يبدو أن شهر رمضان المبارك يأبى إلا أن يكشف عن عادات ورواسب تعود إلى العهد المخزني، حين كان المغربي يُخوّف بالقايد وشيخ القبيلة، ويجسدها بشكل جلي في نزاعات المواطنين بشيء من الابتزاز والاستفزاز والمراغمة، لدرجة يصبح الأمر عندهم عاديا بل تترسخ لديهم قناعة مع مرور الأيام مفادها تسويغ الفوضى والعنف والانفلات و تبرير سلوكاتهم بإقحام إسم الملك في الصراع المجتمعي الخفي.

فيكفي ذوي الفضول الفطري التجول في أسواقنا قبيل موعد الإفطار ليكتشفوا عن قرب التمظهرات السوسيولوجية المترسبة في العقول الباطنة، حينما يريد البائع المتجول الدفاع عن ملْكه باستحضار الملك في عبارة "عاش الملك"، عبارة يستخدمها القوي والضعيف، صاحب الحق والمتطاول عليه، حتى ممثلو السلطة في البلاد يستخدمون العبارة لكن بصيغة أخرى؛ "الملك ديالنا كاملين" في محاولة لرد الصاع صاعين، وكبح كل ما من شأنه أن يزج في تهمة المس بالمقدسات التي أصبحت وسيلة لتصفية الحسابات كيفما كان نوعها.
أن تكون في شهر رمضان ملكيا أكثر من الملك في محاولة للاستقواء ومراغمة الأغيار، أمر لا ينسجم مع ما تقتضيه المواطنة الحقيقية بما هي حقوق وواجبات، كما لا أعتقد أن الملك نفسه يرضى بالإقحام المبيت لإسمه في صراعات اعتيادية لتخويف المواطنين وترهيبهم بنص جنائي لا زال محط نقاش سياسي ودستوري... وهنا أذكر أن الأستاذ الصحفي مصطفى العلوي كان قد أصدر في جريدته مقالا حول السلطة السيادية مرفوقا بصورة باهتة للملك الحسن الثاني رحمه الله، لم ترق للمكلف بالمراسيم والتشريفات الملكية فأراد منعها، إلا أن الملك كان له رأي آخر فلم يمنع الجريدة وقال بحنكته ودهائه أن صورته منقوشة في قلوب المغاربة.
إنها إشكالية فعلا حين يتوجه المواطن إلى ملك البلاد أو رئيس الحكومة طالبا منه مساعدته في نيل ترخيص بالبناء أو محتجا على تصرف متظلم لعون سلطة أومسؤول عن شان ما، إنه فعلا مؤشر في غاية الخطورة، حين يفقد المواطن بوصلته ويفقد كامل ثقته في المؤسسات خصوصا هيئة القضاء التي تعتبر صمّام أمان وحارسا أمينا لحقوق المواطنين.
لكن السؤال الأهم هنا يتعلّق بتحديد المسؤول عن هذا العبث الحاصل في فعل المواطن وإجراء المؤسسات، والمتمثل في فقدان الثقة بين الطرفين أو بالأحرى انقضاء الصلاحية بالنسبة لمؤسسات الدولة وإدارتها، خصوصا إذا كانت ظاهرة الاستقواء بالملك تعتمدها الحكومة والمعارضة على حد سواء، وهذه هي الطامة الكبرى.