سقراط: جميل أن تخوض هذه المعركة السلمية من أجل مدينتك التي هي في أمس الحاجة لأمثالك من الشباب الغيورين على المبادئ المدافعين عن القيم، الراغبين في التطوع لخدمة المواطنين وتدبير شؤونهم بالشكل الذي يلبي حاجاتهم وانتظاراتهم. 

الشاب النزيه: هذا صحيح وهو ما دفعني لهذه المغامرة التي يبدو أنها ليست سهلة بالنسبة للذي لا مال و لا جاه و لا نفوذ له .
سقراط: و ما حاجتك للمال والجاه والنفوذ مادمت تملك ما هو أهم وأنبل وهو رأسمالك الأخلاقي الذي يفرض على ذوي الجاه والنفوذ احترامك والاعتراف بك مهما رفعوا رؤوسهم عاليا. ألم تذكر ما قاله أحد المفكرين "إن عقلي ينحني أمام إنسان ينتمي إلى طبقة دنيا، أجد فيه استقامة الطبع تبلغ حدا لا أجده في نفسي، و عقلي ينحني سواء أردت أو كرهت، مهما رفعت رأسي عاليا كي لا أجعله ينسى تفوقي عليه" ؟.

الشاب النزيه: بالضبط هذا ما راهنت عليه طالما أن في المدينة فضلاء لدي اليقين أنهم سيمنحونني أصواتهم عقابا لمن خذلوهم وتنكروا لكل العهود والالتزامات ولم يعيروا أدنى اهتمام لشؤون المدينة بل انشغلوا بشؤونهم الخاصة وضربوا عرض الحائط بكل الوعود.

سقراط: هل تعني أن تجربتكم هذه سبقتها تجارب أخرى بهدف إصلاح المدينة ولم يتحقق هذا الهدف ؟
الشاب النزيه: هذا بالضبط ما قصدته لقد خضنا تجارب عديدة إلا أن ذوي الجاه والمال والنفوذ والنافذين في الأحزاب والأعيان هم من يحظون بالفوز دائما و يتولون مهام تدبير مدننا وقرانا، و الحصيلة هي ما تعانيه مدينتنا كما ترى من خصاص على أكثر من صعيد.

سقرط : و لكنك قلت لي قبل قليل أن في المدينة فضلاء لن يقعوا ضحية الإغراء الذي يمارسه ذوي الجاه والمال والنفوذ، و هل كل التجارب التي مرت لم يحظ فيها بالنجاح غير هؤلاء الفاسدين الذين لا غيرة لديهم على المدينة و لا ينشغلون بأمر إصلاحها؟
الشاب النزيه:بكل أسف الناخبون الفضلاء أصيبوا بالإحباط وخيبة الأمل و لم يعد لديهم أي اهتمام بالانخراط في العملية الانتخابية وهو ما يستفيد منه الفاسدون إذ يجدوا الطريق معبدة أمامهم بفعل عزوف الأغلبية الصامتة عن التصويت.

سقراط: و لكن أليست عندكم قوانين تردع هؤلاء وتمنع ممارستهم في شراء ذمم ذوي الحاجة والخصاص وتحول دون ولوجهم عالم السياسة التي لا يمكن فصلها عن الأخلاق؟ وهل يملك هؤلاء سلطة أقوى من الحكام الذين يعتبرون الساهر الأمين على حقوق وواجبات المواطنين؟ ولماذا لم يتعبأ الحاكمون من أجل توفير أجواء إعادة الثقة لهذه الأغلبية الصامتة؟

الشاب النزيه: بلى نملك ترسانة من القوانين التي تنظم كل شيء، و لكنك تعلم أن القوانين حمالة أوجه و هو ما يساعد الفاسدين على التأويل السلبي للقانون مما يفضي إلى خلق هوة بين القانون كما هو مسطر فوق الورق وبين الممارسة والتطبيق. فنجد أنفسنا كما لو أننا ضمن مرحلة اللا قانون.

سقراط: و لكن ما دور النزهاء أمثالك ، أليس جديرا بهم أن يحرصوا على خدمة المواطنين دون خضوع أو استسلام أليست أصوات من انتخبوكم أمانة في أعناقكم عليكم الحفاظ عليها؟

الشاب النزيه: هذا صحيح ولكن الحقيقة أنني وأمثالي من النزهاء نجد أنفسنا محاصرين بدون صلاحيات و لا مسؤوليات لأن اختيار من يمارس الصلاحيات يتحكم فيه المال وشراء الذمم بأشكال مختلفة، وهو ما يفضي بكل أسف إلى إغراء و اختراق العديد من النزهاء الذين يضعفون أمام هذه الوسائل الخسيسة فيتحولون إلى فاسدين صغار.

سقراط: شيء جميل أن تكون من هذه الفئة القليلة التي تعض على المبادئ والقيم بالنواجذ و لا تبيع نفسها بدراهم معدودات، وتأبى أن تضع نفسها مجرد بضاعة في السوق قابلة للبيع والشراء.

الشاب النزيه: هذا صحيح لقد عاهدت الله على ألا أهون أو أضعف أمام أي إغراء وأن أبقى متمسكا بحق مدينتي في الإصلاح طيلة الفترة التي أقضيها داخل مجلس تدبير المدينة.

سقراط : هذا عين العقل وإني أجد فيك عفة وحسن خلق، ولكن ما يحيرني هو أن عفتك قد لا تضمن لك الحفاظ على فضيلة الوفاء ، لأن من منحوك أصواتهم ووثقوا في نزاهتك واعتقدوا أنها كافية لتحقيق انتظاراتهم، سيصابون بخيبة الأمل، لأنك اعترفت لي أنك لن تستطيع أن تفعل من أجلهم شيئا طالما أن القوانين لا تسمح لك و لأمثالك أن يكونوا في موقع القرار. ألا ترى معي أن محنتك وأنت تصارع من أجل المحافظة على قيمك و مبادئك أشبه ما تكون بمحنة المحارب الذي اقتحم المعركة وكله أمل في تحقيق الانتصار، لكنه بعد أن فقد سلاحه أصبح كل همه هو تجنب طعنات الخصوم للبقاء على قيد الحياة فقط؟

الشاب النزيه:هذا صحيح ولكن ما العمل هل نترك الفراغ لقوى الفساد لتفعل ما تشاء؟

سقراط : ولكنك لم تجبني عن سؤالي ما العمل حينما تحافظ على قيمة العفة بمقاومتك لكل أنواع الإغراء،لكنك تجد نفسك قد خسرت فضيلة الوفاء؟ وهل يشكل الحفاظ على العفة جوابا مقنعا لضياع فضيلة الوفاء؟أليس جديرا بك إذا كنت غير قادر على الوفاء بما وعدت به، أن تبحث لنفسك عن وضع تحافظ فيه على عفّتك دون أن تضيع منك فضيلة الوفاء؟.

كل تشابه بين منطق التفكير السقراطي الذي يعرف بالمنطق التوليدي للأفكار، والذي اشتهر به الفيلسوف اليوناني سقراط، وبين الطريقة التي يعتمدها المسمى سقراط المحاور للشاب النزيه عندنا هو تشابه مقصود.