خالد أوباعمر

عندما أشار وزير الداخلية الفرنسي "بيرنار كازنوف" في تصريح صحفي أدلى به خلال الندوة الصحفية التي عقدها يوم السبت 14 فبراير 2015 في العاصمة الرباط إلى جانب نظيره المغربي محمد حصاد إلى حدث توشيح مدير المخابرات المدنية عبد اللطيف الحموشي في سنة 2011 فالرجل أفلح في تمرير رسالتين :
الأولى في اتجاه المغرب لتذكيره أن فرنسا وشحت الحموشي قبل اسبانيا بالمعنى الذي يفيد أن فرنسا ليس لها أي حساسية أو عداء تجاه جهاز المخابرات المدنية الذي يشرف عليه هذا الأخير
والرسالة الثانية موجهة للجارة اسبانية التي قامت بتوشيح الحموشي في عز الأزمة الفرنسية المغربية على خلفية الاستدعاء الذي حاولت فرنسا تبليغه للحموشي أثناء تواجده في مهمة رسمية داخل أراضيها رفقة وزير الداخلية المغربي محمد حصاد .
طول مدة الأزمة في العلاقات المغربية الفرنسية وتعقيدها بسبب رد الفعل المغربي الذي سارع إلى وقف التعامل باتفاقية التعاون القضائي التي خضعت للتجديد عبر مراحل، وتعرض فرنسا لهجوم إرهابي غير مسبوق في العاصمة باريس، وتوطيد العلاقات المغربية الإسبانية على عدة مستويات، وخصوصا على مستوى التنسيق الأمني والمخابراتي في مجال مكافحة الإرهاب، عوامل فرضت على الجانب الفرنسي ضرورة معالجة المشكل لإعادة الروح إلى العلاقات المغربية الفرنسية التي كانت محكومة بمبدأ التفوق.
إشادة وزير الداخلية الفرنسي "بيرنار كازنوف" بعمل جهاز المخابرات المدنية المغربي، وثناءه على شخص مديره العام عبد اللطيف الحموشي، مؤشر قوي، على أن فرنسا تضايقت من رفع مستوى التنسيق الاسباني المغربي في المجال الأمني والاستخباري، فقد أدركت هذه الأخيرة، أن توتر علاقتها بالمغرب خلال سنة كاملة، عاد بالنفع على الجارة الإسبانية، التي عرفت كيف تجني ثمار هذا التوتر، في مواجهة الخلايا الإرهابية التي تم تفكيكها طيلة هذه السنة بتنسيق مشترك بين مخابراتها وأجهزة المخابرات المغربية، في الوقت الذي تعرضت فيه فرنسا إلى هجوم إرهابي، دفع عدد من السياسيين الكبار في فرنسا كالرئيس الفرنسي السابق فرونسوا ساركوزي، ووزير الداخلية الأسبق شارل باسكوا، إلى تحذير الحكومة الفرنسية من مخاطر استمرار الأزمة المغربية الفرنسية على أمن واستقرار فرنسا، بالنظر إلى إلمامهما المسبق، بالخبرة التي تتوفر لدى أجهزة المخابرات المغربية في رصد وتفكيك الخلايا الإرهابية النائمة.
أحداث شارلي ايبدو، والتقارب الاسباني المغربي في مجال مكافحة الإرهاب، والانتقادات التي وجهت للحكومة الفرنسية بشأن طول الأزمة المغربية الفرنسية بسبب قضية استدعاء مدير المخابرات المدنية، عبد اللطيف الحموشي، أوراق لعبت لفائدة المغرب، وعجلت بالتوصل إلى تسوية قائمة على منطق لا غالب ولا مغلوب بين فرنسا والمغرب لإعادة دفء العلاقات المغربية الفرنسية، في إطار توازن جديد للمصالح المتبادلة بين البلدين، غير مؤسس على منطق التفوق الذي كانت تتعامل به فرنسا في المراحل السابقة مع مستعمراتها، بحكم مكانتها الدولية، التي يحتاج إليها المغرب في نزاعه الأممي بشأن قضية وحدته الترابية التي تعد فرنسا داعمة لمقترحه القاضي بالحكم الذاتي في إطار السيادة الوطنية، وبالنظر أيضا إلى قوة هذه الدولة في المجال الاقتصادي والعسكري.
غير أن تسوية التوتر المغربي الفرنسي وفق منطق لا غالب ولا مغلوب، لا يعني بالضرورة، أن فرنسا منحت للمسؤولين المغاربة الحصانة. هذا أمر غير موجود في الاتفاق المتوصل إليه بين البلدين. كل ما هنالك، حسب تصريح منسوب لوزير العدل والحريات المغربي، مصطفى الرميد، أن القضاء الفرنسي لم يعد بإمكانه قبول أي شكوى تتهم شخصية في الدولة حتى يتم وضعها أمام قضاء الدولة حيت وقعت الجريمة.
وإذا أسقطنا هذه النتيجة على الشكوى المرفوعة ضد مدير المخابرات المدنية عبد اللطيف الحموشي من طرف مواطنين مغاربة يحملون الجنسية الفرنسية، سنجد أنفسنا أمام إشكال قانوني يتعلق بسريان التعديل الذي أدخل على اتفاقية التبادل القضائي الموقعة بين المغرب وفرنسا.
هل سيتم تطبيق الاتفاق بأثر رجعي أم بأثر فوري؟ كيف سيتعامل القضاء الفرنسي مع الشكايات التي رفعت ضد مدير المخابرات المدنية عبد اللطيف الحموشي قبل تعديل اتفاقية التعاون القضائي بين المغرب وفرنسا؟ وكيف ستوازي فرنسا بين هذا الاتفاق وبين التزاماتها الدولية ذات الصلة باتفاقية مناهضة التعذيب والبروتوكول الملحق بها؟ هل ستنتصر فرنسا في تسوية أزمتها مع المغرب والتي تعد قضية الحموشي أحد أبرز تجلياتها إلى جانب التصريح المنسوب للسفير الفرنسي في الولايات المتحدة الأمريكية الذي وصف المغرب"بالعشيقة التي نجامعها كل ليلة رغم أننا لسنا بالضرورة مغرمين بها، لكننا ملزمون بالدفاع عنها"؟ أم أنها ستجد الصيغة المناسبة للموائمة بين استقلالية السلطة القضائية من جهة والحفاظ على أمنها القومي بسبب مخاطر الإرهاب الذي يتهدد أمنها الداخلي والخارجي؟