تسعى الآلة الدعائية الرسمية اليوم ,وكعادتها عند نقاط الانعراج, نحو تحيين أدلوجتها الاصلاحية العتيقة و توليف أركانها و اصطناع صورها الذهنية الواعدة المستجيبة لمتطلبات المرحلة , بالقدر الذي لا يتعرض لمنطلقات النظام السياسي الحاكم و جوهر وجوده و وظيفته الاحتوائية العتيدة. تجهد هذه الآلة التنميطية في بث الاعتقاد وسط النخب و عموم الشعب بأنه – ومهما اشتدت التحولات الداخلية و الإقليمية - فلا خطر محدق بسلامة المسارين السياسي و التنموي داخليا.و أن الزمن السلس بأشواطه لا يمر بنا إلا ليشهد على خطانا المتسارعة نحو غد أفضل ! والحاصل أن تقديرا كهذا سوف لن يعدم شواهد نفيه و لا نواقضه الصارخة .كما أنه لن يخيب متتبع في وارد استقصائها , بل و سيجد كفايته منها - ذكرا لا حصرا - في تحولات ما بعد فاتح يوليوز 2011 ومترتباته التي عرت واقع الانتكاس العميق الذي نرسف فيه على واجهتي السياسة و التنمية.


نعيش الآن في سياق أدلوجة سياسية اصطلح على نعتها ب"مسلسل الاصلاح في ظل الاستقرار". و هي موجة احتوائية تطوي وشيكا عامها الخامس بزخم هائل من الانتكاسات الصارخة التي لن تصمد ازاءها كل أبواق الاستحسان أو التبرير. ونحن ,اذ نحصي في سياق هذه الورقة انتكاسات سبعة كرستها هذه الأدلوجة على الوضع الداخلي بمساريه السياسي و التنموي, ندرك بحق أننا نخطئ موعدنا مع المستقبل بل ونخطئ وجهته من أصل . كيف ذلك ؟
1. تفجرت على مدى السنوات الأربع المنصرمة موجات احتجاجية فئوية و عمومية بكثافة غير مسبوقة ;بحيث لاقت الاجراءات (الاصلاحية) للسلطة التنفيذية حجما من الرفض الشعبي باعث على القلق. ليس لأن قائمة المطالب وحجم التطلعات فاق المتوقع ,بل لأن عموم المغاربة فوجئوا بمكاسب الأمس و قد أضحت مطالب ينبغي استرجاعها من جديد (توظيف الأطباء و الأساتذة,سن التقاعد,دعم المواد الأساسية...). هذه خطوة أولى الى الخلف.
2. شكل,دوما, حجم المشاركة السياسية في المواعد الانتخابية هاجسا مقلقا للسلطة الحاكمة ,بالنظر اليه كمعيار لمدى القبول الشعبي بجوهر النظام السياسي و رضاه بأدائه. وهذا ما يفسر الحرص الشديد للسلطة على الرفع من نسب المشاركة بشتى الوسائل ,دون أن تفلح في حجب حقيقة العزوف الآخذ في التوسع . غير أن التجربة السياسية الأخيرة لمغرب ما بعد الحراك عرفت تدنيا لافتا و غير مسبوق في نسب المشاركة ; و ذلك في الوقت الذي كان من المفترض أن تبلغ النسب معدلات قياسية بالنظر للطابع "الثوري" للتجربة.وفي هذا المعطى دلالة بالغة على اتساع الهوة الحائلة بين طبقات الشعب ومسارات الشأن العام ,وفي مرحلة كان تستلزم خلاف ذلك نظريا. وهذه خطوة ثانية الى الخلف.
3. استوفت جولة التداول السياسي دورتها كاملة بصعود حزب العدالة و التنمية ذي المرجعية الاسلامية و قيادته التجربة الحكومية الجديدة. وبتمام هذه التجربة –على فداحة الانتكاسات- يكون المغاربة قد استنفدوا كل الأمزجة السياسية في التدبير الحكومي يمينا و يسارا .دون أن يحققوا بهذا التداول ذاك الموعود التنموي و السياسي الواعد. فيرسخ جراء ذلك اعتقاد بأن الرهان على النخب السياسية الحالية خاسر دون شك. و بهذا الاعتقاد يخطو المغاربة,قسرا, خطوة ثالثة الى الخلف.
4. ليس التعدد السياسي مجرد وفرة عددية في التنظيمات الحزبية و عناوينها .بل هي تعدد خلاق في البرامج و النجاعة الاقتراحية في تصديها لوضعيات القصور التنموي و مساعي علاجها. كما أنه كذلك التزام و تعاقد أخلاقي مع الناخبين من عموم الشعب لتفعيل هذه البرامج و تنزيلها بمجرد الحصول على شرف الثقة. غير أن التجربة الاصلاحية الجارية فصولها تكشف حقيقة من نوع جديد و صادم ;وهي أن البرنامج السياسي ليس سوى عملة انتخابية سرعان ما تعري الممارسة زيفها و عبثيتها . وتلك خطوة رابعة الى الخلف.
5. لقد تم التسويق للوثيقة الدستورية الأخيرة على أنها اطار تشريعي ثوري ,يسرع الخطى نحو انتقال ديمقراطي حقيقي و يضع السلطة كاملة بيد المؤسسات التمثيلية للأمة . و هو التسويق الذي أفلحت الآلة الدعائية السالف ذكرها في تقديمه–باحتيال كبير - بديلا عن خيار التغيير العنيف و المسلح في الجوار الاقليمي. الا أن الموجة (الاصلاحية) كرست لوضع سياسي شهد انحسارا شديدا لصلاحيات الفعل المؤسسي في مقابل تعاظم الأثر التحكمي للملك ومحيطه الاستشاري ; وذلك على نحو مناقض تماما لشعار الملكية الدستورية المدبج به. وهذه خطوة ارتدادية خامسة الى الخلف.
6. عكس كل الانتظارات الشعبية و خلاف تلك البرامج السياسية الواعدة بتخفيف الوطأة الاجتماعية على عموم المغاربة , ها هي ذي الأيام تكشف تباعا و على نحو غير مسبوق حجم النزيف الذي أصاب القدرة الشرائية لطبقات الشعب وكذا الخطر الداهم المهدد بإسقاط الطبقة الوسطى و تحميلها عبء الفساد المؤسسي الثقيل. تلك خطوة سادسة الى الخلف.
7. في مغرب ما بعد فاتح يوليوز 2011 لا صوت يعلو فوق صوت الأحزاب الرسمية و الثقافة الرسمية و الخطاب الديني الرسمي و الفعل الثقافي الرسمي و المجتمع المدني الرسمي و الموقف السياسي الرسمي. على ايقاع الردة الحقوقية يخطو المغاربة خطوة سابعة الى الخلف.
ربما تكون هذه الخطوات السبعة كافية لتشخص في وجوهنا ملامح ردة حقيقية . انها الردة.