بحلول يوم السبت 20 فبراير، تكون قد مرت خمس سنوات على ميلاد حركة 20 فبراير التي خرج شبابها يوم 20 فبراير 2011 في مسيرات احتجاجية على صعيد أكثر من 54 عمالة وإقليم، للمطالبة بالحرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية، وبربط المسؤولية بالمحاسبة، وفصل الثروة عن السلطة، وبفصل السلط عن بعضها البعض في الاتجاه الذي يضمن للقضاء استقلاليته، وإقرار نظام الملكية البرلمانية.

التفاعل الكبير للشعب المغربي من مختلف الفئات والأعمار مع نداءات حركة 20 فبراير فعل خلق إرباكا كبيرا للسلطات الأمنية في البلاد، على الرغم من الحيل والمناورات التي لجأ إليها المخزن عبر قنواته الإعلامية، و دكاكينه الحزبية والسياسية، ومتاجره المدنية، لقتل الحراك في المهد وزرع بدور الشك في نفوس المغاربة، حول خلفيات الاحتجاج، وطبيعة الجهات التي تقف وراءه، بهدف زعزعة أمن البلاد واستقرارها، والإضرار بصورة الملكية، والمس بشرعيتها التاريخية والدينية، حسب المنطق الذي روجت له أبواق الدعاية المخزنية المأجورة في كل المواقع.

لن يتسع المجال في هذا المقال الذي يأتي في سياق الذكرى الخامسة لانطلاق الحراك المغربي في سنة 2011 المجيدة لرصد مظاهر التدافع بين الدولة وحركة 20 فبراير التي كانت مسيراتها الاحتجاجية مؤطرة بشعار مركزي قوي" الشعب يريد إسقاط الفساد... الشعب يريد إسقاط الاستبداد" هز كيان الدولة، وخلخل الأحزاب السياسية الانتهازية، وتسبب في تيه النقابات الخبزية التي فتحت مقراتها للتجسس على النشطاء وزرع الشقاق بينهم، وأربك حسابات النخب الاقتصادية الغارقة في الريع والفساد من الأدنين إلى أخمص القدمين.

الأحزاب السياسية التي راهنت بالأمس ولازالت إلى حدود اليوم تراهن على استغلال إرث حركة 20 فبراير المجيدة والركوب على مطالبها السياسية والاجتماعية في إطار صراعاتها السياسوية على من يكون منها في موقع السلطة لتدبير الشأن العام، عليها أن تدرك أن مغاربة ما بعد 20 فبراير 2011 لم يعد بإمكان الفاعل الحزبي تسطيح وعيهم وتسديجهم وتدويخهم بلعبة الإصلاح في إطار الاستقرار أو ما شابه ذلك من الشعارات الجوفاء التي تكرس الفساد والاستبداد في أبشع تجلياته.

خمس سنوات من عمر حركة 20 فبراير كانت كافية لترسيخ وعي سياسي مجتمعي مؤمن بأهمية المطالب التي رفعها شباب هذه الحركة من أجل بناء الدولة المدنية الديمقراطية، في ظل نظام الملكية البرلمانية، الذي يزاوج بين الشرعية الديمقراطية، والشرعيتين الدينية والتاريخية للمؤسسة الملكية في المغرب، حفاظا على وحدة الدولة وتماسك كيانها السياسي والاجتماعي.

لقد كانت هذه المدة كافية، لكي يتأكد المغاربة من المعدن القصديري للفاعل الحزبي، ومن زيف وعوده السياسية الكاذبة، وعجزه الكبير على ممارسة صلاحياته الدستورية المتاحة له بنص الدستور، بسبب تغول الدولة الموازية أو العميقة من جهة، وبسبب عدم قدرته " الفاعل الحزبي" على التنزيل الديمقراطي للدستور وعلى مباشرة الإصلاحات الكبرى خارج إطار التوازنات مع القصر الذي لازال يتحكم في كل شيء، من جهة ثانية.

جيل حركة 20 فبراير يقدر الملك ولا يزايد على شرعيته التاريخية والدينية بسبب مطالبتهم بإقرار الملكية البرلمانية. جيل من الشباب يرى في نفسه الأقرب إلى جيل الملك، ويؤمن بأن المعايير الكونية في الممارسة الديمقراطية، والقدرة على مواكبة التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة، عوامل تستدعي أقلمة الملكية وتحديثها بالشكل الذي يحافظ لها على دورها الرئيسي كضامن لاستمرارية الدولة ودوامها.

الشبيبة المغربية التي أعطت انطلاقة حركة 20 فبراير المجيدة في عز الحراك الذي انطلقت شرارته الأولى من تونس الياسمين جزء كبير منها ينتمي لجيل منتصف السبعينات، الذي ينتمي إليه القاضي المعزول بموافقة ملكية الدكتور محمد الهيني، ومنهم أيضا من ينتمي لجيل الثمانينيات والتسعينيات.

جيل 20 فبراير لا يعيش خارج التاريخ أو الماضي وغير مفصول عن الواقع في رؤيته للمستقبل. جيل حركة 20 فبراير يريد أن يصنع نخبته وتاريخه بكل حرية ووفق منظوره ومفهومه للدولة العصرية الديمقراطية الحداثية المواطنة للتخلص من فساد النخبة الانتهازية الريعية المخزنية القمعية البئيسة التي تفسد ولا تصلح على الإطلاق.

على الملكية في المغرب أن تدرك أن هذا الجيل يرغب في القضاء على كل مسببات الفساد وعلى منطق التوافقات المشبوهة للدولة مع الأحزاب بوصفها وسائل للضبط السياسي والاجتماعي التي راهن عليها المخزن تاريخيا من أجل تنزيل فلسفته التحكمية الاستبدادية على أرض الواقع.

كما ينبغي على من يوجد اليوم في موقع تدبير الشأن العام الذي لا علاقة له بالحكم الحقيقي وعلى غيره من الفاعلين السياسيين الذين ألفوا الاقتيات من ريع السلطة والسلطان أن يقتنعوا بأن جيل 20 فبراير لا مشكلة لديه مع الملك، ولا مع الملكية كمؤسسة لها شرعيتها التاريخية والدينية، بل مشكلته مع البنية الاستبدادية التي تحول بينه وبين حقه المشروع في الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية.

هذا الجيل يريد مبايعة الملكية في المغرب على الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان كمفاهيم تليق بالعصر الذي هو فيه، ويرغب أيضا في التحرر من تراكمات فساد العقود السابقة.

جيل حركة 20 فبراير ليس في حاجة لشعبوية إدريس لشكر الذي بدأ يتوارى إلى الخلف، ولا لمناورات حميد شباط وشطحاته السياسية التي انتهت يوم 04 شتنبر 2015، ولا لجعجعات عبد الإله ابن كيران ودروشته وتمسكنه السياسي الذي يسبق التمكين، أو خرجات نبيل بن عبد الله الفلكلورية وعدائه المقيت لمطلب الملكية البرلمانية وخوفه المسرحي من مآل المؤسسة الملكية في حالة إقرار هذا المطلب، ولا لمناورات وأستاذية الياس العماري الزائدة عن اللزوم، أو دروس الطوزي النظرية حول الأحزاب والمجتمع والنخبة..الخ

جيل 20 فبراير، وهذه هي الحقيقة التي يلتف عليها الفاعل السياسي الحزبي الانتهازي لأغراض في نفسه، جيل استطاع بعفوية حركته الاحتجاجية، ونبل فكرته النضالية المشروعة، أن يضع اليد على الجرح ويسبب آلاما كبيرة لرموز الفساد والاستبداد في هذه الدولة التي يتحالف فيها المال والسياسة والسلطة ضد الشعب.

من الطبيعي جدا، أن ينفجر زعماء الأحزاب غضبا من الشباب بعد بروز سفير الربيع في المغرب، ومن الطبيعي أيضا أن يناور المخزن عبر حاشيته وبكل الوسائل المتاحة لديه لتمييع نضالات حركة احتجاجية سلمية غير مسبوقة في التاريخ السياسي للمغرب رفعت بكل قوة ومسؤولية في الاحتجاج شعار"الشعب يريد إسقاط الفساد...الشعب يريد إسقاط الاستبداد" الذي سيستغله تجار الدين والمواقع في انتخابات 25 نونبر 2011 أبشع استغلال بالنظر إلى جاذبيته وتأثيره العميق في نفوس المغاربة..

الأطراف المستفيدة من الريع بكل أصنافه، أو المتورطة في أعمال وممارسات فيها تجاوز أو انتهاك أو استغلال للإنسان والثروة في هذه البلاد، وجدت نفسها معنية بشعارات الشباب، ووجدت نفسها معنية بمقاومة هذه المطالب بكل قوة.

جيل 20 فبراير يريد من الملك محمد السادس، أن تكون المملكة مملكة الجميع، مملكة الحق والقانون، مملكة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، مملكة العدالة الاجتماعية وعدم الإفلات من العقاب، مملكة استقلالية السلطة القضائية عن الفاعل السياسي وعن كل مراكز القرار، مملكة لإنصاف الشرفاء وحمايته من بطش الفساد والمفسدين بدل الاعتداء عليهم ورميهم إلى المجهول والتفريط فيهم كما حدث مع القاضي الشريف والعفيف والنزيه الدكتور محمد الهيني الذي ينتمي لجيل المسيرة الخضراء...

جيل 20 فبراير، يريد لكلمة البيعة وإمارة المؤمنين أن تعطى لهما معانيهما التاريخية الحقيقية، وليس شحنهما بمعاني تكرس للقداسة والاستبداد ولا تعير أي اهتمام للمبدأ الدستوري الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة، جيل يناشد الملك محمد السادس من أجل تحرير هذا البلد الآمن والمستقر من التيارات الانتهازية التي حولته لما يشبه البقرة الحلوب.

جيل 20 فبراير لن يقبل أن يقال له بأن رخص الصيد في أعالي البحار سرا من أسرار الدولة، أو يقال له عفا الله عما سلف ومن عاد فلينتقم منه الله، أو يقال له بأن الكشف عن لائحة مهربي الأموال للخارج إجراء سيضر بصورة الدولة وسيؤثر على الاستثمار...

جيل حركة 20 فبراير، يطمح لإقرار حكم القانون في مواجهة شريعة الغاب، ويرغب في توزيع منصف وعادل للثروات بالمجتمع، ويطمح إلى استقلالية تامة للقضاء عن مراكز القرار كيفما كانت طبيعتها، ويريد حكامة أمنية تكون فيها تصرفات وأعمال الأجهزة المكلفة بحفظ أمن الوطن والمواطنين داخل إطار القانون وتحث مجهر المؤسسات الدستورية وتحت سلطة الحكومة الدستورية المنتخبة.

حركة 20 فبراير يؤلمها استمرار ورود معطيات في تقارير المنظمات الحقوقية الدولية تتحدث عن التعذيب في السجون وفي مخافر الشرطة في ظل وجود اتفاقيات دولية مصادق عليها من قبل المغرب تمنع كل أشكال التعذيب الممارسة خارج نطاق القانون، وفي ظل وجود بابا كاملا في دستور 2011 خاص بالحقوق والحريات، وفي ظل وجود ضمانات لعدم تكرار الماضي الأسود لانتهاكات حقوق الإنسان الذي أرادت المملكة طيه من خلال هيئة الإنصاف والمصالحة.

جيل 20 فبراير، يريد مصالحة وطنية حقيقية مع الشعب المغربي، يريد إنصافا قائما على عدم الإفلات من العقاب وعدم تكرار الأفعال الماسة والمنتهكة لحقوق الإنسان، ويريد من الملكية في المغرب أن تساهم من موقعها الدستوري الحالي في الارتقاء بهذا البلد وتمكينه من الولوج إلى نادي الديمقراطية، ويريد من الجميع أن يجعل من الحراك المغربي الذي انطلق في 2011 مشتلا للحريات تشتم فيه نسائم الحق والقانون والنزاهة والعدل والديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة. واستقلالية القضاء.
جيل عشرين فبراير يا جلالة الملك، لا يمكن له أن يبني المستقبل مع كائنات سياسية تآكلت مشروعيتها وفقدت مصداقيتها.كائنات لا زالت بعض أطرافها للأسف الشديد تبخس نضالات المغاربة ومطالبهم العادلة والمشروعة في الحرية والعدالة والكرامة الاجتماعية، وتنظر لنفسها بتعالي وعجرفة كأنها نخبة هذا العهد.

إذا كانت الطبقة السياسية غير مؤهلة للملكية البرلمانية كما صرح بذلك الأستاذ محمد الطوزي في أحد خرجاته الإعلامية، فجيل حركة 20 فبراير يسائل الطوزي عن أسباب ذلك؟ وعن الأسباب التي جعلت منه كمثقف يقبل بالتشاور معها والإنصات إليها في لجنة الدستور التي كان عضوا فيها أثناء عرض مذكرات الأحزاب السياسية حول الاصلاح الدستوري منخفضة السقف عن خطاب 09 مارس 2011؟ وكيف وصل بها الأمر إلى هذا الحد؟ وإذا كان من سابع المستحيلات إعطاء المجتمع الجاهل والفقير والأمي ملكية برلمانية على حد تعبير الأستاذ الطوزي، فمن المسؤول إذن عن فقر وجهل وأمية هذا المجتمع؟ أليست مسؤولية الدولة في تفقير الشعب وتهجين الأحزاب وإضعافها ثابتة تاريخيا؟

إن من براهن على الإبقاء على الوضع كما كان عليه قبل 20 فبراير، أو يريد أن يحتال من جديد على حركة 20 فبراير في ذكراها الخامسة لاعتبارات سياسوية أو انتخابوية، لا يمكن لرهانه السياسي إلا أن يخيب.

من منكم لا يتذكر كيف أنه في سنة 2011 كانت قيادات من حزب العدالة والتنمية يوجد بعضها اليوم في موقع حكومي لتدبير الشأن العام " بوليف، الرميد" وأخرى خارج التدبير " حامي الدين، العثماني، الشوباني" تخرج للشارع إلى جانب شباب الحركة، في الوقت الذي كانت فيه القيادة الحزبية تطبخ طبختها مع المخزن ضد حركة 20 فبراير بداعي الإصلاح في إطار الاستقرار، وهو الإصلاح الذي فشل رئيس الحكومة عبد الإله ابن كيران فشلا ذريعا في تنزيله فضل هو أن يسميه بالصعوبات.

حزب العدالة والتنمية مثل غيره من أحزاب البؤس السياسي ركب على الحراك في 2011 واليوم يريد إعادة الكرة، وقد سبق لحامي الذين اعتبار أن " الديناميكية الاحتجاجية لا يمكن أن تعوض الأطر السياسية التقليدية التي تضطلع بوظيفة الوساطة السياسية وتعمل على عقلنة المطالب وإعادة صياغتها بالطريقة التي يتحملها النظام السياسي، وهنا سقط الكثيرون في قراءة خاطئة لدور الأحزاب السياسية، خاصة وأن مطالب الشارع لم تخرج عن طبيعتها الإصلاحية ولم ترق إلى درجة المطالب الثورية التي تتجاوز طبيعة النظام السياسي القائم".

الاستغلال السياسوي لمطالب حركة 20 فبراير، من باب الإنصاف، سلوك لا يقتصر على قادة البيجيدي ، بل هو خاصية مشتركة بين أحزاب البؤس في الأغلبية الحكومية وفي المعارضة الموجهة، بل هناك بعض الأحزاب التي لفظها الحراك ورفع شباب حركة 20 فبراير صورا ولافتات تطالب برحيل رموزها المؤسسين لها، أو النافذين فيها، لم تقف عند حدود الاستغلال بل وصلت بها ألاعيبها السياسية إلى حد تبني الحراك والتهجم على المناضلين والجمعيات والأحزاب الذي دعمته وساندته مند بروز حركة 20 فبراير إلى غاية اليوم، بغض النظر عن تقييمنا السياسي لهذا الدعم.

هذا النوع من التدافع السياسي الخبيث بين الفاعلين السياسيين في المغرب، والذي يجعل من حركة 20 فبراير حصان طروادة، تدافع يسيء للفعل السياسي النبيل في البلاد، ويعطي صورة قاتمة عن طبيعة النخبة السياسية التي تتصارع اليوم عن السلطة بأدوات ووسائل تدليسية وبحيل لا تنطلي على العقلاء من بنات وأبناء ورجال ونساء هذا الوطن الغالي جدا.

المغرب لم يعد يحتاج لا للمفسدين ولا للانتهازيين ولا للمتملقين ولا للمفرطين في صلاحياتهم الدستورية، وأملنا في التغيير وفي القطع مع ثقافة التعويل على الملكية في كل شيء والاختباء وراءها من طرف كل الفاعلين مثل الجرذان لكبير.