عبدالقادر مسعودي

إن المغرب يعيش حالة مخاض وترقب شديد بعد دينامية حركة 20 فبراير الجريئة التي أربكت العقلية المخزنية وبعثرت حساباتها وكسرت صورة الصمت والهدوء التي طبعت المشهد السياسي لأكثر من نصف قرن رغم بعض المحاولات البطولية التي رفضت هذا الوضع وكانت ضريبتها قاسية أمام الآلة المخزنية التي تفننت في التعذيب والقتل والنفي والاختطاف ، ورسمت مشاهداً مرعبة في الجسم المغربي وأسكنت الخوف في بيوت المغاربة حتى أصبح مادة طبيعية وعادية في قائمة المستهلكات على مائدتهم. فإذا كانت الأرض تنتج حبوبا والأشجار تنتج فواكها والبحر والمحيط ينتجا أسماكا ، فدار المقري والكابات ( 1، و2...)وتازمامرت ومعتقلات أخرى تنتج أصنافا من التهويل والعذاب تلوكها ألسنة المغاربة في جحر الظلام ويحدثون أبناءهم على نجاعة هذا النوع من الطبخ في تقوية مناعة الإقطاع والاستبداد بالوطن ، ويكفي المغربي أن يكون جريئا على النظام حتى تأتيه حصته على جناح السرعة ، ويصبح حديثا للجيران والحي والمدينة ...و... وهذا المنتوج طبعا له أصحابه وأسماؤهم الذين ما إن تذكرهم حتى ترتعش الأجساد لهول الفواجع والفضائع والانتهاكات التي بصموا بها تاريخ المغاربة وجعلوا منهم شعبا مريضا نفسيا يعيش سكيزوفرينيا مطلقة يلعن المستبد في الظلام ويصفق له في النهار ... واستبشر المغاربة خيرا بقدوم الملك الجديد ، وظهور خطابات وعبارات جميلة وألحان سلطانية غير مألوفة ، من قبيل العهد الجديد ودولة الحق والقانون والتناوب السياسي وهيأة الإنصاف والمصالحة ودولة المؤسسات ، والانطلاق في مرحلة جديدة تقطع مع الخوف والتعذيب وتفتح قوسا أمام المواطنة الحقيقية ومؤسسات الحكامة ، لكن تبين بعد مدة قصيرة أن النظام السياسي المغربي ينطبق عليه المثل الصيني (pour occulter une mensonge il faut mentir mille fois ) ، كي تخفي كذبتك عليك أن تكذب ألف مرة . وتبين بالملموس أن هذه العبارات هي للاستهلاك الخارجي وصراع خفي مع الثورة الرقمية التي أصبحت تنقل الخبر بالصوت والصورة قبل أن تجف يد الجلاد من دماء المناضلين والمناضلات ، من منا كان يعرف كيف تُحضر قوائم العفو وشروط الاستفادة منه وماطبيعة المستفيد منه ، ومن منا كان يستطيع أن يصرخ ويُربك القصر ويجعله يصدر بلاغات تُسقط مسؤوليته عن بعض الأسماء ، إنه الربيع المغربي ، إنها حركة حركة 20 فبراير التي لاتتسامح مع أية هفوة أو خطإ ، إنه شباب يحلم بوطن كبير يحترم بناته وأبنائه ، إنه الشباب الذي قهر المستحيل وجعل حالة الترقب تسكن هذه المرة دواوين الطغاة وتجعلهم يعيشون على أعصابهم مرتبطين برنات هواتفهم التي تجُس كل صغيرة وكبيرة في الشارع المغربي وتعيش على حرارته ... إنه ربيع وصيف ، ربيع ينتج أزهارا رغم ولادتها ذابلة ( دستور جديد ، حكومة جديدة ،برلمان جديد ، مجلس اقتصادي واجتماعي وبيئي ومؤسسات حكامة ...) وصيف حارق ، أعلنته أصوات شابات وشباب هتفوا لأول مرة بشعارات فاضحة وجريئة كسرت روتين الصمت وأعلنت الصلح مع ماضيها ومدت جسور التواصل التاريخي مع شهدائها وكل ضحايا سنوات الجمر والرصاص ومسحت الغبار عن جثثهم وأفكارهم ، إنها مرحلة إنصاف حقيقية وتاريخية ضدا على أكذوبة هيأة الإنصاف والمصالحة التي وُلدت ميتة بإفلات الجلاد وسيده من العقاب . ولعل مايعيشه الشعب المغربي من حمامات الدم اليومية وقمع سافر وهمجي لجميع الاحتجاجات السلمية لخير دليل على سياسات الكذب والبهتان التي ينتهجها النظام المغربي ، نظام يتدرع بالفقر والعجز ولايتردد في إحياء السهرات ومهرجانات باذخة وعلى رأسها موازين ومغرب الثقافات على أنغام الرقص والدردكة في الوقت الذي تُهدم بيوت على رؤوس أصحابها ويقمع معطلون وأطر في عاصمة المغرب وأمام مؤسسات نيابية وفي شوارع المدن المغربية ، بواد بدون ماء وكهرباء وطرق تفُك العزلة عنها وتفتح لها الأمل في الوصول الى مستوصف ، تلاميذ القرى النائية الذين يقطعون جبالا ووديانا حيث تفاجؤهم الفيضانات في أي لحظة ، قرى تحاصرها الثلوج ويغيب عنها حطب التدفئة ويموت سكانها أمام أعين مغرب موازين ، بورديلات تُلتهم فيها أجساد فتيات في عمر الزهور بسبب الفقر ، أطفال في شوارع مدننا الكبيرة تطاردهم أعين البيدوفيل الأجنبي الذي يتحرك تحت شعار كل شيء في المغرب يُشترى بالمال ... وحالة الرفض التي يتشبت بها شرفاء الوطن لوقف هذا النزيف وإرجاع الوطن الى سكة الأمم الحقيقية التي تُقدر المواطنة ، تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع آلات القمع والأجهزة المخزنية بكل تلاوينها السرية منها والعلنية وفي قتل واضح وإعدام حقيقي للفصل 22 من الدستور الذي يرفض ويمنع كل تعذيب نفسي وجسدي وفي أي ظرف من الظروف ولأي سبب من الأسباب ومن أي كان ، والسجون المغربية تشهد على ذلك ويد الجلاد ترتوي كل حين بدم كل جريئ رفض هذا الوضع ورفع شعار التغيير وهتف لصالح الشعب مدافعا عن مصالحه وغده ومستقبله . في الأخير ، هل من معالج لهذا النظام من حالته المرضية هاته ؟؟؟ .وهل سيبقى هذا المسلسل مفتوحا في غياب مطلق لنخبتنا الغائبة الحاضرة ...؟؟؟