عبد الله أفتات

ما يجري بدولة العراق من أحداث متسارعة فاجأت معظم المتتبعين، جعلتني في هاته الزاوية أتجه مرغما نحو الشرق على اعتبار أن مستجدات الساحة العراقية سيكون لها بالتأكيد تأثير على التوازنات الحالية خاصة الصراع بين إيران الشيعية والسعودية المحسوبة على أهل السنة، المستجدات تقول أن تنظيمات وقوى سنية بقيادة الجيش الإسلامي في العراق وهو أحد أكبر فصائل المقاومة السنية، وبمباركة من هيئة علماء المسلمين التي يقودها الشيخ البارز حارث الضاري، التي أصدرت بيانا بالمناسبة اعتبره البعض في غاية الروعة، على مشارف بغداد التي يحكمها نظام شيعي تابع لإيران كليا وبشكل طائفي وبيد من حديد، والمستجد البارز هو أن الرئيس الإيراني يصرح أن بلاده تدرس إمكانية التعاون مع الولاية المتحدة الأمريكية للتدخل في العراق .

نشير بداية إلى أن ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام المعروفة ب "داعش" التحقت بالثورة وتصدرت الواجهة الإعلامية دون أن يكون لها جهد حقيقي ونوعي في الميدان والأدلة على ذلك لا تعد ولا تحصى سأعود إليها لاحقا ضمن هذه السلسلة، خاصة وأن البعض يتحدث أن هناك جهات استخباراتية تحرك هذا التنظيم المسمى "داعش" وبالخصوص على المستوى الإعلامي لتشويه صورة الثورة التي تشارك فيها تنظيمات وأحزاب سنية نوعية ومحترمة وتحظى باحترام كبير سواء وسط الشارع السني العراقي أو في العالم الإسلامي ويكفي أن معظم رموزها العلمية لها مكانتها داخل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين التي يقوده الدكتور يوسف القرضاوي، وهي التنظيمات التي تحولت إلى مسلحة بعد شهور من الاعتصامات السلمية المدنية والتي هاجمها الجيش النظامي الشيعي بهمجية غير مسبوقة خلفت اعتقالات وقتلى وجرحى .
ما سأطرحه قد يتقاطع مع السياسة الخارجية السعودية لكن قطعا ليس دفاعا عنها، فالنظام السعودي استبدادي ديكتاتوري قمعي يعيش خارج زمانه، كما أن هذه السلسة قد يعتبرها البعض قاسية في حق الجمهورية الشيعية إيران وهو كذلك على اعتبار أن إيران خدعت لمدة طويلة العالم الإسلامي وطليعته بشعاراتها البراقة التي تكسرت اتباعا على صخرة الواقع منذ سقوط نظام الراحل صدام حسين، بحيث أن إيران ما ناصرت قضية من قضايا الأمة، بل بالعكس التآمر كان هو العنوان البارز في تعامل إيران مع مشاكل وإشكالات العالم الإسلامي .
وقبل أن أتحدث عن ما يجري بدولة العراق والثورة المسلحة التي وصلت طليعتها إلى مشارف العاصمة حيث الجيش النظامي الشيعي الذي صرفت عليه الملايير يقف عاجزا أمام قوة وصلابة المعارضة السنية المعتبرة، سأحاول أن أعرض بعض مظاهر تآمر إيران الشيعية على العالم الإسلامي السني، حتى نفهم جيدا ما يجري على الأرض .
وسنبدأ بما صرح به اليوم السبت 14 يونيو 2014 الرئيس الإيراني حسن روحاني، حيث عرض تعاون بلاده مع واشنطن في أي تدخل عسكري ضد ما أسماه "الإرهابيين" في العراق، وهو بذلك يحفز أمريكا على التدخل خاصة وأن الرئيس الأمريكي سبق وأن صرح أن بلاده لا تفكر في التدخل العسكري، إذن أين شعار الثورة الشيعية التي كانت تعتبر أمريكا "الشيطان الأكبر"و "العدو الأكبر" ,,ومن التدليس الذي تحاول إيران أن تفرضه خاصة على المستوى الإعلامي أن يصف رئيسها ثورة السنة ب"الإرهابيين" لتبرير التدخل العلني، وإن كانت قوات الحرس الثوري الإيراني متواجد بقوة وبعناصر خاصة ومتدربة منذ سقوط نظام صدام حسين .

والواقع أن التعاون الأمريكي الإيراني ليس وليد اللحظة بل يعود إلى عقود و كشفته بالواضح وبالأدلة أحداث سقوط صدام، وأكدها علنا محمد خاتمي الرئيس الإيراني السابق المحسوب على الإصلاحيين حيث قال " أنه لولا إيران لما استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تتدخل عسكريا في العراق وأفغانستان"، إنها قمة العمالة، وأستحضر هنا ما صرح به المسؤول العسكري الراحل لحركة المقاومة الأفغانية ضد الاحتلال الغربي لما سئل عن رأيه في إيران وتعاونها وتسهيل مأمورية الاحتلال قال "سنؤجل محاسبة هؤلاء إلى ما بعد أن ندحر الاحتلال الغربي" وهو ما يؤكد التعاون الأمريكي الإيراني .

بعد دخول قوات الاحتلال إلى العراق بقيادة أمريكا سنة 2003 نهجت إيران مجموعة من الأساليب في تعاملها مع الأحداث المتسارعة التي كانت معظمها تسير في صالحها، علنيا كان الإعلام الشيعي يتحدث عن احتلال مقابل وصف المقاومة ب" الصداميين و التكفيريين والإرهابيين" ، وعلى مستوى الميدان تعاون استخباراتي مع القوات الأمريكية بقيادة الحرس الثوري الذي توزع إلى مجموعة فيالق أبرزها فيلق "القدس" و"بدر" الذي عمل على التصفية الجسدية لكل الأطر السنية التي كان يشكل بعضها ركائز نظام صدام حسين خاصة تلك التي كانت لها أبحاث ومبادرات علمية بارزة، فعوض الاستفادة من خدماتها وكفاءاتها خاصة وأن بعضها حصل على جوائز علمية عالمية يتم تصفيتها لأنها محسوبة على الأحزاب السنية، مما دفع العديد من أساتذة الجامعة مغادرة البلاد .
مستوى آخر منحته إيران الصدارة في تعاملها مع الاحتلال الأمريكي للعراق وهو المجال الديني، حيث جندت علماء الدين الشيعة لإقناع الناس خاصة في الجنوب حيث التواجد القوي للتشيع بأن أمريكا جاءت من أجل إعادة الاعتبار للشيعة، وكانت فتوى المرجع السيستاني أبرز ما يمكن الاعتماد عليه لدرجة أنه جاء في الفتوى أن مواجهة المحتل بالسلاح يدخل إلى جهنم .
في هذا الوقت تحملت تنظيمات سنية معتبرة مسؤولية رفع راية المقامة المسلحة في وجه قوات الاحتلال التي أرغمت تحت الضربات القوية الاحتلال على التفكير بطرق أخرى، أما الحديث عن "داعش" و"الزرقاوي" فيؤكد الدكتور حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين السنية في حديث لقناة الجزيرة أنها مجرد فرقعات إعلامية يتم تسليط الضوء عليها من طرف الإعلام الأمريكي والإيراني ومن يدور في فلكهما في محاولة لتشويه صورة أهل السنة في العراق، أما الواقع والميدان فيقول أن المقاومة نظيفة تقوم بواجبها الشرعي في مواجهة المحتل، مما يتضح معه أن السلوكات الشاذة التي نسمعها من هنا وهناك تبقى حالات معزولة من جهة، وتطرح أكثر من علامة استفهام حول من يحركها بعد أن بدأت تظهر بعض الأخبار التي تفيد أن هناك علاقة بين القاعدة وإيران .

وبعد سقوط صدام ظهرت فجأة العشرات من القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية كلها تجمع على سب الصحابة والنيل منهم واعتبارهم كفرة مارقين فاسقين، وفي مقدمتهم أبو بكر وعمر ابن الخطاب الذي وصفة الخميني أب الثورة الشيعية ب"الزنديق"، وكلها تتلقى الدعم من الحرس الثوري، هل بهذه الطريقة سنحقق التقارب بين المذاهب أم أن إيران تضحك على ذقون أهل السنة، وحسنا فعل الدكتور القرضاوي عندما علق ذاك الحوار مع إيران خاصة وأن من بين النقاط كمقدمة والتي رفضت إيران تنفيذها هي هدم ضريح أبولؤلؤة الذي اغتال عمر ابن الخطاب والذي يعتبر في إيران بطلا قوميا حتى أن ضريحه لا تفرق بينه وبين ضريح ملك أو سلطان .