كان أحد رجالات الدعوة إلى الله، من جماعة التبليغ، يلقي درسا في أحد الدواوير، حول صفات النبي صلى الله عليه وسلم، فروى في هذا الصدد حديثا للبراء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا مربوعا، عريض ما بين المنكبين، كث اللحية. .. فقاطعه صاحب البيت، وكان بدويا لا يقرأ ولا يكتب، متعلقا بأهذاب المخزن إلى حد العبودية والانسحاق، قائلا: لا.. سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم ، ما كانتش عندو اللحية!!!.. وأمام ذهول الحاضرين نهض مسرعا، وفتح صندوقا كان مركونا بأحد جهات البيت، وأخرج منه صورة للملك الراحل محمد الخامس، وقال لهم: هانتو شوفو!!!..


هذه القصة التي سمعتها منذ زمن طويل، قد تكون حقيقية، وقد تكون من وحي الخيال أحد الظرفاء، لكنها معبرة عن طبيعة تدين كثير من المغاربة والعرب، والذي هو تدين سلطوي، يماهي بين الإله وشيخ القبيلة، كما كان عند الشعوب البدائية، ويجعل من السلطة معبدا مقدسا، تقدم لها الطقوس والقرابين، وتلوى رؤوس الآيات والترانيم لتناسب أهواء أصحاب الشوكة والنفوذ والغلبة.
نحن اليوم أمام ما سماه العلامة ابن خلدون ب" دين الانقياد" الذي يخرج لنا إسلاما تاريخيا بعناوين إلهية ومضامين سلطوية، من انتقده قيل له، لقد خالفت سنة معلومة، شب عليها الصغير، وشاب عليها الشيخ الكبير، وجئت ببدع تخالف ما جاءنا عن سلفنا الصالح، ومن وافقه فهو على المحجة البيضاء التي لا يعرف خلافها.


دين الانقياد يصور لأتباعه أن الزمن هو "زمن السكوت، وملازمة البيوت، وذكر الحي الذي لا يموت"، وبذلك تكتمل حلقات الفتنة، ويعم البلاء، ويتشبث العوام بالظواهر والقشور، يرخون لحاهم ويسدلون ثيابهم، فيظنون أنهم بلغوا مراتب الإحسان، فمن آثار السلطة في الدين هو هذا الثرات الغزير، الذي يعلي من شأن الأمور الصغيرة، ويزاحم بها النفائس والقضايا العظيمة.


لقد تم عبر مرحلة تاريخية طويلة اختطاف الدين، من خلال "عمليات مذهبية وطائفية استعملت كل أشكال البتر والتحريف والتأويل ووضع الصحيح في غير مكانه ولغير سياقاته ومقاصده".. فإقامة الوزن بالقسط، لا تعني وزن البضائع، كما يفسرها صبية وعاظ المساجد، إنما تعني العدل والحق والانصاف والمساواة.


إن بنية العقل البدوي "مسكونة ببنية المماثلة بين الإله والحاكم".. هذه البنية المنغرسة في اللاشعور الجمعي، تختطف الدين من كونه دين العدل إلى دين يكرس الجور، لقد تم تشويه الدين بالجور، وتحسين وجه الجور البشع بالدين، وبذلك حسب صاحب كتاب "المقدمة السياسية لفهم التاريخ" " فقد تشوهت أخلاق الكثيرين من المسلمين، فتجدهم من حيث الجملة من أقول الناس بالجميل، وأعملهم بالمعصية، ومن أعدلهم في العموميات، وأظلمهم عند التفصيل، ومن أكثرهم تمسكا في الظنيات، وشكا في القطعيات والبديهيات، ومن أقواهم تمسكا بالأثار المذهبية والخصومات، وأهونهم تمسكا بالوحدة والاجتماع، ومن أجلدهم تعبدا بالطاعات الصغرى، وأضعفهم عن الطاعات الكبرى.. كل هذا مع طول لسان، وبسط بنان، وسلطة ظاهرة، وعامة تابعة"!!!
لقد وعظ المسلمون حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، فإذا وضع عليهم السوط خنسوا واستكانوا، وإذا رفع عنهم بطروا وجاروا، كما يذهب المعلم الشهيد صاحب "الظلال"، وصاروا مستبدين صغارا يعيشون في كنف المستبدين الكبار، كما يصورهم صاحب "طبائع الاستبداد، ومصارع العباد"، يجللهم دين الانقياد، وبدل أن يكون الدين زفرة للمضهدين، صار أفيونا للشعوب حسب صاحب كتاب"رأس المال"
يذكر النويري في كتابه "نهاية الإرب" أنه كلما ذكر اسم الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، في أي محفل أو غيره، إلا وسجد من سمع بذكره، وقبل الأرض إجلالا له، وذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" أن أهل الأسواق كانوا يسجدون له في الطريق، أثناء مروره!!..
ولما فشل دين الانقياد، ولابد أن يفشل في الماضي والحال والمآل، في تحقيق مقاصد الدين الحقيقيةن وغاياته النبيلة، كان لا بد من تدخل حراس المعبد، من يمثلكون سيف السماء الرمزي، من اختلاق أسباب هذا الانحراف، فذهبوا إلى أن السبب هو ذنوب "العامة الصقعة"، وقالوا بلغة أهل البيان:" أن عدم إطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام" هي السبب الرئيسي، والعلة القاتلة، والمتهم الوحيد، وقضي الأمر، وتواطئ الجميع على الجريمة"!!.. وأخرجوا ما يسمى ب "مركب الفساد والاستبداد والتبعية" من دائرة الاتهام!.
الدين اليوم مختطف بين "مدرسة عدالة السلف"، و"مدرسة عصمة آل البيت"، فبين العدالة والعصمة يتم اغتيال العقل، ويقرأ الجميع التاريخ بأعين عليها غشاوة الجهل، وبلادة التقليد، وغباء التقديس.. وكلا المدرستين تمنح الحاكم صفات النبي والإله، وتجعله كائنا متعاليا، يجلس على قمة الهرم المجتمعي، لا يحاسب ولا يراجع، ولو جلد الظهور، ونهب الأموال، وانتهك الأعراض، مادام يصلي!!!.
الدين الحقيقي اليوم مختطف، يحتاج إلى جهد استثنائي لإطلاق سراحه.. الدين الحقيقي اليوم تحت الأنقاض، ويحتاج لجهد استثنائي لإخراجه.. الدين الحقيقي اليوم متهم، ويحتاج لمحام ماهر ليرافع عنه، الدين الحقيقي اليوم يساء إليه، ويحتاج لقاض نزيه لينصفه، الدين الحقيقي اليوم غارق في مستنقع الجهل والتقليد والخرافة، ويحتاج إلى نهضة فكرية تجدد مقاصده ومعانيه ونوازله وسياقاته.