في وقت كان فيه الرأي العام يترقب، على الأقل، وكأضعف الإيمان، تغيير المقرر في ملف القاضي محمد الهيني، بعد أن جرَّح فيه الأخير، استنادا إلى "خصومة" تابثة بينهما بمقتضى حكم قضائي، أدان بموجبه المتهم الهيني المقرر في ملفه حسن مطار، الوكيل العام باستئنافية الدار البيضاء، حين كان المُدان وكيلا للملك بابتدائية نفس المدينة، فيما كان الحاكم عليه قاضيا بإدارية الرباط، فوجئ الرأي العام بتحديد وزير العدل والحريات مصطفى الرميد ليوم 18 يناير الجاري كتاريخ لمحاكمة القاضي الهيني.

مجرد تحديد جلسة محاكمة القاضي الهيني  أمام "المجلس الأعلى للقضاء" يوم 18 يناير الجاري، يعد إعتداءً سافرا على الملك نفسه،  أولا بالنظر  لخطابه الوردي والتاريخي ليوم التاسع من مارس من سنة 2011، والذي كتب عنه الزميل رشيد نيني، أياما قليلة قبل اعتقاله وسجنه لمدة سنة،  مقالة تحت عنوان "محمد الثائر"، فيما كتب الزميل بوعشرين على صدر الصفحة الأولى من جريدته في ورق صقيل "الملك أسقط النظام"،  وكذا بالنظر لمهمته (الملك) بمقتضى الفصل 42 من الدستور كساهر على احترام هذه الوثيقة السامية، التي اعتدت عليها مسطرة المتابعة لحدود الساعة ضد القاضي الهيني، بشكل لم يحدث حتى قبل أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، حين كانت شريعة "حمو رابي" أو قانون "الألواح الإثنى عشر" يجيز للمتهمين الإطلاع على الشكاية المقدمة ضدهم ومعرفة هوية المشتكين بهم، دون أن نغفل أن تحديد تاريخ هذه الجلسة هو اعتداء أيضا على  إرداة الشعب المُعبر عنها يوم فتاح يوليوز من سنة 2011.

ألهذه الدرجة وصلت الرعونة الحكومية والعبث بالقانون والدستور وحقوق المواطنين، في هذه البلاد السعيدة، حتى يُحيل وزيرها في العدل قاضيا على المجلس الأعلى للقضاء، دون مراعاة لأي حق من حقوقه المكفولة دستوريا، سواء عند حرمانه من حق الإطلاع على الشكاية وهوية المشتكين به، أو عند حرمانه من حق مؤازرته في الدفاع أمام المقرر، أو عندما أجهِض حقه في أجل الإستدعاء أمام المقرر، كما اجهض حقه في الحصول على وثائق الملف داخل أجل 15 يوما، بل وتفيد واقعة طريفة أن المقرر مكنه  في الساعة العاشرة صباحا من استدعاء داخل محكمة القنيطرة للمثول أمامه عند الساعة التاسعة صباحا من نفس اليوم داخل محكمة الإستئناف في الدار البيضاء، علما أن مغتصبي الأطفال وعتاة الإجرام يعلمون بالجهة المشتكية بهم ولهم حق مؤازرتهم بدفاعهم، بل والأخطر والأفظع أن هذا المقرر سبق وأن أدانه القاضي الهيني حين كان الاخير قاضيا في المحكمة الإدارية في الرباط فكيف يكون خصما وحكما في نفس الوقت؟ يالله يا الله انشر رحمتك.

ملك البلاد المحترم،

القاصي والداني يعلم أن الرميد لا يستطيع تغيير جواربه دون علم أجهزتكم، وبالتالي علم مستشاريكم، فبالأحرى أن يتعسف على أحد نوابكم وممثلكم الذي يحكم باسمكم، دون علم هذه الاجهزة، وبالتالي علم مستشاريكم، ولنا فيما صرح به السلفي محمد الفيزازي لهذا الموقع، قبل شهور، على هامش حوار أجراه معه "بديل" داخل بيته في طنجة، لخير دليل، على أن مستشاريكم يتابعون كل ما تكتبه الصحافة وينشر على الصفحات الخاصة للفاعلين في البلد، حين كشف الفيزازي على  أن صلاته بكم جاءت تبعا لتدوينة على صفحته الخاصة، عبر فيها عن حلمه بأن يؤمكم في الصلاة، فاستجبتم له، بما يفيد أن أجهزتكم الموقرة تطلعكم على ما يدور في بلادكم، وتنقل لكم أماني وطلبات شعبكم ونخبته. ومن تم السؤال الجوهري والمحير، كيف تأتى  للرميد أن يواصل  تعسفاته على الدستور الذي كلفكم الشعب بالسهر على احترامه دون مراعاة لما يمكن أن يثير ذلك حفيظتكم، خاصة وأن جزءً كبيرا من سياستكم بُنِي على أساس ما بات يعرف بـ "غضبة ملكية"، ظل الشعب يطالعها عبر الصحف بين الفينة والأخرى، بسبب أداء  سلبي لمسؤول ما في البلد؟

ملك البلاد المحترم،

لقد ظل بعض المنافقين يروجون بين الشعب طيلة ولايتكم على رأس المملكة المغربية، أن "الملك زوين واللي دايرين بيه خايبين" ونحن لا نشك في طيبوتكم وصدق نيتكم في إصلاح البلد، كما لا نُهون من تحديات الإصلاح وإكراهاته، ونعرف أن هناك أكثر من شبكة تعارض إصلاح البلد، وقد تجدونها تعارضكم، بطريقة أو بأخرى، لكن مع ذلك تبقون أيها الملك المحترم مسؤولون عن اختيار من يشتغلون إلى جانبكم، وبالتالي مسؤولون عن  كل صغيرة وكبيرة تقع في البلد، استنادا إلى قول الخليفة عمر بن الخطاب "لو عثرت دابة في العراق لسُئل عنها عمر"، وكذا استنادا إلى قول الخليفة أبي بكر الصديق، بعد ان اعتلى منبرا، عقب وفاة الرسول فقال: "يا قوم إني قد وُليت عليكم.. ولست بأحسنكم.. فإن أحسنت فإعينوني وإن أسأت فقوموني".

ملك البلاد المحترم،

إن ما يفعله وزيركم في العدل والحريات في حق حقوقيين وقضاة الرأي، وضعفه غير المفهوم أمام قضاة متهمين بالفساد وتلقي رشاوى والحكم عبر هواتفهم، مؤخرا، خاصة بتحقيقه في تدوينة نقيب وتقديمه شكاية لدى جهاز يرأسه بنفسه! للبحث مع كاتب هذه السطور، حول مجرد مقال يتحدث عن تعويضاته  عن تنقلاته في إطار مهامه الوزارية، لدليل قاطع على أن هذا الوزير يغرق داخل بئر عميق، بل وعربون كاف على أنه أصيب بحالة هيستيرية شديدة، أفقدته الصواب، وجعلته يتعسف على القانون والدستور، دون اعتبار لأي أحد بما فيه مقامكم المحترم، بعد أن هزته انتقادات القاضي الهيني لمشاريعه، التي لا علاقة لها بالدستور المغربي، الأمر الذي يجعلكم أيها الملك، بمقتضى الفصل 42 من الدستور، مطالبين بالتدخل في أقرب الآجال، خاصة وأن "المجازر"  القضائية على عهد هذه الحكومة، كثُرت بشكل مخيف، ولنا فيما تعرض له قضاة الرأي ونشطاء حقوقيون ورجال أعمال، كذلك المستثمر في مدينة طنجة، الذي رفض الرميد تنفيذ حكم عادل لفائدته أصدره القاضي الهيني، إضافة إلى تزوير بعض الشهادات والاحكام الصادرة باسمكم، مع تحريف الوقائع ضدنا في محكمة مكناس وإدانتنا ظلما وعدوانا، في الدار البيضاء، في انتقائية مكشوفة وفظيعة، بواسطة حكم صدر باسمكم، رغم أنكم قلتم "المغاربة عندي سواسية".

ملك البلاد المحترم،

بات الشعب يدرك جيدا سياسة تنهجها جهات نافذة في البلد حين تقف عاجزة أمام حق من الحقوق الواضحة؛ حيث تتمادى في غيها غير عابئة بتلك الحقائق الساطعة كنور الشمس، في محاولة منها، إما لترهيب الرأي العام بأن لا حق سوى حقنا، وبالتالي زرع اليأس في الهمم النضالية، وإما لزرع الشك في نفوس المطلعين على هذه الحقائق، بما يفقدها شرعيتها، وإما بالرهان على ذاكرة الشعب المثقوبة، بكونه سينسى جرح الهيني كما نسي جرح قنديل وجرح فتحي وغيرها من الجروح التي أصيب بها جسم الوطن خلال سنوات الرصاص وسنة 2003 باعتراف الملك نفسه، حين تحدث لوسيلة إعلام إسبانية  عن وقوع تجاوزات بعد أحداث 16 ماي، دون أن يجري فصل في هذه التجاوزات لحد الساعة.

ملك البلاد المحترم،

منذ إعتلائكم عرش أسلافكم، رحمة الله عليهم أجمعين، وأنتم تعلنون في خطبكم، خاصة في المناسبات الوطنية، عن نواياكم الطيبة في إصلاح البلد وتحقيق العدالة للمواطنين، لكن مع كامل الأسف، نؤكد لكم استحالة إصلاح الوطن وتحقيق العدالة للمواطن، أمام عزل خيرة قضاته، وفقا لمساطر،  تضرب عرض الحائط كل مضامين خطبكم ومقتضيات الدستور، الذي صوت عليه الشعب المغربي يوم فاتح يوليوز. نعم أيها الملك المحترم، لا يمكن لقاضٍ مرعوب ومهضوم في أبسط حقوقه أن يضمن لنا حقوقنا وينصفنا في أحكامه، وللمغاربة مثل بليغ في هذا السياق حين قالوا "كون كان الخوخ يداوي كون داوا راسو" وتقول العرب "فاقد الشيء لا يعطيه".

ملك البلاد المحترم،

إن عزل القاضي الهيني لن يقتله، ولن يضوره جوعا بإذن الله، فقـد رزق الله الطير في السماء والحوت فى البحر،  كما أن هذا العزل لن يُدخله جهنم أو سيحرمه حب الشعب وتعاطفه معه، ولا هو سيغير قناعة الشعب التي ترسخت بكون متابعة هذا القاضي مجرد متابعة، أكبر مستفيد منها في آخر المطاف هم أصحاب المصالح الكبرى ولوبيات الريع، المسّاكون فعلا بزمام الأمور من وراء ستار، والحمد لله فللرجل اليوم مكانة بين الشعب نرجو الله أن تكون من نصيبنا أيضا، ولكن عزله مع كامل الأسف يا ملك البلاد المحترم، سيغبن شعبا أكدتم في أكثر من خطاب على أنكم خادمه، بل والأخطر قد يفقد هذا العزل ما تبقى من ثقة في نظام حكمكم، فنرجو الله أن لا تجعلونا نفقد هذه الثقة بعد أن عقدنا الأمل فيكم لإنقاذ ما يمكن إنقاده قبل فوات الأوان؛

ملك البلاد المحترم،

لقد بلغ إلى علمنا عن طريق قضاة بأنه داخل ديوان وزير العدل تروج أخبار مفادها أن الرميد  راسلكم بشأن بعض قضاة الرأي وبأنكم أجبتموه "طبقوا القانون"، وهو ما قد يفهم منه، إن صحت هذه الإشاعة طبعا، موافقتكم على خرق الدستور والقانون ضد بعض قضاة الرأي، وقد حسبنا أن الأمر مجرد مناورة من الرميد لتجنب أي غضب شعبي ضده بسبب هذه القضية، ونرجو الله أن لا تكون هذه الواقعة صحيحة، أو يخرج بيان عن ديوانكم لتكذيبها.

بكلمة،  يا ملك البلاد المحترم،

لقد وصل السيل الزبى، وبتنا نفكر في طرْق أقرب باب سفارة أجنبية للخروج من هذا البلد الحبيب، بعد أن ضقنا ذرعا بظلم هذه الحكومة للمواطنين والحقوقيين والأستاذة المتدربين والرسميين والاطر المعطلة وقضاة الرأي والصحفيين وكل شرائح المجتمع، بل وتأكدنا بما لا يدع مجالا للشك بأنها مجرد حكومة نصابة لا يفكر وزراؤها -إلا من رحم ربي- سوى في أبنائهم وتسمين أرصدتهم البنكية، فارحمنا يا ملك البلاد يرحمك الله ومعك يرحم جميع افراد أسرتك وعائلتك وأباءك وأجدادك الميامين.