يشهد المغرب، في سبتمبر/أيلول المقبل، انتخابات محلية هي الأولى من نوعها في ظل الدستور الجديد الذي تبناه المغرب عام 2011، على إثر الحراك الشعبي الذي عرفته البلاد، بتأثير من رياح الربيع العربي. وعلى الرغم من أن الحملة الانتخابية لن تبدأ إلا في الأسبوع الأخير من شهر أغسطس/آب، إلا أن التسخينات بدأت بين الفرقاء السياسيين، منذرة بحدة التنافس الانتخابي المقبل.
تأخرت هذه الاستحقاقات كثيرا، إذ كان يجب أن تجري مباشرة، بعد تبني المغرب دستوراً جديداً حتى تلائم فصوله، لكنها ظلت تتأجل، سنة بعد أخرى، منذ 2012. وفي كل مرة، كانت تُقدم أسباب مختلفة لتبرير تأجيلها، من قبيل عدم جاهزية القوانين التنظيمية المرتبطة بها، نظراً لارتباطها بالتقسيم الجهوي الجديد الذي صادق عليه البرلمان المغربي، أو فقط لأن الفرقاء السياسيين لم يتفقوا على تاريخ محدد لإجرائها. وحتى بعد أن تم تحديد تاريخ سبتمبر/ أيلول المقبل لتنظيمها، ارتفعت أصوات فرقاء سياسيين تطالب بوقت إضافي. وبسبب هذا التأجيل الذي طال أربع سنوات، ظل المغرب يعيش ببلديات انتخبت ما قبل الحراك الشعبي، وبغرفة ثانية لا دستورية داخل البرلمان، بما أن تركيبتها وسلطاتها واختصاصاتها مازالت تخضع لفصول الدستور القديم الذي حل محله نص جديد.
لذلك، تحمل الانتخابات المحلية المقبلة، في طياتها، عدة رهانات، باعتبارها أول محطة استحقاقات بعد الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب في نوفمبر/تشرين الأول 2011، وقادت، لأول مرة في تاريخ هذا البلد، حزباً إسلاميا هو "العدالة والتنمية" إلى رئاسة الحكومة.
يتعلق الرهان الأول بحجم المشاركة فيها، فقد ساهمت أجواء الحراك الشعبي التي عرفها المغرب عام 2011 في إيجاد حالة استقطاب حادة بين المؤيدين لدستور 2011 والمقاطعين له، مما أدى إلى انحسار نسبة المشاركة تحت عتبة 45%، فيما كانت نسبة المشاركة في الاستفتاء على الدستور قد تجاوزت 72%، بنسبة مؤيدين له تجاوزت 98%. وإذا كان هذا التراجع في حماس المؤيدين للدستور، آنذاك، قد تم تسجيله في أقل من أربعة أشهر، فإن ما تخشاه السلطة والفرقاء السياسيون هو ردة فعل الناخبين، بعد مرور أربع سنوات على تطبيق الدستور الجديد، بما احتسب له من إيجابيات، وما سجل عليه من مؤاخذات، ظهرت جليا في أثناء التطبيق. ومنذ الآن، بدأت بعض مؤشرات المشاركة تلوح، لعل أبرزها تدني عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، مطلع العام الجاري، فلم يتجاوز عددهم مليوناً ونصف مليون مسجل من بين أكثر من 13 مليون مغربي مؤهل للتصويت، مازال 12 مليوناً منهم، على الأقل، غير مسجلين باللوائح الانتخابية. هذا العزوف الكبير عن التسجيل دفع وزارة الداخلية المغربية قبل أسبوع إلى إعادة فتح باب التسجيل من جديد لاستقطاب ناخبين جدد.
تأخرت الاستحقاقات الانتخابية كثيرا، إذ كان يجب أن تجري مباشرة، بعد تبني المغرب دستوراً جديداً حتى تلائم فصوله، لكنها ظلت تتأجل، سنة بعد أخرى، منذ 2012

يتعلق الرهان الثاني بالإشراف السياسي على هذا الاستحقاق، فقبل تحديد موعدها، احتدم النقاش بين الفرقاء السياسيين حول الجهة التي يجب أن تشرف على تنظيمها. ففيما كانت أحزاب تطالب بلجنة مستقلة للإشراف عليها، تمسكت الحكومة وأحزابها باستمرار إشراف وزارة الداخلية على العملية الانتخابية. والخلاف هنا سياسي، أكثر مما هو تقني، يتعلق بنزاهة العملية الاستحقاقية، وبحياد الإدارة التي ما زالت تتحكم في دواليبها الدولة العميقة التي يعبر عنها في المغرب بكلمة "مخزن"، في إشارة إلى السلطة المركزية التي يمثلها القصر.
الرهان الثالث، وهو الأهم، أو هو الجديد في هذه الاستحقاقات، ويتعلق بمراقبة أداء الإسلاميين فيها. فهذا أول اختبار شعبي حقيقي لشعبية الحزب الإسلامي الذي يقود الحكومة منذ أربع سنوات. وهناك مراقبون يعزون تأجيل هذه الاستحقاقات المتكرر منذ أربع سنوات إلى خشية الدولة العميقة، ومعها الأحزاب المحسوبة عليها، من اكتساح كبير لصناديق الاقتراع من أنصار الحزب الإسلامي قائد الحكومة، على غرار ما حصل في استحقاقات 2011، عندما تبوأ الحزب نفسه قائمة الأحزاب المشاركة فيها بفارق كبير وواضح أمام منافسيه.
يتجاوز الرهان الأخير حدود المغرب، لأن مراقبين كثيرين وأنصاراً للتيار الإسلامي خارج المغرب، خصوصا في دول الربيع العربي التي شهدت انتكاسات حكم الإسلاميين فيها، ينتظرون ما سيسفر عنه أول اختبار شعبي لحزب إسلامي مازال يوجد في دواليب السلطة، مع كل ما للتجربة المغربية من حسنات، وما عليها من مؤاخذات.
أما أكبر رهان بالنسبة للاستحقاق الانتخابي المغربي المقبل فهو ما ينتظره منه ثلاثة فرقاء أساسيين. الأول تمثله السلطة مجسدة في الدولة العميقة، وأحزابها التي تسعى إلى الحد من المد الإسلامي داخل مؤسسات الدولة. والثاني يمثله التيار الإسلامي بمختلف اتجاهاته، بما فيه حتى أولئك المقاطعين أو غير المشاركين في اللعبة السياسية، لكنهم سيفرحون لأي انتصار لإخوانهم في السلطة، كما سيتأثرون بأية انتكاسة لهم، خصوصاً إذا كان مصدرها تصويت شعبي. أما الفريق الثالث، فهو حزب الأغلبية الصامتة التي تقاطع كل الاستحقاقات، في انتظار التغيير الذي لا تراه إلا من خلال تغيير جوهري لقواعد اللعبة، ما زالت شروطه الموضوعية لم تنضج بعد.