منصور سلامة

انها الأمانه .. وانها المسؤوليه .. وانها الحقيقه .. وان كانت مؤلمه , لا خير فينا ان لم نقلها ولا خير فيكم ان لم تسمعوها , ولو ان بعض المقربين منكم لا يحب .. بل لا يريد أبدا ان يسمعها .. فضلا عن ان يرى الحقيقه وهو معايش لها , فاني كمواطن فلسطيني وكباحث في الشأن المقدسي ولدت على هذا التراب المقدس ومِثْلي الملايين .. دفعنا من سعادتنا وحياتنا وغربتنا الشيء الكثير لتبقى الكرامه والعزه التي نملكها ولا تنازل عنها مهما كان الثمن , وبرغم الجرح .. برغم الكيد .. برغم الجهل .. برغم الألم .. سيكون الأمل , لنصنع العمل للأرض المقدسه – فلسطين - والمسجد الأقصى المبارك .

انت قلت يا سيادة الرئيس في خطابك الأخير انك لا تريد ان تختم عمرك بخيانه وحتى يكتمل هذا الوصف ينبغي ان يتوافق القول مع العمل .. ولن يمضي هذا دون اعلان فوري وحقيقي يا سيادة الرئيس تخاطب بأمانه الشعب الفلسطيني قبل أن يذهب في حال سبيله لينتهي كل شيء , فقد حُرِمَ الشعب الفلسطيني عبر قرن من الزمن الحقوق جميعها .

حُرمنا من كل شيء ونحن لسنا بقيه باقيه ولا مارقه من هذا التاريخ , فكيف للظلم ان يلتصق بنا ليكون كظلنا وبكل المستويات , فاننا نصبر على كل شيء الا الكرامه المسلوبه .. مدعين اننا نعيش في دوله ذات سياده فعندما زارني مهندس ايطالي واعتلى سطج بيتي في مدينة طولكرم بالضفة الغربيه وقد بدت الاراضي الفلسطينيه بعمقها بل احيانا في الاجواء الصافيه يُرى البحر الابيض المتوسط من شرفه منزلي , قال لي باللغه الانكليزيه هذه اسرائيل واضحه جيدا من هنا , فقلت له مه يا هذا انها الارض المقدسه فلسطين التي احتُلَّتْ عام 1948 وهي الحق المسلوب برغم الوثائق والصكوك التي ما زالت بحوزتنا حيث تركها والدي رحمه الله بعد ما تركها له جدي لنشاهدها صباح مساء واشاهد المقبرة التي دفنت بها اجساد اجدادي , فقال وبعفويه تامه تستطيع ان تطالب بها عبر محكمة العدل الدوليه والاتحاد الاوروبي والذي يقوم بالاشراف على عملية السلام والتي لم تتوقف حتى كتابة هذه السطور .. ليقول لي مؤكدا وبقناعة تامه ( The Peace Process is still Running) , فجلب لنا هذا الاتهام والذي أسموه مفاوضات السلام ليدفع ويكرس تجاهل العالم أجمع ونحن نبرر له وبكل قوه حينما نقر بسير هذه العمليه الظالمه والضياع الذي جلبته لنا وللارض المقدسه.

فالظلم أصبح رافضا البقاء , ونحن نُدْفَع دفعا نحوه وكأننا مطالبون بالبحث عنه , فلا نامت أعين الأذلاء والجبن منه نحن براء .. فماذا نقول لأجيالنا القادمه وكيف نخاطب أبناءنا , وماذا نترك لأحفادنا !!! , والله اني خَجِلٌ مما يجري , ووصمة العار تطارد فينا الأوصياء بحق أو بغير ولو ابتعدوا أو أُبعدوا قبل الاوفياء وان خُذِلوا , والمذلة أصبحت هدفا مطالب بها كل من يعيش على الارض المقدسه , اي ذل بعد هذا !!!! , اي حالٍ حَلَّ بنا , وعشرون عاما بل يزيد , مارس المحتل الصهيوني على شعبنا الفلسطيني كل أنواع الأسر فنحن في سجن كبير .. بل صغير أحيانا .. يصغر حينما يريد الاحتلال ويكبر رغما عنه وبالزمن .

ماذا أقول لجدي الذي ترك الأرض وهو ممسك بوثائقها وصكوكها وعاش حقائقها ولم يعتقد أبدا ان يكون هناك من أبنائه أو أحفاده من يتنازل عن متر واحد منها ... أو يفاوض عنه , فقد رحل ولم ير كامب ديفيد الأولى ولا الثانيه وبقي عند اللاآت الثلاث وعند صوت العرب الذي صدح بكل أنواع الكذب , ماذا أقول لوالدي رحمه الله ووالدتي والتي كانت قد ملكت صكا رحمها الله ووثقيه تاريخيه نادره قلما توجد عند أحد مثلها , حيث اشترت قطعه كبيره من الأرض قبل عام 1948 والبائع هو يهودي والمشتريه عربيه مسلمه ولدي الصك حيث عرضته وتحدثت عنه من على قنوات فضائيه عده .

أين العزه التي ابتدأناها بمسيرة الشجعان واين سلام الشجعان , فاني لا ارى سلاما ولا ارى شجعان والسلام بمعيار الكيان هو سلام الذل والخنوع , لنعيش بين مطرقة الصهيونيه وسنديانة السجان .. وانتهكنا حرمات شعبنا تارة بايدينا وتارة بايدي عدونا وكلاهما بقرارنا الذي ملكناه باتجاه واحد ليصبح خيارا استراتيجيا نحو الهاويه .

ما الذي حل بنا لنسمع أوصافا هنا وهناك , ومن تنسيق أمني آذانا في كل أرض , فعندما ذهبت بزيارتي الى الكثير من عالمنا العربي وفي جامعاته سمعت ما لا يطيقه الانسان من وصف للضفة ومسؤوليتها عن ضياع الأرض المقدسه بمفاوضات تائهه كما وصفها بيرس ذات مره وضياع العرب بمبادرتهم المذله , أي اهانة لحقت بنا , وهذه الجبال الشماء في الأرض المقدسه تنحر وتقطع رؤوسها أمامنا لترفع أعمدة المغتصبات وما زلنا نطالب بتجميد او توقيف على استحياء , والتجميد هنا يعني وبكل تأكيد (اقرار ما مضى) بل مباركته وقبوله ونضع الشروط لنعتبرها ثوابت واذا بالثوابت متغيره والمبادى مبعثرة والحقوق مهمشه والأجسام مهشمه والأفعال مقطعه والعقول حائرة مغيبه , والقلوب بالحزن مفعمه ما بين ضائعة أومُضَيَّعه , أي حال حل بنا !!!!!

ليؤكد الاحتلال دائما انه المستفيد الوحيد من التنسيق الأمني , وأثبته في كل المواقف وتقاريره اشارت الى هذا بالتفصيل من خلال مراكز الدراسات لديه واخرها مركز ابحاث الامن القومي لاسرائيل وما حدث بالنسبه لما اسماه العقوبات الاخيره بايقاف اموال الضرائب المقتطعه من عيشنا , لتكن فاتورة الاحتلال رخيصه وتقترب من الصفر بل صفرا على كل المستويات ليوقف وينبذ لنا كل شيء إلا ما يريده بل يفيده بحق !!!!

في نكبة 1948 أضاعت الأمه قاطبة ما يزيد عن 78% من فلسطين وبقي لنا 22% وبقي العالم العربي يعد الجيوش ويقهر الشعوب لاسترجاع فلسطين 1948 وبعدها ب 19 عاما نخوض حربا لسنا طرفا فيها لنفقد كل فلسطين في عام 1967 لنعود ونطالب بجزء يسير, وتدور العجله ليقول قادة العرب كلماتهم الثلاث في هذه النكسة وبالإجماع ( لا صلح .. لا مفوضات .. لا اعتراف ) , ليصبح كل لاآتنا نعم , واخجلاه يا أمة المليار ونصف المليار لا تستطيعون رد الأرض المقدسه , بكل هذه السنين وتُدفعون باتجاه التنازل تلو التنازل وتباركون الضياع لتتم المبادره العربيه للسلام وتصبح الشماعه الاساسيه لكل واجبكم نحو الأرض المقدسه .

قالوا قديما ارجع خطوه للوراء من أجل ان تتقدم خطوات , وأقول لنرجع ألف خطوه خير من أن نتقدم خطوه واحده بالاتجاه الخطأ , وما أكثر الخطوات الخطأ , فقد بات الفلسطيني داخل الأرض لا يملك حتى حرية الانتقال وتجاوز الحد بالكيان المحتل ان يُقَطِّع أوصال الأرض ويضيع المدن والقرى والبلدات بدهاليز وطرق إلتفافيه لا تكاد ان تقرأ لافته باللغه العربيه وفي عمق ضفتنا الغربيه ذات الجبال المقدسه والممتده على ربوع الوطن الجميل متصلة بربوة القدس وصخرة بيت المقدس ليمنع قهرا وظلما ما يزيد عن أربعة ملايين فلسطيني من دخول القدس فضلا عن الصلاة في المسجد الأقصى المبارك , وليعد الاحتلال الى الضفه الغربيه بوجهه الاجرامي البشع , غير مرحب فيه أبدا .. خير من أن يكون الظلم بوجوه متعدده ويدخل الاحتلال بأوجه مجمله , فالمشوار طويل لكنه واضح كان وما زال , لا نتيجه ولا انجاز مع هذا الاحتلال .

ولو كان اتفاق اوسلو اتفاق سلام حقيقي بين الفلسطينيين والصهاينه لكان مثبت فيه واولى الأولويات هو ( تحرير الأسرى وتبييض السجون , كل السجون وكل الاسرى )
فمن إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي المرحلي بتاريخ 1993-9-13
ويليه ( اتفاق غزة أريحا ) وتبادل الرسائل بين منظمة التحرير الفلسطينيه ودولة الكيان الصهيوني بتاريخ 1994-5-4 ثم الاتفاقية الفلسطينيه الصهيونيه المؤقته بتاريخ 1995-9-28 بشأن الضفه الغربيه وقطاع غزه , الى البرتوكول المتعلق باعادة الانتشار بالخليل بتاريخ 1997-1-17 ثم يليه اتفاق واي ريفر بتاريخ 1998-10-23 فاتفاق شرم الشيخ بتاريخ 1999-9-4 لتتوه الأوراق وتختلط كثيرا ويتغير الميثاق الفلسطيني , ويتغير الفهم لمعادلة الأرض المقدسه .

لِيَجُرّوا الفلسطينيين جَراً الى كامب ديفيد ويرفض التوقيع ابا عمار رحمه الله ليأـتي الرد عاجلا من الكيان ويدخل شارون الهالك الى المسجد الاقصى المبارك لتندلع الانتفاضة الثانيه والتي عرفت فيما بعد بانتفاضة الاقصى , ما جعلهم يبيتون النوايا لقتل شريكهم الأول بعملية السلام ابو عمار رحمه الله والذي نحسبه شهيدا عند الله ولم يحاسب على قتله احد حتى الان والجريمه ماثله امامنا بل لم يتم التحقيق بها تحقيقا دوليا أمميا يليق بحجم قائد مثل ابو عمار رحمه الله .

ويصبح أقصى أمنياتنا رضاء الاحتلال بل إرضاءه , ونستجديه لمفاوضات عبثيه جلبت لنا أوهام بل أضغاث أحلام وتصبح الحياة كلها مفاوضات كما كتب الكبير , بل روابط القرى كانت أقل سوء مما وصلنا اليه على الأرض .
ويبقي الأقصى حزينا وأعتقد جازما أن حزن الأقصى ليس من الصهاينه فحسب , بل حزنه منا وعلينا وعلى حالنا الذي لا يسر صديق ولا عدو .
وحينما بدأت جولات كيري وزير خارجية امريكا 2013 - 2014 لتكشف لنا خطته اللقيطه كما اسميتها في مقال لي سابق , والتي تمخضت بتأسيس الممر بين غزه والضفه من خلال قطار للبضائع والركاب بين غزه ومدينة الخليل , ليكون طلب التعديل حينها بتحويل المسار بين غزه ورام الله , وأقول هنا ماذا لو كان الطلب اضافه لا تعديل لتأسيس ممرين آمنين اضافيين ليصبح بين غزه ورام الله وغزه والخليل وغزه وشمال الضفه الغربيه بل نحتاج لقطارات سريعه بين الخليل ورام الله ونابلس وطولكرم وجنين وقلقيليه وطوباس وسلفيت وبيت لحم وكافة مدن الضفه الغربيه .

توقعت يا سيادة الرئيس ان تصبح الشروط لدى المفاوض الفلسطيني أكبر وأشد بعد تجاربهم التي زادت عن خُمْسِ قرن من الزمن وفق خمسة محاور:
أولا : الخروج من كافة المستوطنات دون حوار أو نقاش .
ثانيا : وتحرير الاسرى جميعهم بتبييض السجون , ولو ان معظم الصهاينه يرى ان هناك من الاسرى من تلطخت اياديهم بالدماء فماذا نقول عمن تلطخت ايديهم بالدماء أيضا من الجيش الصهيوني بقتل اطفالنا وحرائرنا وشبابنا وشيوخنا , فلنحاكمهم جميعا لانهم قتله ومجرمون حقا.
ثالثا : لا يتم اعتقال اي فلسطيني في قادم الايام طيلة فترة المفاوضات .
رابعا : الزام الاحتلال بالسماح لكل الفلسطينيين بدخول القدس والمسجد الأقصى .
خامسا : الحدود والمعابر بحريه تامه للفلسطينيين ان طلبوا تأجيل بحثها لريثما يتم الاتفاق أو بحثها مباشره .
فقد تجاوزت غزةَ ذلك بقوة الاراده اما الضفة الغربيه فبقيت السجن الحقيقي , فعلا اننا في هذا الموقف نفتقد المفاوض الصلب الذي يؤمن بقضيته ويؤمن بمبادئه .

كل هذا ينبغي ان يتم وفق استفتاء حقيقي للشعب الفلسطيني ليدرك حقيقة ما يجري وليقل كلمته وليصدح بها بحق في اي حوار او مفاوضات من قبل ومن بعد .

واسمح لي يا سيادة الرئيس ان نقف سويا عند الحقيقه , ولنخرج من هذا النفق الذي سمي نفق المفاوضات لتخاطب الشعب الفلسطيني بكافة أطيافه والوانه وتعلن الخروج تماما من دائرة المفاوضات المذله والظلم الذي يمارس علينا بقصد أو بغير , ذاكرا وكاشفا لكل أنواع الضغوط التي أشرت , لأن شعبك ان صدقته يصدقك , وان أضعته سيتجاوزك .

والانسحاب من السلطه لا يتم ابدا من خلال تنسيق مع الاحتلال او تسليم شيء للكيان فالشعب اكبر من السلطه واكبر من الاحتلال وردا على كل من يتخوف على مكتسبات هذا الشعب , وما نسميه استحقاقاته لتصبح مصطلحات ممجوجه , حتى بتنا نمقت الكلمات والعبارات التي تتبعها , لنقول اننا هنا باقون منغرسون في الارض , وما أشبه الليله بالبارحه حيث ابتعدت نصف قرن حين نادى الرسميون العرب باللاآت الثلاث وها هم الصهاينه يطلقون اللاآت الثلاث وبطريقتهم ( لا قدس ولا حدود ولا عودة اللاجئين ) ليكون كل أدرى بلاآته .

ولتعلن يا سيادة الرئيس فك الارتباط الحقيقي عن اتفاق أوسلو , معتقدا ومؤكدا ان هناك ثمة فرق حقيقي بين المفاوضات وبين اتفاق أوسلو , فالخروج من اتفاق أوسلو لا يعني الخروج من دائرة المفاوضات وان كانت مطلوبه بالفعل , والخروج منهما مطلب حقيقي شعبي والتلازم أولى من التسلسل فيهما , الى ان يشأ الله قدرا آخر مع هذا الاحتلال , ذلك اذا ما علمنا ان الطرف الصهيوني بنفسه قد انفك وانفلت منه بتصريح قياداته وافعال جنوده لما يزيد عن 15 عاما , حرصا على هذا الشعب الفلسطيني البطل الذي صمد وصبر , وكل من يريد أن يحمل هذه المسؤوليه والأمانه فاما يصبر أو يرحل !!!! والرحيل هنا ثلاث .. فرحيل عن موقع القرار .. ورحيل عن المكان .. ورحيل عن الزمان .. بنوعيه القسري أو الطوعي !!! وأي رد من ردود أفعال الصهاينه على هذه الخطوه لن يكون أسوء أبدا مما نحن فيه , ان لم يكن هُمُ الباحثون بل اللاهثون وراء المفاوضات , حيث هم وحدهم المستفيدون .

وان كتب التاريخ يوما فلن يجد أكثر عمقا من هذا النفق ولن يجد أكثر سطحية منه ومن هذا العمق , فعمقه عمق الدهاليز وسطحيته تكرار , فسؤال , فغياب ليكون الضياع ثم الفوضى , والفوضى الخلاطه والتي هي اشد مما قصدته امريكا ووزيرة خارجيتها رايس .

ولتكن صفحه جديده في ملف الأرض المقدسه , وليكتب بها الشرفاء من شباب وشابات فلسطين أوائل السطور بثلاثية ( الدم والدمع والعرق ) ليبقى الملف مفتوحا ..... ولنعد جميعا لاستفتاء حقيقي للشعب الفلسطيني بكل مفترق , فهو مصدر السلطات على الارض لا على الورق .
لذا إن من يملك القرار لا يعرف ومن يعرف لا يملك القرار . وددت أن يعرف كل من في الأرض أن هناك شعب يستحق الحياة .