حميد المهدوي ـــ لو قُدِّر لي هذه الأيام أن أُخيَّر بين قضاء عطلة لمدة شهر في فلوريدا أو الإمعان في وجه مصطفى الرميد لفضلت النظر في وجه هذا الوزير.

ألهذه الدرجة أغواكم الكرسي، يا "معالي الوزير"، قيادي بـ "العدل والإحسان"، يقول، وعلى الملأ، وفي واضحة النهار، إنه "اختُطف" من طرف الشرطة وزُجَّ به في ملف "مفبرك لا أساس له من الصحة"، ولا يُسمع لكم أثر لحد الساعة، ولا تفتحون بحثا في هذه "التصريحات" بل "القنابل" التي تعصف بهبة الدولة وهبة مؤسساتها، ألهذه الدرجة استطبتم الكرسي و استبد بكم حب البقاء في الحكومة يا "معالي الوزير"؟ ألهذا الحد تآمرتم ضد القانون وهيبة المؤسسات؟

أعطوني حكومة مغربية واحدة قيل فيها، جهارا نهارا، وعلى الملأ، إن الشرطة "اختطفت" قياديا في أكبر جماعة سياسية في المغرب، ولفقت له تهمة "الخيانة الزوجية" دون تحريك البحث؟

يعتبر الفصل 264 من القانوني الجنائي " إهانة، ويعاقب بهذه الصفة، قيام أحد الأشخاص بتبليغ السلطات العامة عن وقوع جريمة يعلم بعدم حدوثها أو بتقديم أدلة زائفة متعلقة بجريمة خيالية أو بالتصريح لدى السلطة القضائية بارتكابه جريمة لم يرتكبها ولم يساهم في ارتكابها". ألا يؤطر هذا الفصل "قنابل" قيادي "العدل والإحسان"؟

وتفيد المادة 445 من القانون الجنائي المغربي، "من أبلغ بأية وسيلة آكانت، وشاية كاذبة ضد شخص أو أكثر إلى الضباط القضائيين أو إلى ضابط الشرطة القضائية أو الإدارية أو إلى هيئات مختصة باتخاذ إجراءات بشأنها أو تقديمها إلى السلطة المختصة، وكذلك من أبلغ الوشاية إلى رؤساء المبلغ ضده أو أصحاب العمل الذين يعمل لديهم، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة من مائة وعشرين إلى ألف درهم، ويجوز للمحكمة أن تأمر علاوة على ذلك، بنشر حكمها كله أو بعضه في صحيفة أو أكثر، على نفقة المحكوم عليه. وإذا كانت الوقائع المبلغ بها تستوجب زجرا جزائيا أو إداريا، فإن المتابعة عن الوشاية الكاذبة، تطبيقا لهذا النص، يمكن الشروع فيها، إما عقب الحكم النهائي ببراءة المبلغ ضده أو إعفائه أو عقب صدور أمر أو قرار بعدم متابعته أو عقب حفظ الشكاية بأمر من أحد رجال القضاء أو الموظف أو رئيس المبلغ ضده أو مستخدمه المختص بالبت في الشكاية. وعلى المحكمة التي ترفع لها الدعوى بمقتضى هذه المادة، أن تأمر بوقف نظر دعوى البلاغ الكاذب، إذا كانت المتابعة عن الواقعة المبلغ بها لازالت جارية".

ألم يُدَن الحقوقي سبع الليل بستة أشهر و الحقوقية وفاء شرف بسنتين وأسامة حسن بثلاث سنوات ويتابع صحفي، اليوم، باسم هذه الفصول والمواد، و بتهم "التبليغ عن جريمة يعلم بعدم حدوثها" و"إهانة مؤسسة"، هل هناك إهانة للمؤسسات والدولة والمملكة المغربية ككل، أكثر مما قاله قيادي الجماعة، إذا كان كلامه غير صحيح؟

أي مصداقية، اليوم، لخطاباتكم وقراراتكم، وأي هبة لمؤسسات الدولة بعد تصريحات قيادي الجماعة دون إشهار قرائن مادية لحد الساعة أمام الرأي العام، تدين قيادي الجماعة وتزكي ما ورد من تهم في بيان ولاية الأمن؟

وأسألكم أيها الوزير: من خلق شروط "إعدام" قاضي العيون أليس معاليكم؟ هل خُلِق القاضي مدونا ومهاجما، هكذا ودون أسباب على صفحته الإجتماعية؟ من كان يعرف هذا القاضي قبل اصطدامه مع كتاب الضبط وصدمته من موقفكم تجاه قضيته؟ ألم يكن من بين النجباء الذين انتدبتموهم بأنفسكم للتدريب في فرنسا؟ فما الذي هيجه ووتُّره وزرع شروط "إعدامه" اجتماعيا غير سياستكم المنبطحة أمام الفساد؟ ألا تتحملون كامل المسؤولية فيما جرى لهذا القاضي؟ ألم يكن ضحية لوعودكم الانتخابية؟ هل سُمِع له صوت قبل وجودكم في الحكومة؟
ثم بالله عليكم أيها الوزير، أعطني حكومة مغربية واحدة جرى فيها للجمعيات الحقوقية، وخاصة اقتحام مقر جمعية تحمل صفة المنفعة العمومية، كما جرى لها خلال حكومتكم، بل وبأمر منكم أيها الحقوقي القديم؟ أتحداك أن تعطيني حكومة واحدة، سالت فيها دماء الأساتذة أمام البرلمان غير حكومتكم، وأتحداكم أن تأتوا بحكومة واحدة قبلكم اعتقلت الأطر والدكاترة؛ مثلما أتحداكم أن تدلوا بحكومة مغربية واحدة تحوَّل فيها قاضي من محارب للفساد إلى شخص مشبوه به من الناحية العقلية والنفسية؟ نعم أتحداكم أيها الوزير أن تقدموا نموذجا واحدا لحكومة مغربية واحدة، اتهم خلالها مسؤول رسمي وداخل مؤسسة دستورية وهو ادريس اليزمي، السلطات بالمسؤولية في وفاة المواطنين المغربيين رشيد الشن وكمال العماري، دون أن تهتز أركان العدالة في المغرب، ثم أتحداكم أن تكشفوا للمغاربة عن حالة واحدة لموظفين كشفا عن " العلاوات والفساد" فكانت المحكمة مصيرهما، أتحداكم أن يكون هناك رئيس غرفة بمحكمة النقض في تاريخ المغرب، نُقل كما تنقل "الشاة" المذبوحة، كما جرى على عهدكم تجاه محمد عنبر، المحترم والشريف، وأبصم هنا على عبارة الشريف والمحترم بأصابعي العشرة.

أكثر من هذا، أتحداكم أيها الوزير أن تقدموا نموذجا واحدا لوزير عدل واحد قبلكم، توصلت نيابته العامة من مواطن يدعى أنس المرنيسي، بمعدل 384 شكاية، لحد الساعة ولم يفتح بحثا واحدا في واحدة منها، بحسبه، في وقت تحرك فيه يا معالي الوزير ثلاث شكايات وتتبنى الرابعة بسرعة البرق حين يكون المشتكى به، كاتب هذه السطور.

عودوا إلى برنامج "مواطن اليوم" لتسمعوا ما قاله الوزير، بلا خجل ولا حياء: "حينما يكون هناك أي مقال يشير إلى الفساد أحيله على النيابة العامة" ثم أضاف "اعطوني قضية واحدة لم نقم فيها بالإجراءات اللازمة"، كم مقال كتبنا عن محمد بنعيسى وعبد الوهاب بلفقيه مُدعم بالوثاق، هل أحال الوزير مقالا واحدا على النيابة العامة؟ ما هي الإجراءات التي قمتم بها يا معالي الوزير تجاه التسجيلات التي مدكم بها موظف وزارتكم بالقنيطرة لمدة تقارب سنة، ولولا ضغط الصحافة ونشرها لهذه التسجيلات لظلت طي الكتمان؟ ما هي الإجراءات التي قمتم بها تجاه ما قدمه لكم "قاضي العيون" داخل مكتبكم؟ وماهي الإجراءات التي قمتم بها حول فضيحة "الزبير بنسعدون"، وهي أكبر فضيحة قضائية في تاريخ المغرب يشهد عليها حتى فرع حزبكم بأصيلة؟ وإلا لماذا حصل على البراءة في حكم الست سنوات؟ ما هي الإجراءات التي قمتم بها تجاه الرئيس، الذي يشارك حزبه في حكومتكم، بعد شرائه لعشر دجاجات بخمس وعشرين مليون سنتيم، بحسب أكثر من مصدر إعلامي؟ وما هو مصير عشرات المقالات التي تحدثت عن "فساد" حليفكم في الحكومة ادريس السنتيسي؟ ومصير ملف زميلكم جامع المعتصم؟

إن ما جرى في ولاية هذه الحكومة أخطر وأفظع مما جرى في أي حكومة مغربية سابقة، ولكن مع كامل الأسف لم تجد من يفضح سياستها ضد الشعب والقانون والمؤسسات بحجم البشاعات المرتكبة من قبلها ضد المغاربة.

وإني قلتها وها أنذا أعيدها، اليوم، أكثر اقتناعا من أي وقت مضى، إن الرميد، واحد من أبرز وجوه الدولة العميقة، وسيعود إلى الحكومة أو لمنصب أكبر من منصب داخل حكومة، والأيام بيننا.