المريزق المصطفى

كما أن الاستغلال له أصل تاريخي و هو يظهر عندما تنجح جماعة من البشر في الاستيلاء على و سائل الإنتاج و التنظيم و الإعلام، و يصبح القسم الأكبر من السكان مهدد في وجوده الاجتماعي، كذلك للإنسان الواعي رأي في شؤونه و في النظام الاجتماعي الذي يحكمه، و ذلك من خلال مشاركته في حركة الأفكار من أجل مقاومة كل أشكال التسلط و الهيمنة و خيبات الأمل في زمن الردة و النكوص.
لقد قدم الكثيرون أنفسهم، و في العديد من المناسبات، أوصياء على حركات الصراع من أجل مدينة مواطنة، أو بالأحرى، لقد انقضوا على هذا الدور الجاحد، بكثير من الذاتية، نظرا لتحايلهم البيروقراطي الموسوم بالثقافوية و الوظيفية، الأمر الذي يعطيهم الحق في التعاطي مع قضايا المدينة بنوع من الزبونية الفكرية و المادية، و ذلك على حساب التفاعل الايجابي مع الأسئلة المتعلقة بمستقبل البلاد و تنظيمها الاجتماعي و حياة المغاربة في مجتمعهم.
إن الواقع الملموس يبين لنا كل يوم، و في العديد من المحطات التاريخية، أن الحق في المدينة يتطلب تبصرا و صبرا. و أن تحقيق مدينة الحقوق يتطلب نضال و انخراط في مهام يومية ترسم معالم التغيير بعيدا عن "الخبراء المكلفين بالاستشارة لصالح السلطة" و عن الطموحات الذاتية التي تعيق عملية الإبداع و تحرير الطاقات.
إن لعبة الفوارق الطبقية التي يخصصها لنا نظام المدينة القديم في راهننا، يجعلنا نشعر بالمرارة كلما تعرضت الساكنة للقساوة الاجتماعية و للإهانة السياسية و للمأساة الناجمة أحيانا عن الكوارث الطبيعية، كما يحصل الآن في العديد من المدن و أحوازها (كلميم و سيدي إفني مثلا).
و لكي نتخلص من الاعتراض و النقد، علينا الحفاظ على مسافة متميزة بين المعطيات التي نحصل عليها و القضايا التي تواجهنا. إن هذا الموقف لا يتفق مع الحالة الراهنة التي تعيشها المدينة.. فلا يمكن أن نحلم بحقوق المدينة لننام في العراء. لأن المدينة يجب أن تكون فضاء للحماية الاجتماعية و للتفكير و الحوار و نقاش الأفكار الديمقراطية و صياغة المقترحات و تبادل التجارب بكل حرية و مصداقية و التنسيق بين الفاعلين من أجل الحياة و العيش المشترك.
هكذا نكتشف في كل المناسبات الكارثية تناقضات هذه العلاقة، التي تعري واقع البنيات الأساسية و غياب التنمية الاجتماعية الحضرية التي تعتبر من اختصاص المؤسسات الوطنية و المحلية المتعلقة بالفعل العام.
و لكن بعدما حصل من كوارث للعديد من مدننا، نتساءل حقيقة و بكل مسؤولية عن دور الفاعلين الاجتماعيين في السهر على السياسات العمومية و تفعيلها و تنفيذها خاصة في الظروف الحرجة.
أن ما تتعرض له المدينة اليوم يدفعنا لمسائلة الدولة عن مدى تيسير استفادة عموم الناس من الحق في الحماية و الرعاية و الحياة، حيث يثبت الواقع أن المساواة بين المواطنات و المواطنين لا زالت بعيدة المنال، و أن المدن تنتج الثروة و لا تستفيد منها، كما أن السياسة العمومية بمختلف تدخلاتها القطاعية تحتاج لنهج سياسة مندمجة و تعاقدية حول "المشاريع الكبرى للمدينة" مثل: إطار الحياة، السكن، القطاع العام، التنمية الاقتصادية، و أخيرا، الوقاية من الانحراف.
إن المدينة اليوم، و في ضوء ما يحاصرها من عشوائية عمرانية و من لا عقلانية في التدبير و التسيير، أصبحت قنبلة موقوتة قابلة للانفجار. لذا نعود إلى ما اقترحناه منذ ثلاث سنوات بشأن الحق في المدينة و مدينة الحقوق. فقد طرحنا وقتئذ حول هذا الموضوع التساؤل التالي: أي مدينة نريد؟
و اليوم، نعتبر أن لهذا التساؤل راهنيته خاصة و أن ما يقع اليوم في المدينة المغربية يتطلب خلق لجن للمتابعة و التوجيه و لجن استراتيجية و مجموعات مكلفة بالمشاريع و مهام الانجاز بشراكة مع كل الفاعلين.
أما الدور الذي يلعبه الفاعل الأساسي في المدينة، يجب أن يكون في الإدراك الفعلي لوجود المدينة كمعطى تاريخي و كضرورة إنسانية و اجتماعية، إذ في ضوء هذا الاعتقاد حدد العديد من الخبراء في سياسة المدينة تصوراتهم انطلاقا من مبدأ المواطنة و التضامن و التعايش.
إن ما تعيشه المدينة المغربية من إختلالات و فوضى و إفلاس، هو ما جعل مدننا تغرق في الفساد و الرشوة و المحسوبية و الزبونية، و تعيش انحلالا في الروابط الاجتماعية، و تمارس إكراها مادية و نفسيا على الأفراد، و تفرض عليهم معايير و قيم تقمعهم و تمس بكرامتهم و تعرضهم لكافة أشكال التفاوت الاجتماعي.
إن الصور التي تناقلتها المواقع و الشبكات الاجتماعية عن أوضاع المناطق المنكوبة، أظهرت من دون لبس أن البنيات التحتية للمدن المغربية بنيات مغشوشة، لن تصمد أمام أي إعصار قد يضرب في أي و قت و حين. فمن المؤسف إذا أن تستمر الرقابة الاجتماعية التي يمارسها "حراس المدينة" على السكان من خلال نظام العقوبات و الأحكام الزجرية و قتل الطموح و الآمال في نفوس الناس، و ترك المواطنات و المواطنين عرضة لكل أنواع و أشكال الحكرة و الغبن و التمايز الاجتماعي و التهميش، و هو ما يتعارض مع حق الإنسان في الكرامة و التنمية و التضامن.
و أخيرا، لا زالت روح المدينة أملا إنسانيا و حقوقيا في حاجة إلى مقاومة شعبية سلمية لنزع الحق في المساواة و العدالة و الحرية، حتى لا يظل المواطن المغربي عرضة مرة أخرى لغضب الطبيعة، و حتى لا يبقى المسؤولون من دون محاسبة و لا مساءلة.