أساتذتي زملائي زميلاتي
إن هذا اليوم من تاريخ القضاء المغربي يعد منعطفا حاسما في درب استقلالية السلطة القضائية عن السياسي ،الذي حاول يائسا قمع الآراء الحرة لمجرد الاختلاف حول سؤال الإصلاح ،ونصب نفسه عدوا لكل قضاة الرأي الشرفاء ولكل العاملين في حقل العدالة ،وخصما وحكما في محاكمات القضاة التأديبية المسرحية التي لم يشهد لها مثيل في التاريخ في الانتقام والتنكيل بهم وقطع أرزاقهم بغية إسكات وإخراس باقي القضاة عن الدفاع عن حق المواطن في قضاء مستقل ومحايد الذي أضحى رغبة كل المواطنين للتصالح مع قضائهم وتفعيل دستورهم في باب استقلال السلطة القضائية .

إن رسالة إلغاء استقلال السلطة القضائية وتثبيت أركان هيمنة وزارة العدل والتأسيس لقضاء سياسي وحزبي ، لن يكتب لها النجاح بإعدام قاض حر ومستقل ،لأن الأفكار والمبادئ لا تموت بل يموت الجلاد والظلم وفكر الإلغاء،ستبقى أحكامنا ومواقفنا المضيئة منارة للأجيال القانونية والحقوقية ،غير قابلة للمحو،لأنها وطنية وصادرة عن غيرة وضمير واستقلالية ،لم تبالي بالضغوط ولا بالتهديدات ولا بالحرمان من الترقية ولا بالقرارات التأديبية المنحرفة التي زكت الفساد وحاربت الرأي الحر .
الحمد لله أن استقلال القضاء لم يعد قضية القضاة ولا قضية القاضي الهيني بل صار مطلبا مجتمعيا غير قابل للتنازل أو التفاوض ،لأن المواطن لن يتنازل عن حاجاته الطبيعية للعدالة والقضاء القوي الذي ينزل حكم القانون على الكافة ،لأن الظلم زائل كزوال المناصب والحق ثابت ومنتصر على رمادية وقتامة الظلم والجهل ،الذي يريد تكريس تبعية القضاة للوزارة كموظفين والمحاكم كمصالح خارجية للوزارة والمجلس الأعلى للقضاء كلجنة من لجنها .
لقد دافعت باستماتة عن مواقفي واستقلاليتي ،رغم سياط الجهل والظلم ،وحملت أفكار ورسائل التغيير لفائدة الوطن والمواطن ،يكفيني فخرا حب المحيط القضائي والمهني والحقوقي وكل التيارات المدنية لي ،لأنني كنت أحسب نفسي قاضيا مواطنا أستمع لأنين المظلوم وأفك عذابات وثغرات القانون والمساطر وشكلياتها المقيتة العاصفة للحق،ولا أنظر إلا للحق والعدالة، وأحكم بضميري والقانون العادل، مدافعا عن الحقوق والحريات ،غير عابئ بمخاطر التمسك بالاستقلالية، و بأدعياء الأخلاق والقانون ،ولا بالظواهر الصوتية التي حرفت المعنى الحقيقي للقاضي وارادت جعله أجيرا وموظفا لديها،لانه أزعجها تنامي تيار القضاء المستقل.
لقد كنت يقينا أعلم أن طريق الاستقلالية شاق وصعب وأنه مليء بالأشواك ،لسيطرة العقليات اللاهوتية الحاقدة التي تعتبر نفسها الحقيقة وكل من خالفها فهو متآمر ويركب أمواج السياسة ،لكني اخترت طريقي مؤمنا بأن الساكت عن الحق شيطان أخرس ،وأنه من الحق أن يقال للشيطان أنك شيطان ،لأن قضاء الوطن أقوى وأبقى واجدر بالاتباع ،لئن يعزل الهيني ،ففكره سيبقى مخلدا وسيتبعهم أينما حلوا وارتحلوا ،سيطاردهم حتى في نومهم وسكرات عزلهم .
إننا ننظر لمستقبل القضاء بالخير رغم الصعاب لوجود قضاة شرفاء من نادي قضاة المغرب ،الهينيون الجدد،الذي ناضلوا باستمالة وظلوا لأكثر من اربع سنوات، وهم يقولون كلمة رجل واحد،"مشاريع "السلطة القضائية "غير دستورية وستبقى غير دستورية ،لأن واضعها ومضمونها ليس لهما فكر دستوري وخارج التاريخ الحقوقي والديمقراطي للدولة،ومكتسباتها في مجال الحقوق والحريات ،فهي تغتال حلم المغاربة بالقضاء المستقل ،وتكرس تبعيته للإدارة ،لأنها تخشى على نفسها من تبعات ظلمها وتحقيرها للدستور والقانون والقضاء ،فسيادة القانون مرتكز أساسي لدولة الحق والقانون ،والقاضي المكبل لا يحمي حقوقا ولا يصون حريات ،لان فاقد الشيء لا يعطيه .
وأعدكم أنني سأظل صوت القضاة والحقوقيين مستمرا في النضال من أجل سلطة قضائية حقيقية وفعلية لا مكان فيها للسياسي وجبروته ،لأن الوطن وطننا جميعا ،ولن نقبل غير هذا اليوم أو غدا، وسنضحي بالغال والنفيس لمناهضة التيار التأسيسي للقضاء السياسي والحزبي على هوى ومقاس الرميد المعزول.
أشكر الجميع وأشد على أيدكم بحرارة،لأنكم أثبتم للقاصي والداني أن القاضي ملك للوطن والمواطنين ،وأن حماية استقلاله وحرية تعبيره من ركائز دولة الحق والقانون،ومن متطلبات القضاء المواطن ،لاسيما وأن تكريس الثقة في القضاء تتم من خلال مصالحته مع المجتمع كما يتم اليوم ،لأن القضاء للوطن ،والوطن للجميع،وعاشت السلطة القضائية مستقلة .