محمد بوبكري

يتفق الباحثون على أن أسباب حدوث الانشقاقات الحزبية تكمن في غياب الديمقراطية الداخلية الحزبية الناجم عن تسلط "زعاماتها" التي تنفرد باتخاذ القرار خدمة لرغباتها ومصالحها الشخصية، خاصة في ظل وجود أشخاص مستبدين يسعون إلى التحكم في زمام الأمور لتكريس سلطتهم بغية الحصول على مقاعد في مؤسسات الدولة لما تفتحه من أبواب للاستفادة من الريع... لذلك فغياب المؤسسية داخل الأحزاب هو ما يؤدي في غالب الأحيان إلى الانقسامات داخلها. ويعكس غياب الوظائف الديمقراطية داخل الأحزاب الصورة العامة للممارسة السياسية في الدولة ومؤسساتها...

يمكن تفسير ذلك بأن "الزعامة" الحزبية تشتغل بمنطق ثنائية "الحلال والحرام" الجامدة، ما يشكل عقبة كأداء تحول دون تقبلها لقواعد الديمقراطية. وهذا ما يكشف اعتناقها للديانة "المانوية" ""manichéisme التي تقوم على ثنائية "الخير والشر" وغيرها من الثنائيات الأخرى التي تقتصر نظرتها فقط على حَلَّين لا ثالث لهما لأية قضية. وهي ترمز إلى ضيق الأفق والمحدودية، ما جعل المفكرين يصنفونها ضمن خانة "ثقافة الاغتيال" التي ترفض الاعتراف بالآخر. وهذا ما يشكل رغبة في إبادته. وتقود الرغبة في إبادة الآخر إلى تدمير الذات، كما يدل الاستىئثار بكل شيء على إرادة الإفساد والسرقة والنهب والافتراس...
يجسد رفض الاختلاف الفراغ الفكري لصاحبه، وافتقاره للمبادئ والقيم... وهذا ما يفضي إلى سيادة نوع من الاستبداد الذي لا يفكر إلا بغرائزه، ما يعني سيادة العنف والبلطجة...
لكن منطق التاريخ يفيدنا أن نهاية الزعيم المستبد تكون مأساوية. لذلك ينبغي أخذ الدروس من النهاية المأساوية لضباط الاستبداد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وغيرها من بلاد العالم.
تنجم بوادر الانشقاقات الحزبية التي تعرفها ساحتنا السياسية حاليا عن تدنِّي مستوى أداء "الزعامة"، ما يعود إلى خيانة "الزعامات" لانتماءاتها الفكرية والشعبية، ما عرَّضها للمسخ، فأصبحت تشكل عامل انقسام في الحزب.
عندما يصل الزعيم عندنا إلى قمة الهرم الحزبي يصبح شغله الشاغل هو التمكن من استمرارية زعامته للحزب ودوامها حتى مماته. وهذا ما يتسبب في بطء التداول على المسؤولية في الحزب بسبب سعي "الزعيم" لتملُّك المنصب. لذلك ينفذ صبر أعضاء الحزب نتيجة تسلط هذا الأخير وعدم احترامه للقوانين الديمقراطية، فتنشب خلافات بينه وبينهم، ويتمردون عليه، ما قد يؤدي إلى حدوث انشقاق داخل الحزب...
وبذلك، تكون انشقاقات الأحزاب من صنع زعاماتها التي لا تنهض ممارستها السياسية على قناعات، ولا على برامج بديلة لما هو قائم، بل تحولت إلى وسيلة للترقية الاجتماعية وتحقيق المكاسب واحتلال المناصب... لذلك، عندما تُصيب الانحرافات "زعامات" حزبية معينة، فإن أعضاء الحزب قد ينسحبون منه، أو قد ينتفضون ضدها...
كما أن افتقار زعامة الحزب للمبادئ والقيم والمعارف يعوق امتلاكها لأي مشروع، ما يفقد التنظيم الجزبي تماسك أعضائه، ويجعله عاجزا عن التأطير والتوسع في المجتمع. وعندما تغيب المبادئ والقيم... لدى الزعامة، تنتشر الانتهازية ولا تكون هناك نخبة بالمعنى المتداول كونيا، فينشب الصراع بين "الزعامة" والقواعد، ما قد يفضي إلى انقسام الحزب...
غير أن الانشقاقات التي تعرفها الأحزاب لا تعود إلى أسباب داخلية فحسب، وإنما قد ترجع إلى تدخل قوى من خارج الحزب لا تريد أن تكون هناك أحزاب ديمقراطية مستقلة تنافسها أو لا تخدم إستراتيجيتها، ما يدفعها إلى العمل على إضعاف الأحزاب عبر المساهمة في دفع "الزعامات" المفروضة على الحزب إلى تأجيج صراعات داخلها. وهذا ما يتحقق لها عبر "تجهيل النخب" الحزبية وتحويلها إلى أداة لا تتوانى في تحقيق الانشقاق مقابل حصول أعضائها على منافع...
تفيدنا مختلف التجارب بأن هذه القوى قد تستغل وجود أية ثغرة في حزب ما، حتى ولو كان حليفها، كي تتسلل من خلالها إلى صفوفه لتبث الخلاف والانشقاق بين صفوفه. وهذا ما جعل المواطن يكتشف أن "الزعامات" أصبحت تخدم هذه القوى، حيث صارت أدوارها مناسباتية مؤقتة تنحصر في المواعيد الانتخابية التي غالبا ما يطغى عليها تغلُّب المصالح الشخصية واستغلال فقر بعض المواطنين وجهلهم لشراء أصواتهم، ما يتعارض جذريا مع القيم الديمقراطية...
لم تطرح قضية الوحدة والانقسام على صعيد البحث الأكاديمي باعتبارها قضية فكرية وليست فقط عملية سياسية يخضع نجاحها أو فشلها لأهداف ووعي القائمين عليها.
لقد حدثت في ستينيات القرن الماضي، في أغلب بلدان العالم الثالث، ظاهرة انشقاقات واسعة في صفوف الأحزاب اليسارية والشيوعية والقومية وغيرها من التنظيمات الأخرى. ويبدو أن هذه الظاهرة قد وقعت في أحزاب تنتمي إلى مجتمعات فقيرة تعاني من الأمية والجهل، حيث غابت هذه الانشقاقات في أحزاب الدول المتقدمة حضاريا وعلميا في آسيا وأوربا الشرقية والدول الغربية، رغم اختلاف توجهاتها. ويعود ذلك إلى التقدم الحضاري في هذه البلدان، والوعي العميق والثقافة الرفيعة لشعوبها وعراقة أحزابها، فضلا عن تميز البلاد الغربية برسوخ الديمقراطية فيها...
تقود المصالح الخاصة للزعامات السياسية إلى الانقسامات الحزبية، إذ تدفع خصومها إلى انسداد طرق الحوار، فيرون أنه لم يعد أمامهم سوى إعلان الانشقاق عن الحزب. لكن الأمر لا يمكن أن يقتصر على هذا التفسير وحده، بل قد ترتبط المسألة أيضاً بعقلية "الزعامات" في بلادنا وبطريقة تفكيرها وتعاملها مع قضايا الاختلاف التي صارت تؤدي إلى الانشقاق بدلاً عن تدبير الاختلاف في إطار الوحدة... وهنا يبدو أن الأمر يتعلق أيضا بظاهرة ثقافية وليس فقط بتجارب تاريخية محدودة...
إذا كان تسلط الزعامات الحزبية وتجاوزاتها يشكلان عاملا أساسا في انشقاق الأحزاب، فينبغي ألا ننسى أن أعضاء الحزب أيضا يتحملون قسطا من المسؤولية. ويبدو لي أن المسألة تعود إلى طبيعة المجتمعات، إذ إن الكثير من هذه السلبيات لا توجد في المجتمعات المتحضرة التي ترفض الأنانية والاستئثار بالقرار وممارسة الدكتاتورية الفردية.
خلاصة القول، إنه لا يمكن التخلص من هذه الظاهرة إلا في المجتمعات الحضارية المتقدمة التي بلغت درجة من النضج والتمدن. لذا ينبغي التخلص من تلك المعوقات التي ورثناها عن مجتمعاتنا التقليدية ومكوناتها القَبَلية والطائفية التي تؤثر في طبيعة ثقافة وتَشَكُّل الفكر السياسي والتنظيمي للحزب. فالواقع يساهم بشكل كبير في تحديد ممارسات الزعامات ويشكل عقليتها، ويشدها نحو الماضي. لهذا ينبغي مكافحة هذه الظواهر للحد من أثرها والتمكن من التخلص من الانشقاقات عبر تحول ثقافي وسياسي يرسخ قبول الاختلاف...