محسن الأكرمين

لم أكن أعرف أن اللوحة الأنثوية التي هي أمامي طيفها زاد ظله طولا عندما تمعنتها بالمشاهدة القريبة والمتأنية .

ارتسمت أمامي واقفة معلنة طلاقها للصورة المنمقة بألوان طبيعة العشق الشبابي .

هنا حولت بصري من الظل ذي الملمح الخافت إلى السيدة الماثلة الحضور بالمكان ... لن أخفيكم سرا فقد التحم الحلم والواقع بالتدافع والتداخل فلم أعد أميز بين الحقيقة والوهم ... فيما الماضي ارتكن محتلا زاوية شعاع الحاضر الفارغ من نزق الشباب... نهضت وقوفا ، ثم استدرت بمحور الزاوية القائمة ويا ليتني ما فعلت ...لقد أصبحت قاب الرؤية التي غطت جسدها كليا بالمباشر الكاشف ... لأول مرة في حياتي تنفصل مشاعري عن سلطة العقل القوي بعقاب الضمير إلى متم امتهان الحرية بالمعانقة ... دام تبادل العين بالعين بالنظرات لأكثر من مرة ومدة ... وحتى طرفا العينين لم يرتدا إعلانا عن الشوق المشتعل منذ أن كتبت رسالة حب على وجهها ولم أمزقها على صورتها . هنا اهتز بحر التفكير بأمواجه حولي ، لكنه أشفق علي من الرجة المطوحة إلى الشط الصخري . أحسست بحركة لطف تسحبي من موضع التأمل التجريدي ... تداخلت الأفكار المتحولة بسرعة امتلاك لحظة الإشراق وتسجيل لقطتها المدوية بالقلب وترسيم اسمها بالكتابة ولو في السر ... شعرت بلمسة تشد يدي برفق وتجرني من وضعي الشارد ببرودة مكان خلوتي ... لكن الأمر ازداد حين أصبحت أسمع دقات قلبي تتوالى بالزيادة وتسكن مسامعي ... لله توسلت في تلك اللحظة المباركة بمتم سبحة الفقهاء باختلاف مذاهبهم بعدم إخراجي من حلمي وتركي خلف حدائق الفرح والحزن ... 

لحظة ، لحظة ازداد تيقني أن الماثلة أمامي تركت مسحة ألوان منشئ الرسام الكلاسيكي إلى الكشف المفضوح عن الواقع المتعري... لم أكن قط أعير ابتسامتها دوما أية دلالة رمزية إلا بعد أن شدت انتباهي كطائر فنيق بألوانه الحمراء الناعمة ينتفض من رماده أمامي ... بدت " الحشمة " المألوفة لم تفارق محياها البتة ... ترددت ألف مرة بالعد والتعداد المتكرر قبل اتخاذ قرار السعي إليها بين مكان تشنج قدماي ومكان خيط نور القمر الأقرب من حبل الوريد ... حين ذاك لاحت بخاطري أن ليلتي الظلماء لن أفتقد بدرها... آه ، فقد علمتني الحياة أن وحي الحب ليس هو التوحل في التجارب المضنية ، وإنما الحب ترك اليد اليمنى نحو جذب الآخر حتى في غفلته وسهوه غير المتعمد ... إنه الإعجاب الطافح بالقطب الآخر ولو في تواجده بالضفة الأخرى المحصنة بالحماية ... دنوت بالتقابل معها وبتعداد تجمع الأطوال حدث التقايس ... لأول مرة تنتفي حواشي المحيط بعقده الاجتماعية وقوانينه الساقطة بالرعاية الفوقية ... حيث المكان قطره لفنا بضبابه البلوري عن المتطفلين باستراق السمع والقنص بالأعين ... تنحينا غير بعيد وجلسنا بين أزاهير الألوان... لا أعرف الحقيقة لحد الآن ، أمكنة تموضعنا بالبعد أو القرب ... الصمت يخيم على المكان إلا من قوة تقابلنا بالعينين والابتسامة التي لا تفارقها ... ، وطنين نحلة زكى المكان بدويه المتكرر، لم تكلف نفسها مشقة الكلام فالأصم يعتبر متكلما ولو بالإشارة ... آه ، لم أسر لكم أنني لا أعرفها البتة غير أنني سميتها في سري ... من أين أتت ؟ وما سرها بالتشكل المرئي بمكاني ؟ لا أدري لحد الساعة ...أعترف بمرة الختم النهائي لكم ، أنها كانت تلازم أفكاري وأنا في كامل قوايا العقلية ...أعترف لكم للمرة الأخيرة أنها في حلمي نائمة وتلتحف غطاء فراشي ... إنها القائمة في مخيلة مرسمي وفي كتاباتي منذ زمن أبعاده ثلاثية غير بعيدة في الزمان ... إنها بشارة روحانية والقبض عليها بالأفكار لا يلفها ،إنها هيامية القد ولا محل لها من صدق إناث حواء ...

في غمرة التواصل بالأنامل ارتبط وثاق البوح وتكسير المسكوت عنه باللزوم ... كل أبواب التواصل نوافذه انكشفت بالتطابق... السر الآن أضحى غير مخفي عنكم بالحكي المباح ... كنا نختلف ولكننا لم نصل قط إلى تحجرالخلاف ... أصبحت كل المواضيع متاحة في حين لازمتنا الثقة المتبادلة بدون توثيق عدلي ... لو رافقتموني لحظة انكشاف الحجاب عنها لشعرتم بحرية الفكر والفكر المضاد المستنير، ولاستوطنتم مكاني... إنها أسطرورة الصمت التي سكتت عن الكلام المباح اليوم ...

ونحن جلوس إذ دخلت علينا حمامة شديدة البياض ... انفكت الأنامل المشبكة بالتلاحم ... وانتقلنا بالأعين نتابع مطار مهبط حمامتنا الزائرة بالتطفل . تضاربت الأفكار بسرعة الطيران عندنا ، عن أي موضع ستحط حمامة طوق الريحان ... ؟ تيمن الطيران النازل المكان ، وشق ضوء القمر ، ثم اختارت مكانها بمرمى أيدينا ... وبطلقة الجناحين بامتداد المكان الضيق لحظة الفراق ...حجب الضوء المتسرب بالتقطع من السماء الغائمة ...إنها الحمامة التي ترحل في الخوف بين الحدائق من قنص صيد غير مرخص لا في الزمان ولا في المكان ... حين ذاك وجدت نفسي أعزلا وحيدا في جلستي، وفي تناسل أفكاري الصامتة بالتواثر ... وفي برهة أسرع من البرق الخاطف نظرت إلى الجدار... كانت اللوحة لازالت تنتصب في مكانها بالتمام والكمال . ماعدا السيدة الأنثوية التي أدارت جسدها نحو ظل الأرض ، فيما العينين ارتد طرفهما بالانسحاب من المواجهة ... بصوت الأجنحة البيضاء التي ترتطم مثل العمر، أيقنت أن حلمي انتهى المطاف به إلي اليقظة بواقع حال الخوف والترقب من عودة الدخان ... ومن موضعي المقابل للوحة جداري عرفت أن أصابعها تحترق ...