سمّوها ثورة.. سموها انتفاضة.. سموها انتصارا للمسجد الاقصى.. التسمية ليست مهمة.. وانما الفعل والمواجهة ومعانيها، ونزول الشبان الفلسطينيين الى الشوارع لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي، والتضحية بأرواحهم فداء لقضيتهم العادلة في مواجهة نظام عنصري دموي لا يعرف غير القتل وسرقة ارض الآخرين ومياههم وزيتونهم وبحرهم وسمكهم وشمسهم، ولكنه لا يستطيع، ومهما بلغت ادواته القمعية، ان يسرق كرامتهم، وعزة نفسهم وارادتهم، الجبارة.

القدس المحتلة تشتعل، ومعها نابلس وطولكرم وجنين والخليل وبيت لحم، وكل المدن والقرى الفلسطينية في ايام غضب، ربما تكون اقوى من كل سابقاتها، فماذا بقي للشعب الفلسطيني حتى يخسره؟ اكذوبة السلام انهارت بشكل مخجل، والاستيطان يتغول، والاهانات على المعابر تتفاقم، والاقصى المبارك يتقسم.

عندما اقدم شابان على حافة العشرين من عمريهما على طعن مستوطنين في قلب مدنية القدس، احدهما حاخام، انتصارا للاقصى، ويسقطان شهيدين برصاص قوات الاحتلال، فهذه تضحية تصل الى درجة القداسة، لا يفهم معانيها بنيامين نتنياهو، ولا حكومته اليمينية، ولا الجماعات اليهودية الامريكية التي تدعمه ومعها كل اعضاء الكونغرس الديمقراطيين قبل الجمهوريين، ولا حتى الزعماء العرب الذين يطبعون العلاقات معهم.

المارد الفلسطيني بدأ يتحرك ولن يعود الى قمقمه، فالجيل الجديد من المقاومين الفلسطينيين يختلفون عن آبائهم، فهؤلاء ولدوا في زمن “اوسلو” المهين والمذل، ومتحررون من عبودية راتب السلطة، واذلال الدول المانحة، ولا يراهنون على انظمة عربية، ولا يعرفون، بل لا يريدون ان يعرفوا شيء اسمه الجامعة العربية، ولا يقرأون صحف الخنوع، ولا يتابعون قنوات التضليل.

نتنياهو يعيد هذه الهبة الفلسطينية الى التحريض الفلسطيني الذي تمارسه السلطة، فعن اي سلطة، وعن اي تحريض يتحدث.. هؤلاء تحركوا، وسيتحركون بسبب الاستفزاز والتحريض الاسرائيلي غير المقصود على الثورة الذي يتجسد في اقتحامات المسجد الاقصى وتهويده تحت حماية قوات الامن الاسرائيلية، وبتوجيه مباشر منه.. هؤلاء تحركوا انتقاما لحرق الشاب محمد ابو خضير واسرة الدوابشة احياء على ايدي المستوطيين وثارا منهم.

فليعقد نتنياهو اجتماعا لقادة الاجهزة الامنية، وليتلوه بآخر الاثنين للمجلس الوزاري المصغر.. فماذا سيفعل؟ هؤلاء لشباب فلسطيني يريد ان يستشهد؟ هل يريد اعلان ضم الضفة الغربية، فليفعل وليقدم اكبر خدمة للشعب الفلسطيني.. هل يريد اغلاق مقر السلطة في رام الله وحلها؟ يا ليته يتجرأ فهو سيقدم افضل هدية للشعب الفلسطيني.

الشعب الفلسطيني مثل الجمل العربي الاصيل؟ يصبر ثم يصبر، وعندما يثور يدمر كل شيء امامه، ويفتك بكل من الحقوا الاذى والاهانات به.. ولعل ما يجري حاليا في الضفة الغربية والقدس المحتلة اوضح ترجمة لهذه الثورة.

شكرا لشباب “فتح” و”حماس″ و”الجهاد الاسلامي”، وكل الفصائل الاخرى، شكرا للشباب المؤمن المستقل الذي يقاوم انطلاقا من مشاعره العربية والاسلامية وينتصر لامته وعقيدته في مواجهة هذا الاحتلال العنصري، ويحمي مقدساته بأرواحه دون ان ينتظر احدا.