يعيش الاردن هذه الايام ظروفا صعبة للغاية، بسبب المشاكل الامنية المتفاقمة في دول الجوار، التي تحيط به من كل الجهات وتصل تبعاتها وذيولها اليه بصورة او بأخرى، ففلسطين المحتلة في الغرب تشهد انتفاضة السكاكين، وصحراء سيناء في الجنوب تحولت الى “دولة” فاشلة، تشهد مواجهات واحداث عنف وارهاب، كان آخرها اسقاط الطائرة الروسية بعد اقلاعها من مطار شرم الشيخ، بتفجير اعلنت “الدولة الاسلامية” مسؤوليتها عن تنفيذه، اما في الشمال فالحدود مغلقة مع سورية، بسبب سيطرة قوات تابعة لجماعات اسلامية متشددة معارضة للنظام، وفي الشرق هناك “الدولة الاسلامية” التي تسيطر على معظم اقليم الانبار السني العراقي.

ومن هناك جاء حادث اطلاق النار من قبل الضابط الاردني انور ابو زيد على خبراء عسكريين امريكيين وقتل اثنين منهم، الى جانب عسكري آخر من جنوب افريقيا واردنيين اثنين، واصابة سبعة آخرين في مركز تدريب لقوات الامن شرق العاصمة ليصيب السلطات الاردنية بحالة من الصدمة، في وقت كانت تسود البلاد حالة قوية من الوحدة الوطنية تدين الارهاب وتفجيرات فنادق عمان.
مصدر القلق الرئيسي لهذه السلطات ان يكون هذا الضباط، منفذ هذه الجريمة، ينتمي الى “الدولة الاسلامية” مما يوحي بأنها، اي هذه الدولة، قد نجحت في اختراق قوات الامن الاردنية، واستطاعت تجنيد بعض الخلايا في اوساطها، وربما اوساط عسكرية اخرى، ولهذا حرصت هذه السلطات على نشر نفي هذا الايحاء بقوة وتأكيد عائلة الضابط (جرى قتله من قبل زملائه فورا)، ان لا علاقة له مع اي جماعات ارهابية في اشارة الى “الدولة الاسلامية”، وانه كان معتدلا، ولم تظهر عليه اي علامات تطرف في سلوكه الشخصي، وان كان ملتزما باداء فروضه مثل معظم المواطنين، والاهم من هذا وذاك ان “الدولة الاسلامية” لم تتبن هذه العملية حتى كتابة هذه السطور.

وكان لافتا ان توقيت هذه العملية تزامن مع الذكرى العاشرة لتفجيرات الفنادق في عمان التي نفذتها خلية تابعة لتنظيم التوحيد والجهاد، الذي يتزعمه او مصعب الزرقاوي، الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لتنظيم “الدولة الاسلامية”، وباذر البذرة الاولى الرئيسية لنواتها الاولى، علاوة على وجود عدد كبير من المقاتلين الاردنيين في صفوفها، هناك من يقدره بأكثر من الفي مقاتل على الاقل.

اقدام “الدولة الاسلامية” على حرق الطيار الاردني الشاب معاذ الكساسبة حيا وبطريقة همجية بشعة، بعد وضعه في قفص، وهو يرتدي بدلة الاعدام البرتقالية، أثار حالة من الحنق والغضب المشروعين والمبررين في نفوس الغالبية العظمى من المواطنين الاردنيين من شتى المنابت والاصول، واذا صح ان الضابط الاردني ابو زيد، منفذ عملية اطلاق النار هذه ينتمي الى “الدولة الاسلامية” فان هذا سيشكل صدمة للاردنيين حكومة وشعبا، لان هذا يعني ان هناك خلايا نائمة للدولة في الاردن، ولكن لا يوجد اي دليل حتى الآن يؤكد ان هذا الاحتمال قائم وينطوي على شيء من الصحة، ولكن من الصعب استبعاده كليا على اي حال.

من الواضح ان التوقيت مهم، وله دلالات رمزية عديدة بالنسبة الى “الدولة الاسلامية”، فعملية اسقاط الطائرة الروسية بعد اقلاعها من مطار شرم الشيخ تزامن مع الذكرى السنوية الاولى لتقديم جماعة انصار بيت المقدس التي تشن عمليات ارهابية ضد الجيش المصري في سيناء البيعة للخليفة ابو بكر البغدادي زعيم “الدولة الاسلامية”، واعلان سيناء ولاية تابعة له ودولته.
الاردن ادرك منذ اللحظة الاولى خطورة تنظيم “الدولة الاسلامية” عليه وامنه والمنطقة بأسرها، ولذلك سارع بالانضمام الى التحالف الدولي الستيني الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية للقضاء على هذا التنظيم، وبادر الى ارسال طائرات، وقوات خاصة للمشاركة في هذه الحرب، ومن الطبيعي ان يثير هذا الانضمام غضب “الدولة الاسلامية”.

مسارعة العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني الى زيارة الجرحى الذين اصيبوا في هذا الهجوم للتضامن معهم، والاطمئنان عليهم، ووضعه اكليل من الزهور على النصب التذكاري الذي اقيم تخليدا لضحايا تفجيرات الفنادق عام 2005، تؤكد ان الاردن يولي اهمية خاصة لمواجهة مثل هذه الهجمات الدموية، وتحصين جبهته الداخلية في مواجهتها، والتصدي لاي محاولات لاختراقها.

الاردن الذي يواجه ازمات مالية خانقة بسبب جحود جيرانه الاغنياء في بعض الدول الخليجية، وحجم الاعباء الامنية المكلفة الواقعة على عاتقه من جراء الفلتان الامني في دول الجوار، وكذلك تدفق اكثر من مليوني لاجيء سوري الى اراضيه، وكان كريما ومتسامحا ومسؤولا في التعاطي معهم واحتضانهم، على عكس معظم الدول العربية والغنية منها على وجه الخصوص، هذا الاردن ليس بحاجة الى اي ازمات او صدمات امنية جديدة على غرار هذا الهجوم الاحدث، لان رأس ماله الاكبر هو استقراره الداخلي، طبعا الى جانب عقوله وثروته البشرية الاغنى، وقيم التعايش التي رسخها بين كل مواطنيه وضيوفه، في منطقة تغلي بالانقسامات الطائفية والعرقية.