سيدي الرئيس، اسمحلي أن أقف معك على تصريحاتك الأخيرة بخصوص الفلاسفة والأدباء والقضاة، والتي جاء فيها بأن البلد لن يحتاج سوى للحد الأدنى من هؤلاء في المستقبل؛ رغم أن عبارة الحد الأدنى لا تستقيم هنا وليس سياقها، لكن قد أعذرك، لأنك تعودت على نهج سياسة الحد الأدنى في كل شيء، مثلا: الحد الأدنى في العيش للمواطنين، والحد الأدنى في الأجور للعاملين والحد الأدنى للوظائف لأبناء هذا الوطن، ... لكن نتمنى أن تسري عليكم هذه القاعدة، ونسمع منكم الحد الأدنى من التصريحات التي تستند إلى أهوائكم وأهواء أصحابها في الصناديق الممولة لكم، ولغيركم من الحكام الفاشلين وضيقي الأفق ...
سيدي الرئيس إسمحلي أن أقف عند نقطة الفلاسفة، لأنني متخصص في المجال، وأترك الحديث للأدباء والقضاة عن مجالاتهم، من باب الأمانة العلمية، والأخلاقية، والحديث فيما نعلم وندرك، وليس مثل سعادتكم، الذي لا يتورع في إطلاق الأحكام التي تُبين بالملموس عامية وسطحية صاحبها.
أول:ا هذه التصريحات ليست وليدة اليوم، بل هي سياسة مقصودة منذ عقود، وهي سياسة ترنُو في نهاية المطاف إلى خلق أجيال منبطحة، ومدجنة، لا تعرف سوى منطق الأوامر والإستهلاك. وهذا ما يتنافى مع منطق الدولة الحديثة، التي تعتمد على شعب يقظ وواعي: أي شعب يمتلك عقلية نقدية تُمكنه من إخضاع كل الأشياء إلى محك الشك والنقد والمساءلة، حتى لا يسهل استقطابه من طرف الجماعات الإرهابية وإغراءات السوق الإستهلاكية وبعض الخرافات التي تستيقظ بين الفينة والأخرى في التاريخ؛ وحتى يتوجه إلى صناعة المستقبل في كافة المجالات سواء الفكرية أو الروحية أو التقنية ...
سيدي الرئيس لقد أعطيتم مثالا أثناء كلمتكم، بألمانيا، لأن هذا الأخيرة مِثال للتقدم والإنتاج الوفير للتكنولوجيا، لكن سكتم أو تجهلون الأسباب النظرية وراء هذا التقدم التقني، أو الإنتاج الموازي في المجالات الفلسفية والفكرية في هذا البلد. ألا تعلمون بأن الفلسفة المعاصرة لألمانيا حصة الأسد فيها ؟ ألا تعلمون بأن أغلب المخطوطات العربية التي أنتجها فلاسفة مسلمون في القرون الوسطى، محفوظة في متاحفهم ومكتباتهم وينفقون عليها أموال ضخمة، لإعادة إصدارها ونشرها، بعد أن حوصرت وأحرقت في وطنها من قبل فقهاء ذوو عقلية مثل عقليتكم ؟ ألا تعلمون بأن كل الجامعات الألمانية تهتم بشعبة الفلسفة، لأن هذه الأخيرة هي من تصنع بوصلة الأمم؟ ألا تعلمون بأن تاريخ تدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي الألماني يعود إلى القرن التاسع عشر فلهيغل نصوص هامة حول تدريس الفلسفة في مدارس الجيمنازيوم (Gymnasium) أو ثانويات التعليم العام التي تستقبل التلاميذ ما بين 10 و 19 سنة ومدة الدراسة بها حاليا 8 سنوات بدل 9 سابقا؛ ولها قيمة مثل باقي المواد ؟.
سيدي الرئيس اسمحلي أن أتساءل معكم، وأسلم بصحة ما جاء على لسانكم جدلا، واضعين رؤوسنا في الرمال كالأنعام، ومتجاهلين للتاريخ وتجارب الأمم التي تقتدي بها في كلامكم. لكن لماذا استثنيتم التعليم الديني من سلسلة الفلاسفة والأدباء والقضاة، هل يمكن أن نقول بأن خريجي كلية الشريعة والقرويين وغيرهم من المؤسسات الدينية يخترعون هواتف "الآيفون" و "الكلاكسي" أم ينتجون الأدوية أم ماذا ؟ إذا كان تكوين الفلاسفة والقضاة نظري لا ينتج الثروة، فأي ثروة ينتجها خريجي التخصصات الدينية ؟
سيدي الرئيس يجب أن تنوع مستشاريك وتناقش بعض القضايا التي تريد أن ترمي بها في وجوه أبناء هذا الشعب المجهل والمفقر؛ سيدي الرئيس شعبة الفلسفة هي من أعطت لنا محمد عزيز الحبابي وعابد الجابري وطه عبد الرحمن وأركون وعبد الكبير الخطيبي وغيرهم من العمالقة؛ هؤلاء هم من حفظوا لنا ماء وجهنا أمام العالم بأننا شعوب حية، هؤلاء من أدخلونا الان إلى الجامعات الغربية عبر كتبهم وأفكارهم.
شعبة الفلسفة سيدي الرئيس هي من أعطتنا ولازالت تعطينا أهم المترجمين المعاصرين في المجال التربوي والفلسفي والعلمي وكافة المجالات. فإذا كان تقاعد أساتذة الفلسفة ينتهي بتساؤلات ومشاريع فكرية، فاي مشاريع خرجت من كلية العلوم والتقنيات والمؤسسات الدينية منذ الإستقلال ؟ إذا كان أساتذة الفلسفة ينشغلون بهموم الإنسان الوجودية والقيمية والمعرفية، فهموم أساتذة الإسلاميات على ما أعتقد لا تتجاوز متى وكيف نجامع النساء (نموذج الأستاذ الأكاديمي أحمد الشقيري إبن الجماعة الدعوية الذي خرج علينا بتصريحات ساذجة بأن الزمن وُجد من أجل الصلاة والجماع).
سيدي الرئيس نتمنى أن تفكر في هذه القضايا البسيطة، لأننا بهذا المقال لا نتحدى جنابكم، لأن هذه المعركة ليست مع شخصكم مهما اختلفنا معكم، هذه المعركة قديمة قدم الإنسان، هي معركة بين السياسة كممارسة والفلسفة كصناعة نظرية تتطلع دائما للأفضل، أو بالأحرى صراع بين تفكير آني قائم على المصلحة، وفكر حر يرنو إلى الحقيقة كما هي. فسقراط قتلته مثل سياستكم، وإبن رشد أحرقت كتبه ونُفي من وراء فقهاء يتقاسمون مع سيادتكم نفس الإيديولوجيا ...
وأخيرا سيدي الرئيس، لابد من توضيح بأننا لسنا ضد التقدم التكنولوجي والصناعي، بل مادة الفلسفة هي الأرضة لهذا التقدم، لأنها هي المادة التي تزرع بدور التفكير السببي (سبب/نتيجة). وهذا الأخير هو جوهر العلم سواء في شقه النظري أو التطبيقي؛ وهذا ما ينقص ثقافتنا (التفكير السببي العلمي) إذ نصادف باستمرار طبيبا أو مهندسا أو أستاذا جامعيا لمادة علمية، لكنه ذو تفكير ما قبل علمي، وهذا ما يفسر إيمان بعضهم بالشعوذة والخرافة، بالإضافة إلى أنهم الأكثر قابلية للإستقطاب الإرهابي حسب دراسة سبق ونشرتها هيسبريس إلخ.
فمادة الفلسفة هي صمام الأمان في اتجاهات مختلفة، فهي تقي الأجيال من التطرف الديني والعرقي والإيديولوجي بشكل عام، كما تقي من الإنجرار وراء ثقافة استهلاكية سطحية؛ ولا أعتقد أن هناك ثروة حقيقة، توازي هذه الثروة، وهي صناعة الإنسان في أبعاده المختلفة ؟ فشعبة الفلسفة يجب يتشرب منها الكل، يجب أن تواكب دارس الطب والعلوم والاداب والمهندس والفقيه و التقني ...لأنها تعطي مواطن إذا أراد أن يرُدّ على المختلف، كما هي حالتنا، يرد بمنطق الحجة، يرد بحوار راقي، وليس بالجهاد أو التفخيخ أو الإقصاء أو العنف ...

* باحث في الفلسفة