عبد الكبير بلاوشو

السؤال كالتالي : هل للكفاءة اعتبار وللديمقراطية اقتدار في صناعة القرار يا سيدي بدءا بعملية الإنتقاء المزاجي لأعضاء اللجن المكلفة بدراسة مشاريع المرشحين لرئاسة الجامعات حيث غاب المعيار وتغييبه عنوان لبداية الإستهتار بمسلسل الإختيار مرورا بجدولة جلسات الإستئناس والإستماع لعروض المشاريع المقترحة تصميما وتقديما وتقييما أمام غياب قواعد وضوابط متعارف عليها في التقييم، كل هذا يتم تمريره في شهر الحر والراحة وشدة الحرارة بعيدا عن عيون المجتمع والجامعة انتهاءا بتزكية ثلاثة أسماء محظوظة تم الاتفاق عليها سلفا تحت يافطة التدخلات السياسية والنقابية ومراعاة الإنتماءات العائلية ومظلة الولاءات الوظيفية للأسياد في مواقع القرار؟

سؤال بمدلوله وأبعاده يضاهي حرارة صيف هذا الزمان الذي تجلى فيه الفساد بما كسبت أيدي الناس والجواب عنه قد لا يتعدى برودة فصل الشتاء، نحن من يتطلع في الجامعة إلى حلول ربيع ضاع طيف ألوانه أمام خريف عاصف تساقطت أوراقه، إنها الأجواء المضطربة التي لا تنفع معها الدعوة إلى حالة الطوارئ الجامعية أو إلى بلورة خطة استعجالية، إنما الحاجة أضحت ملحة إلى إجراء عمليات جراحية بدءا باستئصال الورم السرطاني المتفشي في الدماغ الذي أساء إلى عملية التفكير والتعبير والتقرير مرورا بمرحلة الإنعاش الفكري والنقاهة الأخلاقية وصولا إلى عملية التجميل وهذا يستوجب أيادي نظيفة و أنامل متخصصة من ذوي الكفاءة العلمية والفنية والجمالية في معالجة أورام المنظومات والأنساق والسياقات المرتبطة برئاسة الجامعات وبعمادة المؤسسات.
في هذا الزمان الذي قل ربيعه وتمردت علينا طبيعته وفاضت أوديته واشتدت عواصفه واشتعلت حرائقه نتذكر عندليبا أسمرا تغنى يوما ما بكامل الأوصاف فما أحوجنا من قلب العاصفة والإعصار لمن تكتمل أوصافه ليس من باب التغني بجمالية الصورة والمشهد في الجامعة أو بهدف فتنة المجتمع بجميل الصفات والأوصاف ولكن هو البحث المستميت وبلا هوادة عن الإستقامة المفقودة في الإدارة وعن الجودة الموؤودة في الأداء ليستمر التحقيق في حجم المسؤوليات من خلال الوقوف عند مدى رجاحة العقل و جرأة القلب ونظافة الأيادي.
هذا قولنا من رحم واقعنا ومن منطلق عشقنا للجامعة التي نرفض أن تصبح مؤسسة عمومية قابلة للإفلاس والإغلاق وتسريح مستخدميها وعرضها في المزاد العلني و السري كمنتوج يخضع لمقتضيات البيع والشراء ولمنطق العرض والطلب. فعشقنا للجامعة لا نرتضيه إلا بالألف واللام على اعتبار أن الجامعة مؤسسة تتمتع بشخصية معنوية معرفة وليست نكرة من هنا يأتي التعامل معها احتراما لدورها واعترافا بوظيفتها وتقديرا لتعريفها. فالذي يطمح لرئاستها لا ينبغي أن يكون جسدا نكرة وإنما شخصية معرفة بالألف واللام و هرما بثلاثة أضلاع قيمية أولها ضلع التحلي بالواقعية والموضوعية في التدبير وثانيها ضلع التخلي عن المحسوبية والإسقاطات الإيديولوجية في التسيير وآخرها ضلع التجلي في الواقع للديمقراطية و الشفافية.
من هنا فإن اعتبار الكفاءة والديمقراطية كما أتى في السؤال أعلاه ينبغي أن يكون حاضرا في كل المواقف والقرارات والإختيارات لإنجاب مسؤول مقتدر واقف على قدميه شامخ الرأس يمتلك الإرادة والقدرة على الفكر والقول والفعل. فالتجربة السابقة أثبتث بالملموس أننا كنا أمام رؤساء إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم، وتحسبهم أيقاظا وهم رقود، وإذا قالوا فلا تسمع لقولهم.
فكما يقال التكرار من باب الإقرار نقول مرة أخرى وبصيغة مباشرة كيف يتم اختيار الرؤساء يا سيدي المعالي ؟ إن مصائبنا تبدأ بكيفية انتقاء أعضاء اللجن المكلفة بدراسة مشاريع المرشحين لرئاسة الجامعات والتي بناءا على نتائجها ترفع ثلاثة أسماء إلى السلطات العليا لتحديد الرؤساء الجدد للجامعات، فهل كنت على علم يا سيدي بكيفية الاختيار وبآليات الإنتقاء لأعضاء هاته اللجن؟ أم سوف تبدي لك الأيام أن العملية محبوكة سلفا وتستند إلى ثقافة التحكم في عضويتها كي تنتج لنا نفس العقلية التقليدية التي أضحت متجاوزة بمعيار الكفاءة في التدبير الإداري والمالي وطالتها الشيخوخة الفكرية وانتهت صلاحية معارفها وهي التي تتحمل المسؤولية التاريخية في تأزيم الوضع الجامعي وخرابه لدرجة بلورة خطط استعجالية لإنقاذه.
اللجن أعلاه في تركيبتها ينبغي أن تستجيب لمعايير الكفاءة العلمية وللتجربة والخبرة في مجال الدراسات والأبحاث وليس إلى التعاطف الحزبي والإنتماء الإيديولوجي مادام أن للمرشحين مشاريع يقال أنها لتنمية الجامعات وليس برامج سياسية لتأطير تنظيمات نقابية وأحزاب سياسية، علما أن الذاكرة الجامعية لها تجربة سيئة مع الاستقطاب الإيديولوجي الذي طغى على حساب الوظائف الأكاديمية والثقافية والعلمية للجامعة ليضحى من سيئات أعمال هذا الصيف أن ينتقل الإستقطاب من مستواه القاعدي إلى مستوى القيادة والإدارة الجامعية فأصبحت بذلك جغرافية الجامعة كمثيلاتها في تقسيم الدوائر الإنتخابية للجماعات فلا فرق في منظور أصحاب العقد والحل بين الجماعة والجامعة، إنها إشكالية مواضع حروف الألف والميم وسؤال الأسبقية.
وحتى إذا سلمنا بهندسة هذه اللجن فإننا قد نزداد غرابة أمام غياب أي دليل مرجعي أو أدوات علمية تساعد في عملية التقييم خاصة إذا علمنا أن الجامعة مؤسسة ليست كغيرها فعلى عاتقها تقع مسؤولية بناء الإنسان وصناعة المحيط والاستجابة لمتطلبات النهوض والإرتقاء واستزراع التفكير والتخطيط الإستراتيجي وتحقيق الجودة في الأداء وإعطاء النموذج في التميز الإداري وتكريس ثقافة التعاقد والشراكة والتقييم والقبول بالمساءلة. لكن للأسف الشديد المقاربة التي يراد بها صناعة رؤساء الجامعات لا تعدو كونها مسرحية جامعية بإخراج شبه ديمقراطي يخلو من أي بعد أكاديمي أو أخلاقي علما أن بعض المشاريع السابقة كانت مستنسخة وحظي أصحابها باعتلاء الكراسي الجامعية كرؤساء لمدة ثماني سنوات بدون حسيب أو رقيب وبرواتب شهرية ينبغي أن تطرح للمراجعة بكل جرأة في إطار خطة استعجالية لتقويم الأجور وإعطاء معنى لكل كرسي واستحقاق لأن طموحاتنا وتطلعاتنا في التغيير والنهوض تسقط يوميا بشكل عبثي وبأيادي غير مسؤولة تحركها الرغبة الجامحة في الحصول على مواقع بعيدة عن الواقع و برواتب شهرية خيالية.
كنا نتمنى أمام هذا الاستحقاق وكسابقه بأن ينفتح الوضع الجامعي على مستجدات وتصحيح مسارات والقطع مع أساليب وممارسات في اتجاه تكريس المنظور القيمي لهذا الإستحقاق وليس الإنتقال التهافتي من كرسي إلى كرسي لجيل بعينه تجاوز سن الخمسينيات ويسعى إلى تدبير زمان ليس بزمانه وهذا يؤكد وجود قدر كبير من التباين والتضارب وفجوة عميقة في رؤى الأشياء, وفي فهمها وقراءتها ليتضح أن الأمر لا يتعلق فقط بعدم احترام القواعد والمبادئ والإحتكام إلى الكفاءة وإلى الديمقراطية كآلية للحسم بل أن المسألة أصبحت مرتبطة بشكل قطعي بثقافة الإجهاز على الأجيال واحتكار المواقع والأدوار.
والغريب في الأمر أن القضية موضوع النقاش تشكل معادلة يتجلى فيها حرف الميم نسبة إلى مسرحية الميم : موقع، مهمة، مرشح، مشروع، مساءلة، مداولة، رئيس ممنون في مقابل مرشح مغضوب عليه، وأخيرا مكلف بالمهمة.
فالمشروع من منظور أكاديمي له جهاز مفاهيمي يحدده وآليات للتنزيل تؤطره ومن أجل دراسته يفترض تكوين لجنة تمتلك مؤهلات ومهارات في التحليل المنظوماتي ولها القدرة على تفكيك بنية المشروع ودراسة عناصره وفق معايير ومؤشرات وأسئلة محددة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
• سؤال الكفاءة في التسيير الإداري والمالي للمؤسسات الجامعية وتدبير الموارد البشرية أمام تحديات التحول ومحدودية البديل الإجرائي وضعف آليات التنفيذ.
• سؤال المحتوى الذي ينبغي أن يخضع لمقياس الواقعية والقابلية للتنفيذ والتطابق مع عناوين الميثاق و كيفية البحث عن الموارد الذاتية لمواكبة المشروع وخضوع هذا الأخير إلى عملية التقييم والتوقع وتقديم الحصيلة السنوية في شقها الإداري والمالي والتربوي للرأي العام الوطني وللجهات المختصة.
• سؤال الوقوف عند النسبة المرتقبة لنجاح المشروع بعيدا عن الخيال وقريبا من الواقع.
• سؤال منظومة الإصلاح وآفاق خطته الإستعجالية وبوصلته غير الثابتة الإتجاه والسريعة التذبذب مما يوحي بوجود خلل في عملية الهندسة والتخطيط والبناء.
• سؤال الدقة في التصور والوضوح في منهجية الإعمال. . . .إلخ
أمام هذه الأسئلة غير المتناهية نتساءل لماذا تفشل مشاريعنا، تلغى أو تجهض؟؟؟ حتما لأننا نعجز عن الجواب عن: كيف نعمل وماذا نفعل؟ أو ربما لا نطرح هذه الأسئلة بتاتا!
أما الحديث عن قيادة المشاريع فلا تسأل فهي فن ومهارة وأداة فعالة من أدوات التدبير الاستراتيجي تقتضي كفاءات علائقية و تدبيرا مهيكلا و تعريفا للأدوار التي يجب القيام بها تحقيقا للأهداف المرسومة. من قلب هذه المنظومة فإن للمشروع دورة حياة تتكون من مجموعة مراحل أهمها مرحلة التحديد ومرحلة التخطيط ومرحلة التنفيذ والانجاز ومرحلة التقييم كما أن للمشروع وثيقة تشمل من باب الإختصار:
مخطط العمل والذي يتضمن الأنشطة المتوقعة في إطار المشروع ضمن تراتبية ومجال زمني وتسلسل واقعي ومنطقي، وعموما فإن مخطط العمل يقدم على شكل جدول تسطر فيه:
l الأنشطة والبرامج التي سيتم القيام بها حسب نظام محدد؛
l الوسائل الضرورية لتحقيقها ضمن خطط عمل واضحة وواقعية؛
l تحديد المسؤوليات عن عملية الإنجاز ؛
l الإلتزام بقبول المساءلة والتقييم
تتبع المشروع، فالمرشح مدعو لتحليل كيفية القيام بعمليات التتبع؟ ومن هي الأجهزة التي ستكون مسؤولة عن ذلك ( عددها وتكويناتها) ؟ ثم ما هي العلاقات التي تجمع بين مختلف الشركاء والأطراف المعنية من أجل تنفيذ وتتبع ومراقبة إنجاز الأعمال ؟
جدوى وديمومة المشروع : كل مشروع يجب أن يبين جدوى الحلول المطروحة ودوامها من الناحية التقنية والمالية والمؤسساتية والمخاطر المرتقبة لإفشاله وماهي البدائل والسيناريوهات من أجل المعالجة والتجاوز.
تقييم المشروع : في هذا الفرع يجب على المرشح أن يفسر ضرورة إنجاز تقييم الأنشطة والأعمال التي ينوي القيام بها. ويجب شرح النتائج المتوقعة من خلال المؤشرات الموضوعة في مرحلة المشروع .
ميزانية المشروع : يتعلق الأمر بتقديم الوسائل والموارد الضرورية لإنجاز الأنشطة المتوقعة في إطار المشروع، إذ يجب ترجمة هذه الأنشطة بشكل رقمي لمعرفة التقدير الإجمالي للمشروع. ويجب تهوية أعمدة الميزانية على أقصى حد للحصول على ميزانية مفصلة وواضحة. ويجب تثمين كافة إسهامات الشركاء والتعاقدات. والإلتزام بالتدقيق والمحاسبة وتقديم القوائم التركيبية.
بناءا على ما تقدم فإن مشروع رئاسة الجامعة لا ينبغي أن يكون مشروعا عبثيا وإنما هو إطار مخطط و هدف استراتيجي ورؤية ورسالة واضحة يحمل عناوين متعددة لا ينبغي حشره بمفاهيم شخصية تطلعية أو اعتبارات سياسية ضيقة. من هنا يبرز دور اللجن كمحدد أساسي في طبيعة الإختيارات ومصداقية القرارات وإنطلاق الخطوات الأولى للتصحيح.
في الختام وللأسف الشديد فإن مسلسل الاستخفاف والاستهتار الذي يراد تكريسه من خلال فبركة اللجن لا يجوز الصيام عنه مخافة الإفطار على لائحة رؤساء من الوزن الخفيف همهم الوحيد تمرير مخططات ومشاريع شخصية بعيدة كل البعد عن الخبرة و الاستشارة المهنية والوطنية الحقيقية بما يخدم مصالح الجامعة والمجتمع. وأمام هذا الإستدلال تقبل الله منا وإياكم الصيام والقيام إلى أن تتأكد رؤية الهلال .
بهذه المناسبة تنطلق اليوم جلسات دراسة مشاريع المرشحين لرئاسة أعرق جامعة، جامعة محمد الخامس الرباط