مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله الذي خلق فهدى، الميسّرِ سبل الاهتداء لمن اهتدى؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير من حكم بين من حِيف عليه ومن اعتدى؛ وعلى آله وصحبه وأتباعه وأمته، ما أم إمام، ومأموم بإمام اقتدى.

إن الناظر في أحوال الشعوب المسلمة في عصرنا، -وبعد أن ظهر ما ظهر من أوجهٍ للأزمة الدينية عموما، وللمعضلة السياسية خصوصا، إثر ما عرفته الدول العربية من ثورات شعبية لم تُبِن إلا عن القصور التأصيلي والتنظيري الكاشف عن فراغ مرعب لا مَسدّ له إلى الآن-، لا بد أن يتوقف عند موقف الفقهاء، الذين سيجدهم مختلفين، ومتوزعين بين الأطراف والخصوم؛ مما سيجعله يتساءل:
- هل يدل اختلاف المواقف الفقهية، على عدم وُسع الشريعة للمسألة السياسية من الأصل، كما يقول علمانيو المسلمين؟
- أم إن الأمر يخفي وراءه ضمورا فقهيا متعمَّدا؟.. أم هو عائد إلى قصور لدى الفقهاء أنفسهم، يوارونه عن أعين الناظرين، حتى لا تزول وجاهتهم عند الشعوب؟..

ولا شك أن المتفحص لأحوالنا اليوم، سيجد المؤسسات الفقهية الرسمية من كل بلد، لها مكانة لا يجوز أن تُغفل من السياسات العامة لبلدانها؛ إلى الحد الذي يُمكن اعتبارها معه سلطة تشريعية وتقديرية، مضافة إلى السلطات الثلاث المعلومة (التنفيذية، والتشريعية، والقضائية). لكن خصوصية السلطة الفقهية في بلداننا كلها، وعلى اختلاف ميولاتها وانحيازاتها، هي أنها تبقى جهازا قويا من أجهزة الدولة القطرية، يعمل بطريقة مائعة؛ يعلو فيها أحيانا كل السلطات، وينزل أحيانا أخرى أسفلها جميعِها، بحسب ما يخدم الغرض(؟). وهذا الأمر يجعل السلطة الفقهية ثابتا ومتغيرا في الآن نفسه، ضمن المعادلة السياسية الوطنية في هذه المرحلة. ويجعلها أيضا خارج المحاسبة، بخلاف السلطات الثلاث الثابتة؛ إلا ما يكون من رفض شعبي، مؤسَّس على إدراك فطري، لا يبلغ التفنيد العلمي بحسب شروطه المعلومة لأهله.

ولا شك أيضا، أن التجارب التي دخلت فيها شعوبنا، عند رفضها الاستبدادَ، قد فتحت أبوابا لم يكن في حسبانها أنها ستُفتح. ولا شك أن الشعوب ما زالت لم تتوصل إلى صياغة تساؤلاتها صياغة تؤهلها إلى معرفة الأطراف المعنية عند كل تساؤل. بل لا زالت فئات معتبرة من هذه الشعوب تقف أمام أسئلة أوّلية، منها ما أُعلن، ومنها ما لم يُعلن، لأسباب غير خافية. من هذه الأسئلة:
- هل يصلح الدين (الإسلام)، لأن يكون مصدرا لمبادئ السياسة، بالنظر إلى وظيفته الأصلية؟.. أم إن الفقهاء -لسبب من الأسباب- خرجوا به عن دائرة اختصاصه، فأوصلونا إلى هذا الانسداد الذي لا يخفى عن ذي لب؟..
- وإذا كان للفقه السياسي أصل في التشريع الإلهي، فهل وُفّق الفقهاء على مر الأزمان لبلورته وتبيينه، بحيث يكون سندا للحاكم والمحكوم دائما؟.. أم إنهم -بصفتهم بشرا خطائين- قد تلاعبوا أحيانا بذلك الفقه، وحرفوه، إرضاء للحاكم أو للمحكوم، من أجل بلوغ غايات شخصية لهم؟..

ولا شك بعد كل ما ذكرنا، أن المسألة تتطلب تناولا عصريا حياديا، للوقوف على مواطن الخلل القديمة والطارئة على المنظومة الفقهية، إن كنا نريد إصلاحا للفقه، يكون هو بدوره وسيلة إلى الإصلاح العام بَعده. ولا شك أن مهمةً كهذه، لا يُمكن أن توكل إلى الفقهاء -الرسميين على الأقل- أنفسِهم؛ لأنهم سيُعيدون إنتاج الانحراف الذي نحن عليه. وهذا قد يزيد من التوغل فيه، إن اعتبرت جِدّته في مقابل الموروث القديم، لدى قاصري النظر. وستمضي عقود، إن لم تكن قرونا أخرى، قبل أن تفطن الشعوب إلى أننا ما برحنا مكاننا قط.

وعلى هذا، فإننا سنضع بين يدي القارئ، رؤية فقهية سياسية تجديدية، نجعله فيها حَكما، بعد أن نبيّن له أصول الأحكام الشرعية في المسألة، ليخرج بتصور يساعده على مزايلة الحيرة والاضطراب، إن لم يكن مقويا لإيمانه بما هو عليه، إن كان متشرّعا. وقد مهد لهذا العمل في بلدنا، إثارة مسألة الخلافة مؤخرا في منابر إعلامية كثيرة؛ وهو ما يستوجب إبداء ما لدينا، تجاه كل الطروحات، بحسب ما يخدم غرض هذه السلسلة في إبّانه إن شاء الله.

هذا، وقد سبق لنا أن أصدرنا كتابين تناولا مسألة الحكم في الإسلام، هما "الدروس المصرية" و"السياسة باعتبار الباطن"، نزعم أننا قد حللنا فيهما كثيرا من المشكلات التي بقيت مبهمة لمدة قرون. وأما هنا، فسنعرض للأمر من جوانب غير تلك التي سبق أن ضمّنّاها الكتابين؛ وبتفاصيل نكون فيها مجيبين لما أثير من قِبل المتسائلين في هذه المرحلة الزمانية على الخصوص؛ حتى نكون واقعيين في رد ما نعرض له من شبهات.

أما الفقهاء، فإننا نستبعد أن يقبل منا الرسميون منهم كلاما، لكونهم قد ألفوا جني غلات السلطة الدنيوية، بعيدا عن كل ورع أو تقوى. لكن الشباب منهم، الذين يطلبون العلم من أجل تحصيل المعرفة، فإننا نرجو أن يكونوا عونا لنا، على تصحيح المفاهيم لدى شعوبنا، إن هم اطمأنوا إلى ما نعرضه عليهم؛ وإلا فإن كلامنا سيبقى رأيا شخصيا -وإن كنا لا نعده نحن كذلك- نُدلي به لمجتمعاتنا، ضمن ما هو معلوم، من الحق في الرأي والحق في التعبير عنه؛ بحسب الأعراف العالمية السائدة في عصرنا. ونحن بإزاء هذا، مستعدون لقبول كل حوار علمي هادئ مبني على الأدلة الشرعية، بحسب ما هي عند أهل العلم.

ومع هذا، فإننا لا ننسى أن ننوّه بـ"فقهاء الظل"، العلماء العاملين بما علموا، والذين لا يأبه لهم أحد من الناس، في خضم التنافس على الدنيا والتقاذف في نيران الفتن. فإن كانوا لا يُعرفون إلا في دوائرهم الضيقة، فلا شك أنهم أشهر من نار على علم عند أهل السماء. إلى هؤلاء الرجال، نقدم خالص تقديرنا، وشديد عرفاننا، سائلين الله أن يجزيهم عن دينهم وعن أمتهم خير ما جزى مجاهدا ومرابطا.

نسأل الله التوفيق لنا ولشعوبنا، حكاما ومحكومين جميعا، إلى ما فيه الخير العام والصلاح التام. والحمد لله رب العالمين.
جرادة في يوم الأحد: 1شعبان 1437هالموافق لـ: 08-05-2016.