حميد المهدوي ـ "وْلَدتهم غِير في الخْلاَ" تقول "دْرِيسيَّة" وهي تتحدث عن ستة أبناء أنجبتهم دون مُساعدة من أحد، واحدة منهم تبنتها أسرة، وطفلتان توفيتان في ظروف غامضة، فيما ثلاثة ذكور يقيمون معها في "براكة"، توجد على أرض خلاء في منطقة الخنيشات، التابعة لمدينة سيدي قاسم.

"دْرِيسيَّة" سليلة رجل وطني

تنحدر "دْرِيسيَّة" من دوار "ولاد اخريص"، البعيد عن بلدة الخنيشات بحوالي بأربع كيلومترات.

عُرف والدها في المنطقة باسم "قَرْدُوشْ"، كان من أكثر الناس دفاعا عن الوطن، بمناسبة أو بدونها تجده يحمل صورة الملك محمد الخامس، رغم امتلاكه فقط لـ"خيمة" مشيدة من الطوب، بخلاف بعض من يوصفون في المنطقة، بـ"الخونة" الذين غدروا الملك محمد الخامس، وبايعوا بنعرفة، وأصبحوا من كبار الملاكين العقاريين.

وافق "شَنُّ" "طبقة"...

كُتب على "دْرِيسيَّة"، أو اختارت، بحسب رواية أخرى، أن تتزوج قاسم، وهو رجل في عقده الخامس، حرفته "لحام" أو بلغة أهل البلدة "كُوَّايْ" للأواني المنزلية. تُشَبِّه بعض نخب البلدة علاقة "دْرِيسيَّة" بقاسم كعلاقة "شن" و"طبقة" في الرواية العربية.

لِقاسم أكثر من "بَلْية"، لكن أسوءها جميعا، شربه لمادة "لانكول"، وهو سائل يحتوي على 90 درجة من الحرارة، يستعمل في المراحيض والنجارة وغيرها.
لم يعد قاسم "كُوَّايْ" بعد أن تزوج "دْرِيسيَّة" ، طيلة النهار وهو ممدد بـ"البراكة" يحتسي "لانكول"، فيما "دْرِيسيَّة" تظل طيلة اليوم تتسول الدراهم لدى ساكنة البلدة، قبل أن يحوز عليها قاسم، مرة عن طيب خاطر ومرة بالقوة إذا اقتضى الحال "كيضربني آخَيِّي... كِغادي ندير معاه، راه تيغلبني" تقول "دْرِيسيَّة" بقسمات وجه تتفجر منها آلاف المعاني.

محنة تليها محنة..

لم تتجاوز ادريسية عقدها الرابع، لكن التجاعيد تغطي وجهها عن كامله. بجسم يكاد يختفي، وعينين مضمرتين، وأسنان متفاوتة القد، تستعيد ادريسية شريط أحداث ليلة قاسية: " شدني المخاض، بأرض خلاء، فانجبت طفلتي لم أجد سوى الله وحده، وصل لعلمي أن "الميركاني" هدم خيمتي بجرافة، أتلفت كل ما كان بها من حاجياتي وحاجيات أبنائي، هرعت إلى عين المكان والطفلة تبكي دون انقطاع، بكيت بدوري حتى كدت أفقد عقلي، والناس تتفرج، لم يمض سوى ثلاثة أيام حتى ماتت الطفلة كانت آية في الجمال، لقد تسبب في قتلها الميريكاني" تضيف "دْرِيسيَّة" ، وهي تعض على شفتيها حسرة وألما، فيما الغضب يطفح من وجهها الشاحب.

"المريكاني"، حسب "دْرِيسيَّة" هو رجل يسكن في مدينة جرف الملحة القريبة من بلدة الخنيشات، علاقته بها أنها بنت "براكتها" فوق أرضه، اغتنم فرصة ولادتها في الخلاء، فأحضر على وجه السرعة جرافة دكت "البراكة" عن آخرها، قضت بعدها ادريسية وأطفالها أسابيع وهم يبيتون فقط تحت الأشجار قبل أن تبني "براكة" جديدة فوق أرض متنازع عليها بين شخصين لحد الساعة.

وقبل هذه "البراكة" التي هدمها "الميريكاني" كانت "دْرِيسيَّة" تقيم في شقة مهجورة في مؤسسة النادي النسوي التابعة لوزارة الشبيبة والرياضة، الموجودة سابقا، في قلب بلدة الخنيشات، لكن بعد أن حاز "سمسار عقار" بطريقة "مفيوزية"، حسب ما تحكيه الساكنة، على الأرض التي يوجد فوقها النادي، أفرغ "السمسار" بطريقة "وحشية"، حسب وصف مصادر محلية، "دْرِيسيَّة" من الشقة المهجورة، قبل أن تبني "براكتها" فوق أرض "الميركاني".

تضع طفلها أمام باب مسجد لا مساعد ولا رحيم في ليلة ظلماء باردة

يتذكر معظم ساكنة البلدة تلك الليلة الظلماء الباردة، التي أنجبت فيها "دْرِيسيَّة" طفلها البكر. خالد أحد هؤلاء الساكنة، يقول لموقع "بديل" والألم يعتصر قلبه من خلال قسمات وجهه(يقول): كانت ليلة باردة جدا التَّبْرُورِي كيطيحْ خيط من السْمَا"(ثلج صغير يتساقط من السماء) لكن "دْرِيسيَّة" وضعت طفلها امام باب المسجد لم يقدم لها يد العون اي أحد بقيت على حالها قبل أن تنسحب إلى خيمتها رفقة طفلها".

حياة بطعم الموت

رائحة نتنة تُزكم الأنوف تنبعث من "البراكة". مساحة الأخيرة، 10 امتار طولا وعرضا، يحدها غربا سياج يشبه "سياج سبتة المحتلة"، وشرقا وشمالا وجنوبا تحدها أراضي خالية.

داخل "البراكة" دجاجة، أسمال، أفرشة متسخة، قنينة غاز وبضع أواني مهترئة يطلي السواد معظمها.

داخل فراش متعفن، تمدد قاسم وحيدا يصارع مرضه، دون دواء ولا اسعافات من أحد غير خدمات "دْرِيسيَّة".

"سزيف مغربي"..

يجوز وصف هذه المرأة، ودون مبالغة بـ"سيزيف المغرب"، طيلة اليوم وهي تجوب شوارع منطقة الخنيشات، تتسول في مقاهي البلدة، أينما حلت وارتحلت تجد من يمرح معها، إنها غاية في البساطة والطيبوبة والمرح.

" ادريسية... وااادريسية" هكذا يناديها كل من مرت أمامه، يستحيل أن تمر المعنية بحي او شارع دون أن تجد من ينادي باسمها على الاقل، أما الأطفال فقد غدت ادريسية لعبتهم المفضلة في الشوارع، يلقونها أحيانا بالحجارة وهي لا تتردد في مبادلتهم الحجارة، وأحيانا أخرى يكتفون بمعاكستها ورميها بما لا تطيق من الكلام فتجدها "جاذبة" عليهم، غير عابئة بالمارة.

حركة دؤوبة وعمل  لا ينقطع..

يستحيل أن تجد "دْرِيسيَّة" جالسة راكنة دون حركة، طيلة اليوم وهي تعمل وتكد، تستيقظ باكرا كل صباح، اول ما تقوم به تكنس واجهة "براكتها" حتى مسافة بعيدة عنها بواسطة "مكنسة طويلة" تشكلت من عشب يسمى بالمنطقة "الدوم".

تنتظر "دْرِيسيَّة" أن ينبلج الصباح حتى تجدها على باب منازل جيرانها، إن جازت هذه العبارة،  تطلب ملأ قارورات وقنينات بالماء، في غالب الأحيان تحصل حتى على حبات زيتون وخبز أو أي شيء للفطور، قبل أن تجوب شوارع البلدة، تتسول بين مقاهيها رفقة اطفالها فيما قاسم ممدد في "البراكة ينتظر الحصيلة "ويا خيبتها إذا عادت بخفي حنين، فتلك قصة أخرى...