خالد أوباعمر

لقد تعب المتصرفون من تدبيج المذكرات المطلبية وتوجيهها إلى رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران لعل وعسى أن يهدي الله هذه الحكومة لكي تدرج ملفهم في جدول أعمالها قصد تمكينهم من حقوقهم العادلة والمشروعة في العدالة الأجرية أسوة بباقي الفئات المماثلة لهم في الوظيفة العمومية وإعمالا لمبادئ الدستور ذات الصلة بالمساواة وتكافؤ الفرص...

غير أن حكومة السيد عبد الإله ابن كيران لم تتجاوب بالجدية المطلوبة مع مطالب المتصرفين الواقعية والقانونية والدستورية كما تجاوبت مع رجال السلطة في الإدارة المركزية لوزارة الداخلية من خلال مشروع مرسوم يقضي بمنح تعويضان جزافية عن السكن أغرب من الخيال لفائدة هؤلاء، حيث أنه في كل مرة يوجه فيها المتصرفون ملفهم المطلبي للحكومة من أجل بحث إمكانية التسوية البنيوية لهذا الملف، لا تجد الحكومة أي حرج في تكرار لازمة أن الإمكانيات المالية للدولة لا تسمح بمعالجة مطالب هذه الفئة العريضة من موظفي الدولة رغم إقرار عدد من المسؤولين بعدالتها ومشروعيتها.

الحكومة التي تتباكى على المغاربة بخطاب سياسي مغلف بشعارات حزيم السمطة والتقشف والأزمة الاقتصادية والعجز المالي سقط قناعها وانكشفت حقيقة مشاريعها التمييزية بعد أن أماطت الصحافة اللّثام عن مشروع مرسوم يراد تمريره قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة يمنح لرجال السلطة في الإدارة المركزية لوزارة الداخلية، من العامل الممتاز إلى خليفة القايد، تعويضات جزافية عن السكن تفوق التعويض الممنوح لرئيس الحكومة ولباقي أعضائها بموجب ظهير 1975 !

الخطير في الأمر، أن كشف الإعلام لمشروع المرسوم الحكومي، أتى متزامنا مع ترويج أخبار في عدد من الجرائد والمواقع الإلكترونية تفيد أن وزارة الداخلية شرعت في استلام طلبات الاستفادة من الدعم الحكومي المخصص للأرامل، وكأن الأمر يتعلق بلعبة "عطيني نعطيك" لأغراض لا يعلمها إلاّ الراسخون في علم التكوليس.

الدرس الوحيد الذي يستفاد من خلال هذه الفضيحة الحكومية التي تطرح أكثر من علامة استفهام حول جدواها وخلفيتها وتوقيتها؟ هو أن رجال السلطة في الإدارة المركزية محصنين برجل قوي اسمه محمد حصاد، ولا يحتاجون إلى إطارات نقابية أو تنسيقيات وطنية للمطالبة بتسوية أوضاعهم الإدارية والمالية كما هو الشأن لفئة المتصرفين، التي يباع لها الوهم الحكومي كلما طالبت بالمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الأجرية مثل غيرها من الفئات الأخرى من موظفي الدولة التي تعاني من الحيف.

رجال السلطة من الوالي إلى الخليفة ممنوعين بحكم القانون من الانتظام في إطارات نقابية أو تنسيقيات وطنية. لهذا فإن وزيرهم القوي في حكومة عبد الإله ابن كيران، محمد حصاد، قادر بما يملكه من أوراق ضغط قوية ترويض الحكومة بكل مكوناتها لانتزاع ريع جديد على شكل تعويضات جزافية عن السكن لفائدة رجاله المحظوظين في أم الوزارات، حتى وإن كانت هذه المكاسب، تكرس في العمق الحكرة والتمييز والريع الحكومي في أبشع صوره.
رجال السلطة، من العامل الممتاز إلى خليفة القائد، موظفون يقدمون خدماتهم للدولة من موقعهم الوظيفي مثلهم مثل باقي موظفي الدولة في التعليم والفلاحة والسياحة والمياه والغابات والطاقة والمعادن والبيئة والعدل والصحة والثقافة والسكنى والتعمير....
لهذا عندما تقرر الحكومة ترضية فئة معينة من موظفي الدولة مقابل إعطائها بالظهر لفئات أخرى من موظفي نفس الدولة بمبررات التقشف والعجز المالي وهلم جرا من المبررات التي أسقطها مشروع المرسوم الحكومي الذي يقضي بمنح تعويض جزافي عن السكن لفائدة رجال السلطة من الوالي إلى الخليفة، فيحق للمغاربة أن يتساءلوا عن أي عدالة اجتماعية تتحدث هذه الحكومة؟ عن أي مساواة وتكافؤ للفرص يهلل الناطق الرسمي باسمها في كل مناسبة أتيحت له فيها فرصة الكلام؟ عن أي تنزيل ديمقراطي للدستور يتكلمون؟ عن أي تخليق؟ عن أي محاربة للفساد والريع؟
إذا كانت حكومة عبد الإله ابن كيران قد اقتنعت أن الأمن والاستقرار أولى من العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص، وآمنت بأن الريع المرضي الناتج عن منطق الترضية هو المدخل للتطبيع مع السلطة من أجل الاستمرارية في تدبير الشأن العام في البلاد...فلتعلم أنها تلعب بالنار وتقامر بالسلم الوظيفي في المغرب وتؤسس لاستبداد وتحكم أخطر وأعنف من ذلك الذي تحدث عنه رئيس الحكومة في تجمعاته الحزبية في سنة 2011 التي عاشت على إيقاع حراك شبابي مغربي رفع شعار الشعب يريد إسقاط الفساد والاستبداد، ولازال يومئ إليه إلى يومنا هذا في تجمعاته الحزبية ولقاءاته السياسية وحواراته الإعلامية.
مشروع المرسوم الحكومي الريعي التمييزي خلق رجة كبيرة في الوسط الإعلامي ولدى شرائح واسعة من الشعب المغربي حتى قبل أن يحال على مجلس الحكومة للبث فيه، فكيف سيكون الحال إذا اعتمدته الحكومة، وأشر عليه ابن كيران، وتم دخوله إلى حيز النفاذ بعد نشره في الجريدة الرسمية؟
المطلوب من الحكومة بعد هذه الفضيحة المزلزلة ليس هو وقف مشروع المرسوم الذي يقضي بمنح تعويضات جزافية خيالية عن السكن لرجال السلطة بوزارة الداخلية من العامل الممتاز إلى خليفة القائد، بل المطلوب منها هو تقديم اعتذار للشعب المغربي الذي كذبت عليه عندما سوقت له فكرة أنها ضد الريع.
لا يمكن سلب أموال المغاربة بيد لمنحها على شكل تعويضات جزافية ريعية خيالية لفئة معينة من موظفي الدولة بيد أخرى في الوقت الذي لا يجد فيه فقراء هذا الوطن وجياعه ما يأكلونه من طعام لسد رمق الجوع، وما يفترشونه من فراش للاحتماء من القر والصقيع...
أغلب رجال السلطة من العامل الممتاز إلى القائد يمتلكون سكنا لائقا ومحترما مع وجود استثناءات قليله جدا تهم القياد الجدد في عامهم الأول أو الثاني أو الثالث. لماذا تريد الحكومة منح رجال السلطة في الإدارة المركزية لوزارة الداخلية تعويضات جزافية خيالية عن السكن؟ هل يبيتون في العراء؟ هل بخلت عليهم الدولة بعقار بشروط تحفيزية وتشجيعية مناسبة لامتلاك سكن لائق ومحترم؟ هل من المعقول أن يمنح لباشا ممتاز تعويض عن السكن يعادل التعويض الممنوح لرئيس الحكومة؟
مشروع المرسوم فضيحة بكل ما للكلمة من معنى لا يمكن للحكومة تبريرها بأي حال من الأحوال. هناك فئات من موظفي الدولة كما هو الشأن بالنسبة لفئة المتصرفين الذين يشكلون عصب الإدارة المغربية يشتغلون في ظروف صعبة ويعانون في ظل لامبالاة حكومية غير مسبوقة، ومع ذلك لم تلتف هذه الحكومة إلى معاناتهم اليومية، كما اهتمت بمصالح رجال السلطة في الإدارة المركزية لوزارة الداخلية.
لماذا لا تعير هذه الحكومة أي عطف تجاه فئة المتصرفين بالشكل الذي تعيره اليوم لرجال السلطة بالإدارة المركزية لوزارة الداخلية بموجب مشروع المرسوم الفضيحة؟ هل لأن المتصرفين لا يتوفرون على وزير قوي في الحكومة يمتلك أوراق ضغط قوية لانتزاع حقوقهم العادلة والمشروعة من أجل العدالة الأجرية؟
هل يعلم السيد رئيس الحكومة أن التعويض الذي يفكر في منحه للعامل الممتاز مثلا يساوي راتب شهري لأربعة متصرفين من الدرجة الثانية؟ هل هذه هي العدالة الأجرية التي تنشدها هذه الحكومة التي يقودها حزب رفع في حملته الانتخابية في 2011 شعار محاربة الفساد والاستبداد والريع؟