديمية الجهوية أو الولاية أو العمالة أو المصلحة الخارجية ...، بحيث يمكن توفير الإمكانيات المادية و البشرية و اللوجيستيكية الضرورية و الكافية لنجاح العمل الإداري لمباشرة البرامج و المشاريع ،إلا أنه في غياب قيادة متمكنة و أداء إداري جيد و التشبع بالقيم الأخلاقية و الضمير الإنساني لاحترام العمل بمعايير الجودة الشاملة و الحكامة الجيدة يستحيل الحصول على نتائج و تحقيق التطور في مؤسسة ما ، حيث مآل هذه المؤسسة التي تفتقد لما سبق ذكره هو الانهيار إن لم نقل الإفلاس و التسيب و ظهور لوبيات الفساد و التخريب التي تسعى للإغتناء السريع و قضاء المصالح الخاصة بدعوى أن هذه المؤسسة هي مؤسسة عامة و ليس هناك من يضع حدا للتجاوزات و الاختلالات و الفساد في كل تجلياته من خلال اقتناص ثغرات القانون و الفراغ التي تحدثه القيادة الضعيفة ، و الدليل على كل ما ذكر هو إفلاس العديد من المؤسسات العمومية و خوصصة العديد منها و تعرضها للنهب و إفلات المفسدين من العقاب رغم تواجد مؤسسة المجلس الأعلى للحسابات و رغم تواجد قضاء يتمتع بخبرة و كفاءة عالية للتعاطي مع مثل هذه القضايا التي تعرف انتقائية في التعاطي معها و غياب الإرادة السياسية في القضاء على الفساد الإداري و المالي، و إلا لما تجرأ و ما يزال العديد ممن هم حاليا مسؤولين بإدارات مؤسسات عامة على التمادي في سوء التدبير الإداري و المالي و التي يسجلها سنويا المجلس الأعلى للحساب دون أن تعرف كل ملفات الاختلالات طريقها للمحاسبة الإدارية أو المحاسبة القضائية.