علي أنوزلا

في صبيحة مثل هذا اليوم 14 سبتمبر من عام 2013، استيقظت على زوار الصبح يقتحمون شقتي الصغيرة. ومازال صدى جرس البيت الذي لم يتوقف عن الرنين يتردد في أذني ويذكر الطفل الذي يسكنني بالطَّرق العنيف، في هزيع ذات ليلة مدلهمة بعيدة، يهز الباب الحديدي لحوش بيت الأسرة العتيق في بلدتي الصحراوية البعيدة، ويٌهَيِّج نباح كلبي البري "فْريني" وسط هدير سيارة الشرطة العسكرية التي جاء راكباها ينعون وفاة الوالد الذي مات وسلاحه فوق كتفه يحرس النظام الذي سيعتقلني.

 

منذ ذلك التاريخ البعيد سأصبح خفيف النوم سريع التيقظ. وداخل زنزانتي الصغيرة ستلاحقني كوابيس الليل تقض مضجعي المتقطع مع كل صرخة سجين أو نقرٍ قوي على الأبواب الحديدية للزنازين لإيقاظ الحراس لأمر طارئ، فيقفز إلى ذهني السؤال الذي مازال يرهقني: لماذا أنا هنا؟

هل أصبحت خطيرا لهذا الحد حتى أعزل ثلاثين يوما بالتمام والكمال، داخل زنزانة انفرادية وتحت حراسة مستمرة محروما من كتبي ومن موسى حلاقتي؟ وهل أصبحت عدو الأمة والدولة الأول حتى تٌجيَّش ضدي أجهزة السلطة الأمنية والقضائية والإعلامية؟ ويٌهدر دمي في بيانات أحزاب بئيسة؟ وتَنهش لحمي كلاب مواقع الأجهزة على الشبكة العنكبوتية التي لوثت الفضاء الرقمي؟

عندما اخترت الصحافة منذ سنين خلت، آمنت برسالتها قبل إغراء أضوائها، وعلمتني التجربة أن الصحافة التزام قبل أن تكون مهنة، وأن الصحافي هو محامي الشعب والنائب العام عن المصلحة العامة. وطيلة مساري المهني سأكتشف أقلاما مأجورة، وأقلاما مسعورة، وأقلاما بلا رصاص تنشر ما يٌملى عليها، وقليلة هي الأقلام النزيهة التي أعطتني الأمل، وحصنتني أمام الإغراءات، وقوت عزيمتي على قول الأشياء كما أراها لا كما يريدون أن يراها الناس.

ومن خلال قراءاتي الفلسفية سأتعلم أن الشك هو أحسن سبيل نحو اليقين، فحرصت على ألا أقبل بالأشياء الجاهزة، وتعلمت أن لا أطمئن إلى "الحقائق" المعلبة، وقادتني فضيلة الشك الذي راود حتى الأنبياء، إلى اقتحام الخطوط الحمراء الوهمية وطرح الأسئلة المزعجة بحثا عن الحقيقة الضائعة، "فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ" (سورة يونس:94)

وقد قادني شغفي بتقليب كتب التراث إلى الإيمان بأن "الرأي قبل شجاعة الشجعان"، فلم أعد أطيق السكوت عما أراه ظلما، ولا الخوف من قول ما أعتبره حقا، أقول كلمتي وأمضي حتى لو وجدت نفسي أمشي منفردا في صحراء يهاب عبورها الشجعان، ويسكنها الخوف وتجوب فيافيها الضباع.

لكن الصحراء التي فٌرض علي عبورها طيلة سنة كاملة أنام فيها شارد الذهن و"سيف ديموقليس" القضاء معلق فوق رأسي، كانت أشد حَرا وقٌرا على نفسي، ليس لأني حٌرمت من مورد عيشي الوحيد بعد أن تعنتت السلطة في استمرار المنع ظلما وتعسفا للموقع الرقمي "لكم. كوم" الذي تشرفت بإدارته، فقد تعلمت "الكفاف والعفاف والغنى عن الناس"، ولا لأن حريتي باتت مقيدة إلى أجل غير مسمى، وحٌظر علي مغادرة التراب المغربي بدون قرار قضائي، وإنما لأني لم أكن أتصور أن يأتي اليوم الذي أٌحس فيه بالظلم والغٌبن و"الحكرة" في وطني، خاصة عندما يأتي هذا الظلم من جبناء ويتولي تنفيذه وتبريره بؤساء.

لقد مررت بلحظات عصيبة شعرت فيها كم نحن ضعاف في دولة القانون فيها يحكمه مزاج الحاكم، ورأيت كيف يٌعمي الانتقام صاحبه حتى يفقده صوابه، وكيف تأكله الضغينة وتشتعل نفسه غيظاً وحقداً، وأيقنت أننا نعيش جميعا في ظل حرية مقيدة داخل قاعة انتظار كبيرة. وفي أحلك لحظات الشدة لم أفقد الحلم والأمل ولم أستسلم لليأس.

ورغم كل ما عانيته وما أزال، فقد تعودت لجم غضبي، وكتم غيضي، مستمدا قوتي من قول الشاعر العربي القديم:

"لا يحْمِلُ الحِقْدَ مَنْ تَعْلُو بِهِ الرُّتَبُ * ولا ينالُ العُلى من طبعهُ الغضبُ"

ونذرت حياتي للدفاع عن القيم النبيلة التي آمنت بها، قيم الحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية، وعهدت على نفسي ألا أغير خط مقالاتي التحريري قيد أنملة، وأن أسخر قلمي لمحاربة الفساد والاستبداد مهما عظمَت سطوته أو تفاقم بطشه.

وبعد مرور عام على هذه المحنة التي مازالت مستمرة، سأظل مدينا لها بحجم الحب الكبير الذي لمسته عند أحرار وشرفاء وفضلاء بنات وأبناء الشعب ممن وقفوا في الساحات يطالبون بحريتي، أناس فضلاء، ومناضلات ومناضلين لا يلينون، وزميلات وزملاء مبدئيون، وصديقات وأصدقاء رائعين، وحراس زنزانتي الطيبين.. وحب أسرتي الصغيرة والكبيرة بلا حدود، دون أن أنسى مناضلين وصحافيين من كل أصقاع الأرض، ومن منظمات دولية مرموقة، تجندوا وصاحوا بلغات متعددة "كفى من خنق الأصوات الحرة".

تجاه كل هؤلاء أحس بدين ثقيل على عاتقي، دين الوفاء لنبل رسالة الصحافة، ولجرأة القلم الذي لا يباع ولا يشترى، ولصرخات المظلومين و"المحكورين" والمنسيين. هذا وعد مني، ووعد الحر دين عليه. فاللهم اشهد.

علي أنوزلا
الرباط 17 سبتمبر 2