لماذا يُصر البعض على تقديس الملك رغم أن الأخير أزال عنه صفة القداسة في الدستور؟

مناسبة هذا التساؤل ما ورد علينا من مكالمات ورسائل من أصدقاء أعزاء مشهود لهم بالوطنية والباع الطويل  في الثقافة، نصحونا فيها بالابتعاد عن الملك وعدم التطرق إليه وإلى خطبه بشكل مطلق ونهائي، بحجة أن أي نقاش في  الخطاب الملكي يعطي فرصة للخصوم، خاصة وأن الملك " أفضل لاعب في الحياة السياسية المغربية، وله من الشرعية ما يكفي لجعل مقالاتنا خارج السياق" بحسبهم.

وطبعا، الشكر موصول لجميع هؤلاء الأصدقاء، وبحكم ثراء هذا النقاش القديم/الجديد، آثرنا أن ننقله لقراء ومثقفين آخرين إغناءً لهذا النقاش ودرءً لأي لبس.

والبداية بتساؤل بسيط:  من منكم يذكر قول عمر بن الخطاب : "لو عثرت دابة في العراق لسئل عنها عمر"؟وقبله قول الخليفة أبي بكر الصديق عندما بويع بالخلافة بعد بيعة السقيفة؛ حيث حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني.."؟ ثم من منكم يمكنه أن يجيبنا عن التساؤل التالي: لماذا فشل المسلمون في تحويل الإسلام إلى دولة قائمة على تعاليمه ومقتضياته؟ ومن منكم يفسر لنا لماذا فشل اليساريون في تحويل الشيوعية إلى دولة قائمة على التعاليم الماركسية ومقتضياتها؟ ولماذا نجح الليبراليون في تحويل الرأسمالية إلى دولة بصرف النظر عن عيوبها العديدة؟

الجواب بسيط؛ لأن الرأسمالية راهنت على بناء المؤسسات وجعلت قوة الدولة من قوة مؤسساتها، أما المسلمون وكذلك اليساريون فقد كانوا كُلياليين وشموليين، وراهنوا، بخلاف روح الإسلام والماركسية، على بناء الرمز  فقط ولم يراهنوا على بناء المؤسسات والرمز، لهذا كان عُمر الدول الإسلامية والشيوعية أقصر من عمر الدول الرأسمالية، فما أن يتوفى الرمز داخل التجارب الإسلامية أواليسارية حتى يدخل شعباهما (الرمزان) في زمن الانحطاط في انتظار أن يُبعث رمز جديد وقد لا يبعث.

هذه هي القضية ياسادة، فعندما  يتساءل الملك أين الثروة؟ وينفرد بتوزيع المأذونيات، وعلاج الفنانين والتكلف بمصاريف دفنهم، وينفرد بتدشين المشاريع مهما كان صغرها، ويكرم بنسعيد آيت يدر ويثني على بنبركة ويخصه ذكرى اغتياله واختطافه برسالة، وحين يدعو الملك الفاعلين الحزبيين إلى تجنب ما وصفها بالمزايدات السياسية، في وقت تجد فيه أغلب الناس يهتفون بحياة الملك وبالموت للبرلمانيين وأمناء الأحزاب السياسية والحقوقيين والصحافيين ووزراء الحكومة فإننا إزاء بناء دولة الرمز  فقط لا دولة المؤسسات والرمز.

الملكية حاجة أمنية وإجتماعية والملك رمز استقرار في المغرب لكن هذا الرمز وحده لا يكفي بل يحتاج لدعم مؤسسات، خاصة مؤسسات حزبية تكون "بارشوك" أمام أي تهديد لها ولأمن المغرب والمغاربة. لماذا مؤسسات حزبية؟ لأن الأخيرة هي من تفرز النخب البرلمانية والحكومية؛ فحين تكون الأحزاب أصيلة وقوية تنتج حكومة قوية و نخبا برلمانية حقيقية قادرة على التشريع ومراقبة أداء الحكومة، لكن حين تكون ضعيفة تصبح أكبر خطر على الملكية نفسها؛ لهذا في صالح الملك اليوم أن يقوي الأحزاب السياسية لا أن يتفرج على ضعفها والتدخل في شؤونها كما يقول رئيس الحكومة ومعظم الأمناء العامون لهذه الأحزاب.

هذا هو الفرق بيننا وبينهم، فحين نناقش الخطاب الملكي والممارسات الملكية ـ وطبعا لا نناقش شخص الملك بل خطبه ـ فليس من باب المزايدات أو "التفرعين" بل من باب التنبيه وباب الرغبة في رؤية ملك قوي مسنود بمؤسسات قوية لا ملك قوي محاط بمؤسسات ضعيفة، وكذلك من باب الوصول إلى دولة الرمز والمؤسسات لا دولة الرمز فقط!

كان الحسن الثاني رحمه الله يعتقد أن أفقير والدليمي وآخرون بعضهم لازالوا إلى اليوم أحياءً، هم أخلص الناس إليه، لكن الواقع أتبث عكس ذلك مع كامل الأسف.. وبعد هذا قال محمد الساسي: من يحب ملكه عليه أن يقول له الحقيقة!"