عندما اشتد الخناق على رئيس الحكومة في مدينة وجدة تحت ضغط شعارات المحتجين والغاضبين، تساءل عن الدولة وطلب حضورها إلى القاعة. ربما أحس في تلك اللحظة بأنه يحتاج للحماية. وهذا من حقه طبعا، ومن حق كل المغاربة أيضا، مادامت إحدى المهام الرئيسية للدولة تكمن في تحقيق الأمن للمواطنين والمواطنات. لكن صيغة "عيطوا للدولة " التي استخدمها بنكيران تختزل كثيرا من الدلالات والمعاني، لذلك كان من الطبيعي أن تتحول تلك العبارة إلى مادة للسخرية والتهكم في مواقع التواصل الإجتماعي.
ما هي الدولة؟. يبدو أننا في حاجة لمعرفة فهم بنكيران للمفهوم. فهو عندما طالب بتدخل الدولة، إنما عبر بوضوح عن فهم سائد في المجتمع ينظر إلى الدولة كمؤسسة للضبط والسلطة والقوة. إنه وهو في موقع المسؤولية الحكومية، وهو الذي خبر السلطة ومارسها منذ ما يزيد عن أربع سنوات، يبدو أنه لم يستوعب الدلالة الحقيقية للدولة. (أو لنقل إنه يعبر عن واقع الحال عندنا). فالتأويل الأقرب إلى الواقع للعبارة التي استخدمها السيد رئيس الحكومة يشير إلى أن هاجسه الأول في اللحظة إياها كان هو إسكات الأصوات المزعجة التي أفسدت نشاطه. ولكي يتوقف صخب المحتجين وصراخهم استنجد ب"الدولة". وهذا يعني أنه كان بذلك يمنح الضوء الأخضر لتعنيف المحتجين والغاضبين...
في الأدبيات الماركسية تحضر الدولة كمرادف للعنف، فهي "جهاز قمعي" بالدرجة الأولى. وهذا هو الفهم الذي يراد أن يكرس في هذا البلد. فقد خيبت هذه الحكومة كل الآمال عندما استفاق المغاربة على حقيقة اعتقدوا بأنهم تجاوزوا حقبتها مع الدستور الجديد الذي يحلو للبعض أن يعتبره متقدما وديموقراطيا. هذه الحقيقة التي تتجلى في التعاطي الأمني مع الشارع المغربي الذي يطالب بشروط العيش الكريم، وتقابل مطالبه في كثير من الحالات بالعنف مثلما حدث طيلة الأسابيع الأخيرة مع الأساتذة المتدربين وغيرهم أيضا. ولأن الشيء بالشيء يذكر، نتذكر هنا خطاب تبرئة الذات الذي استخدمه رئيس الحكومة في سياق رده على ملابسات ما يعرف ب"الخميس الأسود" الذي عرف استخداما مفرطا للقوة في حق الأساتذة المتدربين في عدد من المدن المغربية. حينها وضع السيد بنكيران نفسه في موقع لا يحسد عليه، لأنه بدا للرأي العام أنه لا يتحكم في تفاصيل القرار السياسي في المستوى الذي يتعلق بشأن حكومي يعد المسؤول الأول عنه. وهذا يعني أنه يعترف بأن الجهات التي نفذت التدخل العنيف تتجاوز قراره وسلطته الحكومية.
ومرة أخرى يمكن أن نستدعي الفهم ذاته في ما يرتبط بما حدث في مدينة وجدة. فعندما يبحث رئيس الحكومة عن الدولة ويطلب حضورها، كأني به ينسى أو يتناسى أنه جزء من هذه الدولة بحكم موقعه وسلطته في مؤسسة رئاسة الحكومة. لكن يبدو أن السيد بنكيران لا يستحضر الدولة إلا بالمعنى الذي تعبر عنه وسيلتها في فرض الأمن، أما المعنى الذي يتوق إليه المغاربة فمازال غائبا عن أجندة رئيس الحكومة. معنى أن تكون "الدولة خادمة للشعب" - بمنطق مونتيسكيو الذي يتجسد في الدول الديموقراطية- ليس واردا في سياسات الحكومة التي يرأسها بنكيران، فالعنف الذي مارسته هذه الحكومة على المغاربة لا يتوقف عند دلالته الجسدية فحسب، بل يتخذ أشكالا أخرى لعل أبرزها العنف الإقتصادي الذي تتعرض له القدرة الشرائية للمغاربة، والذي مازالت السياسات اللاشعبية للحكومة تمعن فيه من خلال مشاريعها "التفقيرية" التي تمس المغاربة البسطاء سواء في ملف المقاصة أو التقاعد أو فصل التكوين عن التوظيف أو الإضراب أوغيرها من الملفات.
إن المغاربة يريدون دولة تحفظ كرامتهم وتجعلهم يفخرون بالإنتماء إليها. يريدون دولة يجدون فيها وقتا للحياة ووقتا للسعادة ووقتا للأمل... لكن حكومة السيد بنكيران لا تصنع الحياة والسعادة والأمل. المغاربة لا يريدون وعودا كاذبة وشعارات زائفة. لا يهمهم أن يكون رئيس حكومتهم على قدر عال من التواصل مع الناس. فما نفع هذا التواصل إذا لم يكن متناغما مع نبض الشارع؟. هم لا يريدون رئيسا للحكومة يمثل واحدة من أهم مؤسسات الدولة، لكنه يبحث عن الدولة لتحميه من غضب مواطنين مكتوين بنيران سياساته. إنهم يريدون دولة تحميهم وتخدمهم وتحقق آمالهم التي تعبوا من بنائها ومراقبتها في أحلامهم.