بديل ــ محمد بوبكري

لقد تربينا منذ نعومة أظافرنا على محبة المغرب حتى صار راسخا في أذهان أبناء جيلي ووجدانهم أننا خُلِقنا لنُحب وطننا. وعندما دخلنا عالم السياسة، كان ذلك انخراطا في الصراع على أساس طبقي، فوجدنا لذة في ذلك، فانحزنا إلى جانب الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، وانحاز آخرون إلى طبقة الأغنياء والمترفين...

لكن، انقلب اليوم كل شيء على عقب، وأصبحنا نجد أنفسنا في زمان يتم العمل فيه على طمس الصراع القائم على أساس الانتماء الاجتماعي لصالح صراع قائم على الانتماء الديني والطائفي والعرقي...، إذ صرنا في منطقتنا الشرق الأوسط أمام طوائف وقبائل متطاحنة في ما بينها... ولم يعد الأمر يقف عند حدود منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بل امتد ذلك إلى العالم، حيث باتت كل المؤشرات تكشف خطورته.

لقد تنبأ "هنتنجتون" منذ أكثر من عشرين عاما بما سماه حينئذ بـ "صراع الحضارات"، ما أثار نقاشا سياسيا وفلسفيا صاخبا أدى إلى معارضة هذه المقولة لكونها تنهض على تقسيم عشوائي يصطنع عدوا برغبة توجيه السهام إليه. وإذا كان بعض الناس يرون أن نبوءة "هنتجتون" على وشك أن تتحقق، فإن ذلك مجرد وهم، إذ لا علاقة لهذا الأمر بالحضارة، وإنما بالتخلي عن العقل والفهم الحضاريين والمتحضرين، لأن الإسلام دين وليس سياسة. وبحكم طبيعته هذه، فإنه لا يمكن أن يتعارض مع القيم الكونية، ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا تم اجتزاء نص، أو فقرة, أو كلمة من هنا أو هناك. وبما أن الإسلام نص ديني، فمن الطبيعي أن يختلف الناس شيعا وقبائل في تلقي نصه وفهمه وتأويله، حيث لكل منهم فهمه الخاص له حسب مؤهلاته وظروفه، ولا يمكنهم استنفاذ معانيه.

لذلك تقود الأفكار العامة السطحية إلى تصنيف خاطئ ينبني على تقسيم البشر إلى مجموعات صالحة وأخرى فاسدة. وهذا ما أسقطنا في منزلقات فكرية وسياسية خاطئة نجم عنها التخلي عن التمسك بكل من مفهومي "الوطن" و"الصراع الاجتماعي". فحدث ارتداد حضاري أغرقنا في التعصب للطائفة، أو القبيلة، أو حتى الجغرافيا...

وللتدليل على ذلك، فقد أدى الغزو السوفياتي لأفغانستان إلى اندفاع الولايات المتحدة الأمريكية وباكستان والعربية السعودية إلى مساعدة الأفغان لا لان الأمر يتعلق بحركة تحرر وطني، وإنما لكونهم مسلمين يحاربون الإلحاد، ما يعني اقتناع الناس بمقولات خاطئة جعلتهم ينقسمون إلى فرق وطوائف يزايد بعضها على بعض آخر ويُكَفِّره، فسقطت في التطرف الذي يؤدي إلى مزيد من التطرف. ويتجلى ذلك في انقلاب المجاهدين الأفغان على بعضهم البعض عقب الانهيار السوفياتي، حيث صاروا يقتلون بعضهم بعضا باسم الدين، والدين براء من ذلك.
لم تشمل هذه الظاهرة الإسلام والمسلمين فحسب، وإنما كانت سببا في تمزيق يوغسلافيا إلى أرثوذكس وكاثوليك ومسلمين... وقد نجم عن ذلك ارتكاب مجازر ضد المسلمين بحجة التطهير الثقافي والعرقي. وتعرف دول مالي والبحرين والكويت... صراعات سياسية يستخدم فيها الدين والعرق بغية تفتيتها، إذ إن جوهر الخلاف داخلها ليس دينيا، وإنما هو سياسي بامتياز. هكذا يتم اتخاذ الدين والعرق وغيرهما من العوامل الأخرى وسيلة للتفتيت. وبذلك تحول الدين إلى مجرد ستار ووسيلة لتوظيف العواطف والمشاعر البسيطة لزرع الفتن التي تخلق فوضى تعصف بالمؤسسات وتزج بالبلاد في حالة اللانظام واللادولة من أجل تفتيت الأوطان.

وهذا ما يفسر اعتماد القوى العظمى الغربية لـ "نظرية الفوضى الخلاقة" لصاحبها "مايكل لادين" أحد أبرز الخبراء والمفكرين السياسيين بحركة المحافظين الجدد الأمريكيين الذي تم تكليفه في عام 2001 بوضع خطة مدتها عشر سنوات لتغيير الأنظمة والمجتمعات بمنطقة الأوسط وشمال أفريقيا، ما يعنى هدم دولها من داخلها، وإدخالها في حالة اللانظام...
لذلك نجد الإرهاب التكفيري الذي لا يؤمن بالوطن يعمل على هدم أساس الدولة الذي اختارته الإنسانية صيغة للتعايش، والأمان، والتقدم، والرخاء.

لقد عرف تاريخ البشرية صراعات سعت من خلالها إمبراطوريات وقوى كبرى إلى فرض هيمنتها على الآخرين، لكن لم يصل الأمر بها إلى حد هدم نظام الدولة، وذلك لأنها كانت تدرك أن المساس به، يعني إشعال نيران فوضى ستأتي على الأخضر واليابس، بمن في ذلك الذين أطلقوها في البداية.

أضف إلى ذلك أنه عندما بدأ الصراع الأمريكي- السوفياتي في العصر الحديث، حيث اعتمد كلا الجانبين أيديولوجيا جعلته يرى أنه يحمل رسالة إلى الإنسانية ينبغي نشرها عالميا. ونظرا لامتلاك كل منهما أسلحة أشد فتكا، فقد حال التوازن بينهما دون أي مواجهة خطيرة بينهما، فوصلا في نهاية حكم "غورباتشوف"، وقبل تفكك الاتحاد السوفييتي، إلى الاتفاق على مبدأ المنفعة المتبادلة بدلاً من الصراع، كآلية محركة للسياسة الخارجية. لكن عقيدة الهيمنة لم تفارق العقل السياسي للقوى الغربية، خاصة في المناطق الضعيفة التي لها فيها مصالح إستراتيجية.
نتيجة ذلك، غاب التبصر، وتورطت القوى الغربية في خلق أجواء الفوضى بهدف هدم دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن بدأت مؤخراً أصوات بعض المفكرين والسياسيين وبعض المؤسسات ترتفع لأنها أدركت أن هذه القوى العظمى الغربية لن تكون هي ذاتها بمنجى من أضرار هذه الفوضى، حيث إنها ساهمت في خلق "الإرهاب التكفيري" الذي قد لا تقدر على تطويعه لأنه من المحتمل جدا أن يشُبَّ عن الطوق ويؤذيها هي ذاتها. أضف إلى ذلك أن الذهاب بعيدا في هذا المسلسل سيكون باهظ الكلفة...

يرى "هنري كيسنجر" في كتابه الجديد "النظام الدولي" أن إستراتيجية الفوضى واللانظام التي تنهجها القوى العظمى الغربية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مشكوك في نتائجها، إذ قد تقود إلى حروب أهلية فوضوية، تنشط فيها أكثر الأطراف تطرفا. ونظرا لعدم تقديم هذا المفكر السياسي لأي حل مباشر لهذه المشكلة الخطيرة، فيبدو أن الخروج منها سيكون صعبا للغاية.