بديل ــ الرباط

"كل شيء يمكن أن نتفاوض عليه في الحياة إلا المبادئ والأخلاق" كانت هذه لازمته في معظم مجالسه. إنه أيمن المروزقي، أحد مؤسسي تجربة الطلبة القاعديين التقدميين في الجامعة المغربية، والذي وافته المنية في مثل هذا الشهر من السنة الماضية، قبل أن ينظم فرع "الحزب الإشتراكي الموحد" بطنجة، يوم السبت 28 فبراير، بقاعة "ابن بطوطة" حفلا بمناسبة سنتين على رحيله.

 أخلاق عالية

قليلون هم اليساريون المغاربة الذين حصل شبه إجماع على تقديرهم من طرف جميع اليساريين المغاربة؛ وكان أيمن المروزقي واحدا من هؤلاء المحظوظين.

عُرف الراحل بين رفاقه بدماثة خلقه وكرم أخلاقه، يقول عنه الناشط الحقوقي وعضو حركة 20 فبراير محمد الموساوي، في هذا السياق:" من الخصال التي كان يتمتع بها الفقيد، وربما يعرفه عنها كل من تعرفه عن قرب، التواضع والاستعداد الدائم للإنصات والتعلم ولا يأخذه الغرور، كما هو حال العديد من مناضلينا للأسف، دائما كان يقول رغم تجربتي النضالية الطويلة إلا أنني مازلت أتعلم".

فبحسب العديد من المصادر كان المرزوقي "ملتقى طرق" اليساريين، تجده مع الاتحاديين ومناضلي النهج والحزب الاشتراكي الموحد والطليعة وحتى من يختلفون مع في المرجعية، "لقد كان انسانا يؤمن بالانسان" حسب المحامي الحبيب حاجي.

رجل "فكر وميدان"

لم يكن أيمن رجل صالونات ونقاشات إديولوجية وفكرية عميقة وفقط، بل كان رجل ممارسة أو بلغة الحبيب جاجي، "كان رجل الميدان بامتياز".

وفي هذا السياق، يقدم الناشط والكاتب الموساوي شهادة مثيرة عن همة "وميدانية" أمين حين يقول: "أتذكر يوم الأحد 22 ماي 2011 عندما تدخلت قوات القمع بوحشية لمنعنا من تنظيم المسيرة الوطنية الرابعة للحركة، حيث طُوقت ساحة التغيير ببني مكادة بترسانة قمعية كبيرة، وبمجرد محاولة التجمع تنهال هروات القمع على أجساد المواطنين وتشرع في المطاردات عبر الأزقة المتفرعة، لكن الجماهير الشعبية كانت في مستوى الردّ نظمت صفوفها في مجموعات وحاولت اقتحام ساحة التغيير من أجل تنفيذ الشكل النضالي، مما جعل مسؤولي الأجهزة القمعية يصابون بالسعار ويطلبون إمدادات عسكرية جديدة لقمع المتظاهرين، واستمر الوضع على ما هو عليه لساعات. في إحدى اللحظات التحقتُ بأعضاء من التنسقية كانوا قرب مقرّ حزب النهج الديمقراطي يتداولون فيما بينهم عن كيفية الردّ عن التهديدات الرعناء للكاتب العام للولاية، بعدها بلحظات نفاجأ بفيلق من قوات القمع تهاجما بوحشية، حاولنا تفادي الضربات وهربنا قليلنا إلى الوراء لنخلي المكان بعدها شاهدنا فيلقاً أخر قادم إلينا، حينها كان الرفيق أيمن بجانبي يجري بجسده المثقل، كنت أنظر إليه وهو يقاوم حتى لا يسقط في أيديهم، بعدها انعطفنا، ونحن مجموعة، إلى إحدى الأزقة الفرعية، ووقفنا لنلتقط أنفاسنا، حينها قال لنا أيمن كي يُحمسنا وهو المنهك جسده: "لا عليكم رفاقي إنها ضريبة كلّ من يعتنق هموم الشعب".

وارتباطا دائما بنشاط أيمن الميداني يكتب الصحفي اسماعيل الطاهري: "منذ سنوات أصيب أيمن بحريق جلدي بمطبخ بيته مما ألزمه الفراش لعدة أسابيع لكن ورغم الحروق التي لازالت لم تشف عاد المرزوقي الى نشاطه السياسي والمدني بحيوية وهمة ونشاط متحديا المرض الذي ألم به واستمر كذلك الى آخر أيامه مناضلا صلبا لم تسعفه الخلافات وحروب المواقع بالاشتراكي الموحد من تفجير كامل طاقاته النضالية والفكرية لم ييأس في الحلم بغد أفضل، وكان عطوفا على حركة 20 فبراير بل انخرط في نضالاتها منذ انطلاقتها قبل سنتين وكل ذلك لم يمنعه من توجيه نقده البناء لهذه التجربة داعيا الى اعادة تجديد دمائها والرقي بها الى مدارج اعلى حتى تساهم في تقدم وازدهار الشعب المغربي التواق الى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

قدرات خارقة للعادة

بالنسبة للحبيب حاجي لم يكن أيمن يساريا عاديا بل كان الراحل يتوفر على قدرات خارقة للعادة في خلق البلبلة داخل أي تنظيم إن شاء ذلك، كما له قدرة خارقة للعادة على التجميع والتلحيم.

ويؤكد حاجي أن المرزوقي لعب دورا كبيرا في توحيد اليساريين سنة 2001، في تجربة "اليسار الإشتراكي الموحد" بعد أن نجح رفقة آخرين في تأسيس تجربة "الديمقراطيين المستقلين".

كما يعترف حاجي لأيمن بدوره الكبير في إحداث لجنة آيت الجيد محمد بنعيس، شهيد "الطلبة القاعديين التقدميين"، وكيف ساهم في لقاء الشاون وغيرها من اللقاءات آخرها لقاء فاس، الذي نظم قبل أيام قليلة جدا على وفاته داخل منزله بطنجة.

وجه عقلاني متنور

كان أيمن، بحسب الصحفي الطاهري، عضوا نشيطا في فرع اليسار الموحد بطنجة وسعى بكل قواه من أجل العمل على تقوية التوحيد وجعل فرع طنجة من أقوى الفروع وطنيا لكن أمانيه لم تتحقق كما كان يحلم أمام سيادة الحلقية وتسلط عناصر مشبوهة على التنظيم منها من غادر الحزب حاليا ومنها من ينتظر، إضافة الى صعوبة العمل السياسي النبيل في طنجة الموسومة بمقبرة العمل السياسي.

ويرى الزميل الطاهري أن أيمن مثل وجها بارزا من وجوه العقلانية والفكر المتنور بالمدينة إلى جانب المصطفى أقبيب وعلي الطبكي والطيب بوطبقالت وآخرين من رواد الفكر الحداثي بمدينة البوغاز وساعده في ذلك اشتغاله كاستاذ لمادة الفلسفة بثانوية زينب النفزاوية بطنجة.

وداعا أيمن

الثلاثاء 12 فبراير "هواتف الرفاق" تتناقل النبأ المؤلم، لقد "مات أيمن"، قليلون صدقوا الخبر، كيف "يموت أيمن" وهو الذي ينبض حياةً وحيوية حتى آخر ليلة قضاها بمدينة القنيطرة رفقة رفاقه في تجربة القاعديين التقدميين. يتذكر عبد الحميد الحداد، الشهير بـ"البرعم"، بمرارة كيف خانه هاتفه النقال، بعد أن ظل أيمن ليلة قبل وفاته يتصل به، طلبا في لقائه، بعد أن كانا قد قضيا رفقة العديد من الرفاق أياما نضالية بفاس في سياق ملف "شهيد" الطلبة القاعديين التقدميين محمد آيت الجيد بنعيسى.