"السي حميد أنا مريض بزاف، راسي تيْضرني بزاف بزاف جاني واحد الألم فظيع، والرميد هو السبب؛ لقد مارس ترهيبا نفسيا شديدا في حقي" هكذا تحدث إلي القاضي محمد الهيني، بصوت خافث يكاد لا يسمع، قبل أن يشكف لي بأنه تلقى استدعاء اليوم من المقرر في ملفه لحضور جلسة استماع إليه جديدة يوم الأربعاء المقبل.

تأملوا أيها المغاربة ويا أحرار العالم، في هذه المُعطيات العجيبة الغريبة والصادمة لتخلصوا جميعا إلى أن مرض الهيني طبيعي وعادي أمام ما تعرض له من خروقات وضغوطات، ولتتأكدوا أننا أمام دولة "سيرك" ليس إلا؛

وفقا للمواد 23 و67 و68  وما بعدها في قانون المسطرة الجنائية، يحق لسارقي المال العام ومغتصبي الأطفال والممثلين بالجثثت وعتاة الإجرام  أن تشعرهم الجهة المحققة معهم بالوقائع المنسوبة إليهم، والجهة المشتكية بهم، كما يلزمها أن تشعرهم بحقهم في تنصيب محامي، وإذا لم يكن للمتهمين من المال ما ييسر لهم توكيل محامي  فإن هذه الجهة المحققة توكل عليهم محاميا، في إطار المساعدة القضائية، وكذلك يلزم على الجهة المحققة أن تشعرهم بما إذا كانوا يريد التحدث ام يلتزمون الصمت، وأن تشعرهم هذه الجهة بحقهم في رفض التوقيع على المحضر إذا لم يرضوا عن أقوالهم المنسوبة إليهم.

وأما القاضي المغربي الذي هو نائب الملك ويحكم باسمه فإنه لا حق له في استدعاء داخل أجل خمسة أيام قبل الإستماع إليه، ولا حق له في الإطلاع على نسخة من الشكاية الموجهة ضده ولا حق له في معرفة الجهة المشتكية به، ولا حق له في المؤازرة بمحامي حلال التحقيق الإدراي أمام المقرر في ملفه ولا حق له في محضر يوقع عليه، ولا حق له في وثائق الملف داخل أجل 15 يوماـ والمصيبة أن من يهضم هذه الحقوق للقاضي هو زميله القاضي، وطريفة الطرائف أن هذا القاضي يلزمه الفصل 117 من الدستور المغربي بـ"حماية حقوق الإفراد والجماعات" وهو نفيه غير محمية حقوقه، فكيف لمهضوم حقوقه أن يحمي حقوق الناس؟ وكيف لا يمرض السي الهيني، خاصة وأنه يرى المسطرة ضده تسير بسرعة البرق في اتجاه عزل!

تصوروا  أبسط موظف أو عامل في ورشة مكفول له أن يحضر مؤازرا بمندوب الأجراء ومحامين، وليس مكفول ذلك للقاضي، والأغرب أن القاضي المتهم يَستمع إليه مسؤول قضائي كير وهو وكيل عام في العاصمة الإقتصادية للبلد، وفي الأخير ينهضان دون ان يوقع القاضي المتهم على أي محضر، وكأنهما كانا جالسين في مقهى يتبادلان أطراف الحديث حول أسباب زيارة رونالدو للمغرب!

تخيلوا حتى شريعة حمو رابي الصادرة قل 4000 سنة قبل الميلاد، يتيح "قانون  الألواح الإثنى عشر" أن يطلع المتهم على الجهة المشتكية به، وفي المغرب لا يحق للقاضي الذي هو ممثل الملك في المحاكم والناطق باسمه معرفة الجهة التي تشتكي به، بل حق له حتى في تعليل للحكم الصادر في حقه من طرف المجلس الأعلى للقضاء، وهو حق مكفول لمغتصبي الاطفال والممثلين جثثت الأرياء!

قضية الهيني عنوان لنكسة حقوقية ودستورية كبيرة في البلد، كما هي عنوان لمعانات شعب بأكمله مع مخزن عتيق التفكير، يصر على الحكم وفق "نظام الأب" لا نظام المؤسسات والدستور، ووحدهم الأغبياء  من يستهينون بمعركة الهيني من اجل الديمقراطية،  كما وحدهم البلداء من يتساءلون لماذا الإهتمام بقضية الهيني؟ ولو كانت النخبة المغربية في المستوى المطلوب لجعلت من هذه المعركة شرارة لانبعاث حراك شعبي جديد، ولكن مع كامل الأسف  هذه النخبة بدورها تعاني من كثير من الأمراض التي تعاني منها السلطة في هذه البلاد.

في أبسط القضايا يخرج قادة الأحزاب المغربية لينددوا بفعل أو ليعربوا عن موقف من قضية وطنية ما واليوم، وحيث "يُذبح" الدستور الذي هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، في ملف القاضي محمد الهيني، كما  "ذبح" في مشاهد أخرى، لم نسمع صوتا ولا رأينا أثرا لكل هؤلاء القادة الكارتونيين، في مشهد مخجل ومقزز ويندى له الجبين، وكأنهم ينتظرون "إشارة" من أحد!

وحتى نؤكد لكم على أننا نعيش في دولة سيرك وعبث تأملوا مايلي: ينص الفصل 111 من الدستور المغربي على حق القضاة في التعبير عن آرائهم، وحين قال قاضي إن مشاريع قوانين النظام الأساسي للقضاة "نكسة دستورية" اعتبر الوزير، بحسب ما نقله الهيني عن قضاة،  ذلك الرأي خروجا عن واجب التحفظ والوقار بل واعتبر "موقفه  يكتسي "صبغة سياسية"، فقرر متابعته، وفقا لمسطرة تخرق أبسط قواعد المحاكمة العادلة التي ينص عليها الدستور نفسه، الذي اعتبره  مسؤول نافذ في وزارة العدل " مجرد مبادئ عامة"، بعد أن قال  بنكيران على قناة الجزيرة يوم الأربعاء 2 يوليوز من سنة 2012،  أنه بعد تعيينه رئيسا للحكومة توصل بتوجيهات مكتوبة من الديوان الملكي تطلب إنفاد تعيينات معينة، لكنها كانت مخالفة لروح الدستور، مضيفا أنه حار في كيفية التعامل مع تلك التوجيهات لكن الملك أنقذه، حيث “اتصل بي بمبادرة منه، وقال لي: إذا جاءتك توجيهات من الديوان الملكي تخالف الدستور فلا تنفذها“. قبل أن يؤكد نكيران نفسه في حلقة الأربعاء (13/5/2015) من برنامج "بلا حدود"، بأن " الملك محمد السادس هو الذي يحكم المغرب بنص الدستور، بينما تتولى الحكومة بعض الصلاحيات غير المطلقة". بالله عليكم هل هناك "سيرك أكبر من هذا "السيرك"؟