ريبورتاج ـ صلاح الدين عابر

مستشفى محمد الخامس بآسفي، عشرات النساء الحوامل تتخبط في ممر قسم الولادة من شدة الألم و لا أحد من الممرضين أو الاطباء يمكنه ان يهتم لذلك، و القليل من هؤلاء النساء عليهن أن يدفعن مقابل أن تحضين بالعناية، و في الكثير من الأحيان إن تكلمت إحدى الممرضات عوض أن تواسي الحوامل تسمعهن كلاما نابيا، و أمام بوابة هذا القسم تجد المئات من النساء و اقارب المرضى و الحوامل ينتظرون وهم يجلسون في أماكن مُتسخة و ممتلئة بالقذارة و الأشواك النباتية و الأزبال .

لولا تلك اللافتة المعلقة على الباب الرئيسي، لما كنت ستعرف أن هذا " الشيء " مستشفى، فالأزبال الطبية و نفايات الأكل و الحجارة المتراكمة و النباتات العشوائية كلها تحيط بهذا المستشفى، لايمكنك أن تظن بأنه مستشفى حتى تقرأ تلك اللافتة المُسطرة باللون الأخضر.

في أحد الأيام استفاق الناس على خبر وصول دماء المستشفى الى الشارع الرئيسي الذي أمامه، إنه ببساطة وحش افترس الجميع وعربد على الساكنة. تقول الساكنة هنا، أن وزير الصحة " لحسين الوردي " جاء يوما من أجل تفقد هذا المستشفى و وجد " شنيولة " تلاحقه في الأروقة، و وقف على عدد من الإختلالات رغم أن مسئولي المستشفى حاولوا ستر ما استطاعوا ستره سبيلا، وبعد ذلك ذهب الوزير و كأن شيئا لم يكن، و في الأخير بقي المستشفى كما كان عليه، بل أزداد هذا "الوحش القاهر" سمنة.

أقسام علاج أم مجازر ؟

يتساءل العديد من المواطنين عن كيفية اللجوء إلى هذا المستشفى و الحصول على علاج دون دفع رشوة أو دون الدخول في عراك مع أحد الممرضين او الاطباء او الحراس الخاصين، فهذا أمر أصبح مستحيلا في هذا المستشفى، دخولك الى رواق " المستعجلات المتسخ " يشعرك بالغثيان و أنت تنظر إلى العشرات من المواطنين الدين تم رْميهِمْ من طرف سيارة الإسعاف على الممر، و هم راقدون في دماؤهم، مشهد حقا مهول و مروع، قد تظن أن المدينة تشهد حالة حرب، أما الأطباء هنا غير سعداء ابدا بعملهم هذا، " وإن وجدتهم حقا " تجدهم "مُنرفزين". على باب الطبيب الوحيد الذي يُزعم أنه يكشف و يؤشر على المصاب و المريض تجد ازدحام المواطنين دون أي نظام !، الكل يريد الدخول دون صف او دون انتظار، و الحارس الخاص للبوابة في جدال ، سب وشتم هنا و هناك و في بعض الأحيان يحصل على بعض " الدريهمات " لكي يقوم بإدخال مواطن دفع له مقابل ذلك.

وقفة احتجاجية للأطباء و الممرضين في المدينة

يقول أحد المواطنين و هو يشكوا " لـنا " من المعاناة و من مظاهر تفشي الفساد في هذا المستشفى، أن الأطباء و الممرضين يصرون دائما على احتقار المرضى وخاصة منهم سكان البوادي الدين يتقاطرون من الإقليم و نواحيه على المستشفى من اجل العلاج، حيث يفرض عددًا من هؤلاء الاطباء على المرضى شراء أبسط المستلزمات الطبية و التي يجب أن تكون متوفرة في المستشفى، من إبرة و خيوط عمليات الجراحة، و في الكثير من الأحيان يفرضون على المرضى و عائلاتهم شراء حتى " وجبة الفطور " للأطباء و الممرضين، ناهيك عن طلب المقابل من أجل اعانة المريض..

صيحات في واد

هي مئات التقارير و الصور و الروايات و الأخبار، التي تتحدث عن فضائح بالجملة في مستشفى محمد الخامس بمدينة آسفي ، لقد عانت و تعاني ساكنة آسفي على مر السنوات جراء تردي خدمات هذا المستشفى، و كثرت اللجان التي تُدعي أنها ستحقق في العديد من الاختلالات و في الحالة المزرية التي يتخبط فيها المستشفى، ورفعت أصوات البرلمانين التي ذهبت هَبَاءً مَنْثُورًا و تم تغير العشرات من المسؤولين القائمين على وضعية المستشفى، و استقال العديد منهم، إلا أن وضعية هذا المستشفى كما أريد لها بقيت، و أتفق الجميع بعدما ضاق بهم الحال وهم ينتظرون بآمَلٌ تحسين وضع هذا المستشفى، صرخ المواطنون بمعية الجمعيات الحقوقية و احتجوا مراراً، وفي النهاية الكل تناسى وكأن شيئا لم يقع، و يبدو أنه أصبح في مدينة " السردين " أن تموت في أروقة هذا المستشفى أمراً عادياً بالنسبة لساكنة المدينة، حتى غدا هذا المستشفى وحشاً قاهرا و حِيرَةً لا تنتهي ..

ما سبب ضخامة هذا " الـوحش الـقاهر " ؟

يرى المحللون الاقتصاديون و الخبراء في الميدان، أن سبب فظاعة القطاع الصحي بشكل عام في المغرب يعود لخيار الدولة التي قررت ربط العلاج بالقدرة على الأداء. فالميزانية المخصصة للصحة لا تتجاوز سقف 5 في المائة من الميزانية العامة (أقل من 4 في المائة بالنسبة لسنة 2004)، يخصص أكثر من نصفها لنفقات الموظفين، لتبقى بذلك البنية التحتية في وضعية جمود واهتراء؛ حيث أن عدد الأسِــّرة في المستشفيات العمومية لا يتجاوز 92 سريرا لكل 100.000 شخص (سنة 1998)، ناهيك على النقص المهول في الأدوية والمعدات. أما عدد الأطباء فهو هزيل مقارنة مع البلدان المغاربية: طبيب واحد لكل 2.579 شخصا مقابل طبيب لحوالي 1000 شخص في الجزائر ولـ 1.700 في تونس، دون الحديث عن فرنسا (طبيب لكل 300 شخص). ويبقى التوزيع الجغرافي للأطباء يتسم بالتمركز أساسا في مناطق الشمال الغربي على حساب المناطق الأخرى وخاصة القروية.

و إزاء هذا، يرى الخبراء أن الدولة تواصل سياسة الانسحاب من تقديم الخدمات الصحية العلاجية وتركها للقطاع الخاص وإلغاء مجانيتها كما جاء ذلك في (مرسوم 30 مارس 1999) وتحميل أعبائها أكثر فأكثر للمواطن. وبالأحرى يبدو أنه سعي من أجل جعل قطاع الصحة مجالا للاستثمار تحكمه المنافسة ومنطق الربح، وترتبط فيه الاستفادة من الخدمات الطبية بالقدرة على الأداء، الأمر الذي يتجلى في وضع الدولة (سنة 1998) لخطة شاملة للصحة ترتكز على إلغاء ما تبقى من خدمات عمومية صحية ووضع استراتيجية جديدة لتمويل القطاع وفتح المجال لزيادة دور القطاع الخاص.

على المستوى العمومي للقطاع الصحي إذن يبدو الأمر سواد و على المستوى المحلي فهو أكثر فظاعة مقارنة بباقي المستشفيات في المغرب، فمستشفى محمد الخامس بأسفي تجاوز كل التوقعات بل أصبح هذا المستشفى كارثة وثقل على ساكنة المدينة دون أن تقدم السلطات و المسئولين أية حلول، وحتى الزيارات الملكية المختلفة التي مرت على المدينة لم تهتم يوما بهذا المشكل الذي هو أهم من أي مشروع أخر ، فالإحصائيات الرسمية لاتخفى على أصحاب القرار في البلاد، يمكنهم النظر إلى معدلات ونسب الأمراض المتفشية في أوساط ساكنة أسفي و نواحيها، ومن بين أخطر الأمراض .. السل السرطان الربو هشاشة العظام . و ما تنتجه المصانع الكيماوية ( الفوسفاط ) في المدينة من سموم تنهك صحة المواطنون وتدمر البيئة، و أمام الساكنة مرة أخرى مشروع خطير توقعات إفساده للحياة و البيئة مهولة " مشروع المحطة الحرارية "، فاليوم الأحرى بالساكنة أن تتساءل هل هي أمام وحش ، أم وحوش ؟