حسنا فعل سي بلمختار وزير التربية الوطنية وهو يداعب أمس هاتفه الذكي تارة، ويتحدث باستهزاء مبالغ فيه مع زميله في الحكومة وزير المالية إدريس الأزمي تارة أخرى، ويبتسم ويبالغ في ذلك مرة ثالثة، كرد فعل منه على الانتقادات القوية والمدعمة التي وجهتها له المستشارة البرلمانية البارزة الأستاذة خديجة الزومي عن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، لأنه رد بذلك العربة لسكتها الحقيقية.

وزير التربية قبل التعليم لم يكتفي بهذا السلوك الأرعن خلال جلسة أمس لمجلس المستشارين الخاصة بالأسئلة الشفهية، بل إنه غادر القاعة دون أن يعقب أو يجيب على تساؤلات وانتقادات السادة المستشارين، وتركهم في حيرة من أمرهم يتساءلون، وهو سلوك غير معهود في تاريخ هذه القبة، حتى من أولئك الذين يعتقدون أنهم فوق المساءلة وفوق السؤال البرلماني .

سلوك الوزير المشار إليه خلف ردود فعل ساخطة من قبل المغاربة، ظهر ذلك جليا من ما كتب ويكتب منذ أمس على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث التعبير عن السخط على أشده، على وزير اختار أن يتعامل بطريقته الخاصة مع المغاربة، ومع من يفترض أنه يمثلهم، كما أنه استهزاء واضح بمؤسسات قيل أنها منتخبة.

وفي الحقيقة فإن لهذا الوزير صولات وجولات على هذا المستوى، لقد سبق وأن رفض إعطاء تصريح صحفي لقناة دولية ناطقة بالعربية، بدعوى أنه "معندوشي" مع اللغة العربية، وأنه يعطي التصريحات باللغة الفرنسية فقط، كما أنه سبق وأن رفض انتقادات نواب بلجنة داخل مجلس النواب، وخاطبهم قائلا "الملك هو لي عيني في هذا المنصب وهو لي يحاسبني"، يا سلام على الحقيقة.

لكن سلوكات وتصريحات السيد الوزير لها أكثر من معنى ومن مغزى، فهي جاءت لتؤكد ما يشير إليه العديد من الفاعلين من حين لآخر، الوزير أراد أن يقول وهو محق في ذلك ما يلي .

أولا، أراد أن يقول "أنني نزلت على هذا المنصب بالمظلة، وأنا لا أنتمي لأي حزب من أحزابكم، ولم أشارك في أي انتخاب من انتخاباتكم، وبالتالي فأنا غير معني بكل نقاشاتكم، وترهاتكم، ولا أحد له الحق في أن يقول لي هذا خطأ أو هذا صواب، إلا من وضعني في هذا المنصب وهو من له الحق في أن أبقى أو أرحل، وأنا باق هنا إلى أن أكمل عدتي".

ثانيا، أراد أن يقول هذا الوزير، "أن مؤسساتكم المنتخبة لا تعني لنا شيئا، وأن ما تقومون به مجرد مسرحيات تقدم على الهواء وتنتهي بانتهاء بثها المباشر، وأنني أنا الوزير المعين أقوى من كل الوزراء الذين جاؤوا عبر آلية الانتخاب أو عبر حزب معين، فأنا النموذج المحتذى، وأنا القدوة المراد لها الاستمرار" .

ثالثا، بلمختار أراد أن يقول "انسحابي من القبة هو أحسن رد مني على انتقاداتكم المضحكة، فأنتم تعرفون أن القرار الأساسي ليس بيدي، وأنا رجل عجوز كما ترون، وأنا هنا من أجل أداء مهمة معينة وسأغادر، فاذهبوا عند من بيده القرار إن كانت لكم الجرأة والكبدة لانتقاده .

ما جرى أمس بالجلسة العامة الخاصة بالأسئلة الشفهية بمجلس المستشارين، يؤكد إلى أن أوان وضع حد لمثل هاته الأشكال السياسية التي تسيء إلى الحياة السياسية قد حل، فهذا الرجل أساء إلى المغرب أكثر مما أساء إلى نفسه، ألم يقل رئيس الحكومة أنه أتى لتخليق العملية السياسية، فلماذا يتشبث بهذا الشكل الذي بلغ من الكبر عتيا؟ ألهذه الدرجة بلدنا عقيم حتى يتولى وزارة مهمة مثل هذا "الغريب" ؟.