أطلق الأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط قبل استحقاق رئاسة الجهات الذي كان يوم 14 شتنبر وخلال الثلاث أيام الأولى التي أعقبته مواقف سياسية وتصريحات إعلامية غير مسبوقة يمكن تلخيصها فيما يلي:

- إعلانه فك ارتباط حزبه مع حليفه في المعارضة حزب الأصالة والمعاصرة واتهامه بطعن الحزب والرغبة في الهيمنة والتحكم في كل شيء،
- إعلان مساندته النقدية لحكومة عبد الإله بن كيران التي انسحب منها في سنة 2013 بمبررات اتفق أغلب المحللين والمراقبين للشأن العام المغربي على أنها واهية ولا تعكس الخلفية الحقيقية للانسحاب الذي تقف وراءه أطراف أخرى اصطف معها حزب الاستقلال في المعارضة في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ هذا الحزب الذي ظلت قوته في المشهد السياسي والحزبي المغربي مرتبطة بوجوده في الحكومات المتعاقبة،
- تصويته على منافسه في الانتخابات الجماعية والجهوية بفاس الوزير الإسلامي إدريس الأزمي بعد أن طعن في لائحته الانتخابية وهدد بما لا يحمد عقباه إن لم تسقط هذه اللائحة،
- اتهامه لوزارة الداخلية ووزيرها محمد حصاد بالضغط على مناضلي حزبه لإفشال اجتماع المجلس الوطني المزمع عقد في غضون الأيام المقبلة في سياق رده على اتهامه حصاد له بابتزاز الدولة وتهديدها في مجلس للحكومة استنادا لما تناقلته الصحف والمواقع.
مواقف الأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط السالفة الذكر يمكن النظر إليها من خلال ثلاث زوايا أو بالأحرى من خلال ثلاث سيناريوهات ممكنة:
1 كتعبير عن إحساسه بالغبن السياسي بعد أن خسر كل رهاناته الانتخابية التي يمكن أن تكون قد طرحت كموضوع اتفاق مسبق مع حلفائه في المعارضة، ولاسيما، حزب الأصالة والمعاصرة بما يرمز له هذا الحزب من تمثيلية سياسية لجناح مهم داخل الدولة يمتلك سلطة القرار وله نفوذ هائل وقوي في عدد من المجالات،
2 كتكتيك سياسي لدفع حزب العدالة والتنمية، الذي اكتسح نتائج الانتخابات الجماعية في فاس وتسبب له في هزيمة نكراء أسقطته من كرسي العمودية، إلى عدم إخراج ملفاته إلى العلن كهدف استراتيجي خصوصا بعد أن أدرك حميد شباط أنه أصبح بين كماشتين: كماشة من باعوا له الوهم ودفعوه إلى الخروج من الحكومة في سنة 2013 وخاضوا بواسطته حروبا شرسة ضد حكومة كان حليفا فيها للإسلاميين، تم كماشة حزب العدالة والتنمية الذي أصبحت له بعد تحرير فاس- وصف أطلقه الباجدة- إمكانية للإطلاع على كل ملفات تدبير شباط لفاس خلال 12 سنة..
3 كمناورة سياسية جديدة من غير المستبعد أن يكون قد تم الترتيب لها في مقر العرعار الذي اجتمع فيه قادة أحزاب المعارضة على عجل بعد أن علموا باكتساح البيجيدي لنتائج الانتخابات الجماعية في الحواضر الكبرى مثل الرباط والقنيطرة ومراكش وطنجة وفاس والبيضاء والمحمدية وأكادير وسلا ومدن أخرى كانوا يسيرونها، تذهب في اتجاه دفع الأمين العام لحزب الاستقلال إلى إعلان تمرده عن تحالف المعارضة ولا سيما الأصالة والمعاصرة وإظهاره كقوة تحكمية لا تفي بتعهداتها مع حلفائها ولا تخدم إلا مصالحها وترغب في الهيمنة على كل شيء، مما سيتولد عنه ردود فعل معينة سيفهم منها أن الدولة العميقة غير راضية على تمرد شباط واتهامه بالإبتزاز والتهديد وغير ذلك من الكليشيهات، والغاية من كل ذلك، لا تخرج عن نطاق خلط أوراق اللعبة السياسية، ودفع البيجيدي إلى العطف سياسيا على شباط، والتعامل معه بتسامح سياسي في المستقبل، وفي هذه الحالة سيكون حزب الاستقلال هو المستفيد لأنه سيتجنب قصف بنكيران في محطة 2016 .
السيناريو الأخير، يبقى في اعتقادي الشخصي مرجحا لعدة اعتبارات، كما أنه لا يستبعد فيه فرضية الفشل، حيث أنه إذا اتضح لمن خططوا لهذا السيناريو المحتمل، مادام أن السياسة هي فن الممكن، أن حزب العدالة والتنمية انتبه إلى المخطط، ولم يقع في الفخ أو الكمين المنصوب له، سينقلبون فعلا على شباط وسيدفعون بكريم غلاب أو توفيق احجيرة أو عادل الدويري أو الأنصاري أو ولد الرشيد لخلافته في قيادة سفينة حزب الاستقلال بدلا من رموز تيار بلا هوادة، وذلك لضمان استمرار ولاء حزب علال الفاسي لمشروع الجهة التي كانت وراء خروج حزب الاستقلال من الحكومة في سنة 2013، وهنا سيكون المخزن هو المستفيد، في حين سيكون الأمين العام الحالي حميد شباط هو المتضرر الأكبر إن لم نقل ضحية غبائه السياسي، لأن المغاربة سيقولون أن المخزن شاطر وعرف بذكائه كيف يوظف شباط ويخوض بواسطته الحرب بالوكالة ضد حكومة بنكيران، وكيف يتخلص منه في الوقت المناسب.
اتهام حميد شباط بابتزاز الدولة دون تحديد ما المقصود بالدولة التي تحدث عنها وزير الداخلية من داخل مجلس الحكومة وهي سابقة في تاريخ مجالس الحكومات التي تعاقبت على تدبير الشأن العام في المغرب أمر غير مفهوم لسببين:
أولا: أن الابتزاز الذي تحدث عنه وزير الداخلية في مجلس الحكومة الذي تبقى له اهتماماته وقضاياه التي ينظر فيها طبقا لصلاحياته الدستورية اتهام يهم أمين عام حزب سياسي منتخب وله مكانته في المشهد السياسي الوطني وقد سبق لملك البلاد أن هنأه على الثقة التي وضعها فيه الاستقلاليين والاستقلاليات كأمين عام للحزب بغض النظر على الطعن في مشروعيته الانتخابية من طرف تيار بلا هوادة. كما أنه يأتي مباشرة بعد إعلان حميد شباط لموقف المساندة النقدية للحكومة واتهام البام بالتهكم ودعوة مستشاريه بعدم التصويت لصالح مرشحيه في استحقاق رئاسة الجهات ولا سيما في كل من جهة الدار البيضاء سطات التي ترشح فيها الأمين العام مصطفى بكوري وجهة طنجة الحسيمة تطوان التي ترشح فيها الرجل النافذ في البام إلياس العماري.
ثانيا: ما صدر عن وزير الداخلية من اتهامات خطيرة رد عليها الأمين العام لحزب الاستقلال حميد شباط بأخرى أخطر منها دون أن يقدم أي طرف منهما دليله المادي الملموس في مواجهة الطرف الآخر...
عدم لجوء الطرفين إلى إصدار بلاغات أو بيانات رسمية تزكي مواقفهما واتهاماتهما المتبادلة أمر موجب للشك في كل هذه الوقائع وهو شك منهجي مشروع مادام أن السياسة في المغرب لا تخلوا من نزعة ميكيافيلية وألاعيب وخدع لا نهاية لها.