عادت مجددا قضية حرمان أحزاب سياسية مغربية من الوصل القانوني رغم استيفائها لكل الشروط المنصوص عليها في قانون الأحزاب حسب العديد من المراقبين إلى الواجهة من جديد، وذلك بعد أن حصل حزب البديل الديمقراطي صباح جمعةعلى وثيقته القانونية من وزارة الداخلية بالرباط، وقبله بأشهر قليلة حصلت أحزاب أخرى على وضعيتها القانونية، كل هذا جميل ورائع لأن تأسيس حزب سياسي حق مشروع للجميع يكفله الدستور والقانون الدولي.
لكن هذا الحق لا يستفيد منه كل المغاربة، فهناك مغاربة لا يعرفون لماذا ترفض السلطات منحهم حق التواجد القانوني ؟ ولا يعرفون السبب الحقيقي لهذا الجفاء المبالغ فيه رغم إقرار دستور جديد ؟ ولا يعرف لحد الآن الأسباب الحقيقية لاستمرار هذا المنع المبالغ فيه ؟ ولماذا الاستمرار في معاكسة النصوص والدستور والمواثيق الدولية التي تضمن للجميع الحق في الانتظام، وتأسيس حزب سياسي حسب القانون المنظم للأحزاب رغم الملاحظات الكثيرة التي يمكن تسجيلها، خاصة على مستوى مسطرة التأسيس ؟
بعض هذه الأحزاب السياسية عملت كل ما يلزم واتبعت كل المساطر القانونية والودية لكن دون جدوى، واتضح حقيقة أن المنع هو سياسي وليس قانوني، وإلا ما معنى أن يقدم حزب سياسي معين على تقديم ملفه لمرتين متتاليتين ومع ذلك تواصل السلطات المغربية عنادها ضاربة عرض الحائط بكل ما يمكن أن نشير إليه في هذا الباب .
هل قدر الأحزاب السياسية الممنوعة في هذا البلد أن تلجأ إلى الاحتجاج وإصدار البلاغات والبيانات، وإلى جمع التوقيعات التضامنية، وإلى تشكيل لجن تضامنية تضم مختلف شرائح الطيف المجتمعي والحقوقي والنقابي والسياسي والجمعوي والإعلامي..الوطني والدولي، وإلى تنظيم مهرجانات خطابية حاشدة، وإلى تنظيم الوقفات أمام مؤسسات الدولة كالبرلمان والداخلية، وقد يصل الأمر إلى تنظيم المسيرات، وقد يتجاوز الأمر كل هذا إلى الدخول في إضرابات مفتوحةعن الطعام، وما يقتضي ذلك من تشويه سمعة المغرب السياسية والحقوقية، كل هذا من أجل نيل حق دستوري يعتبر من أولويات الانتقال الديمقراطي الذي نجد عناوينه وشعاراته في كل الوسائل الإعلامية الرسمية والشبه الرسمية، وفي كل الوثائق والخطب الرنانة التي تلقى هنا أو هناك .
والغريب في أمر الأحزاب السياسية الممنوعة أنه رغم النسيم الديمقراطي الذي هب على المغرب، ورغم إقرار دستور جديد قيل أنه وسع من دائرة الحقوق والحريات، ورغم تواجد أسماء حقوقية بالحكومة قيل أن بيدها ملف الحريات، ورغم دخولها في شتى أنواع الاحتجاج رغم أنها لم تكن بالشكل المطلوب، إلا أنها لم تستطيع الحصول على حقها في التواجد القانوني، بل يمكن أن أجزم أن وضعها قبل الحراك أفضل حالا من وضعها الحالي .
ورغم مرور مدة كافية من عمر الولاية الحكومية الحالية التي تقودها حكومة جاءت نتيجة الحراك الذي شهده المغرب، ويقودها حزب قريب على المستوى المرجعية من معظم الأحزاب الممنوعة، ومع ذلك لم يستطع أن تحرك هذا الملف الذي مع مرور الوقت بدأت تطاله سياسة الركود، والنسيان التي تبتغيها السلطات الماسكة بزمام الأمور، بل إن حتى الأسماء "المستوزرة " التي كانت تدافع بقوة عن حق هؤلاء في الحضور القانوني، نراها اليوم وقد دخلت في صمت عميق له معاني بادية لكل مراقب متفحص، أكثر من هذا هناك معطيات نتمنى أن لا تكون صحيحة تشير إلى محاولة هذه الحكومة إقبار هذا الملف حتى لا تنافسها، بالنظر لتصنيفها ضمن الأحزاب المغربية الصاعدة، خاصة وأن الحزب الذي يقود الحكومة يقتسم معها المرجعية الإسلامية، وإن كان يختلف معها في الأولويات والتحالفات .
إن استمرار السلطات المغربية في عنادها من خلال استمرار منعها لأحزاب سياسية لديها كل مبررات التأسيس، يؤكد أن لا شيء تغير، وأن المساحيق المستعملة سرعان ما ظهر زيفها، وأن التغيير الجاد والمسؤول من مقوماته الأساسية فتح الباب أمام الجميع، إعلاميا وسياسيا ..أما ما عدا ذلك فهو ضحك على ذقون المغاربة .
بقي فقط الإشارة إلى أن الأحزاب السياسية الممنوعة ركنت على ما يبدو إلى الوراء ، وربما استحلت هذا المنع، فلم نعد نسمع لها صوت احتجاجي قوي كما في السابق، اللهم من بعض الأصوات المبحوحة تصدر من حين لآخر لكنها لا تفي بالغرض، فالسلطات المانعة لا تفهم إلا لغة الاحتجاج والضغط، فهل ستخرج هاته الأحزاب لتشكيل قوة ضاغطة إعلاميا وحقوقيا وسياسيا..للوصول إلى المبتغى، أم تراها ستكتفي بوضعها الحالي ؟ وكفى المؤمن شر المبادرة .