يعتبر قرار المجلس الدستوري بشأن مراقبة دستورية قانوني السلطة القضائية خطوة هامة على درب تقوية دولة المؤسسات بما تتضمنه من سلطة قضائية حقيقية وفعلية مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية .

إن أهمية هاذين القرارين ترجع في كونهما تضمنا مرتكزات مبدئية فصلت في النقاش والجدال بين القضاة وجمعياتهم المهنية والمنظمات الحقوقية الوطنية والدولية من جانب ووزارة العدل وأغلبيتها الحكومية والبرلمانية من جانب آخر بشأن حقيقة وجود السلطة القضائية ومداها، وأضفت على استقلاليتها ونطاقها بعدا قويا وحاسما ومفصليا عموديا وأفقيا عبر خريطة متوازنة للسلطات الثلاث في الدولة وتقاطعها في المجال القضائي من خلال ضبط وتحديد ملامح سلطة قضائية مستقلة للمستقبل أطرتها رقابة المجلس الدستوري لتقطع مع التدخلات والتأثيرات" التشريعية" من السلطتين الاخريتين في مهامها واختصاصاتها.

ويمكن القول أن توجهات المجلس الدستوري وملاحظاته لم تكن بمعزل عن التراكم القضائي والمهني والعلمي الذي أفرزه الحراك القضائي لنادي قضاة المغرب من خلال المقالات العلمية لقضاة الرأي وخلاصات ندواته وتقاريره، فجاء في العديد من النقاط المضيئة مؤصلا وشارحا ومؤيدا للمرتكزات المبدئية للسلطة القضائية بما يرتقي بها لسلطة قضائية رآسة ونيابة عامة مفصولة عن السلطة التنفيذية بما لا يمس التعاون الذي يجب ان يكون في نطاق ضيق ومحدود بما لا ينتهك مقومات الاستقلالية،معتبرا أن السلطة القضائية لا تختزل في المجلس الاعلى للسلطة القضائية ،وأنه لا استقلال للسلطة القضائية إذا لم يمنح للمسؤولين القضائيين الإشراف الإداري على المحاكم،وللنيابة العامة استقلاليتها عن السلطتين التشريعية والتنفيذية باعتبارها سلطة قضائية قائمة الذات .

وتجدر الإشارة أن المجلس الدستوري حاول أن يعضد الاستقلال المؤسساتي للسلطة القضائية دون أن يغفل الاستقلال الفردي الذي عمل على تحصينه وتقويته عبر حماية الأمن القانوني الاجتهادي أو المهني للقاضي سواء في إطار مؤسسة النقل أو منظومة التأديب .

وهكذا سنتوقف مع القرارين لتحديد اهم موجهاتهما وخلاصاتهما الأساسية لقياس منسوب دعم استقلالية السلطة القضائية فيهما:

أولا:قرار المجلس الدستوري رقم 992/16 م.د ،في الملف رقم 1474/16،والصادر بتاريخ 15/3/ 2016 بشأن مراقبة دستورية القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة بشأن مراقبة دستورية القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة والذي صرح :

1ـ بأن عبارة "بصفة خاصة" الواردة في الفقرة الثانية من المادة 97 من القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، وما ورد في البند الأول من نفس الفقرة من "إخلال القاضي بواجب الاستقلال والتجرد والنزاهة والاستقامة"، وما تضمنه المقطع الثاني من البند التاسع من نفس الفقرة من "أو الإدلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية"، مخالف للدستور؛

2ـ بأن المواد 35 و43 و72 والبندين الثاني والثالث من الفقرة الثانية من المادة 97 من القانون التنظيمي المذكور، ليس فيها ما يخالف الدستور، مع مراعاة الملاحظات المسجلة بشأنها؛

3ـ بأن باقي مقتضيات هذا القانون التنظيمي، ليس فيها ما يخالف الدستور؛

4ـ بأن عبارة "بصفة خاصة" الواردة في الفقرة الثانية، والبند الأول من هذه الفقرة، والمقطع الثاني من البند التاسع من نفس الفقرة من المادة97 المذكورة أعلاه، المصرح بعدم مطابقتها للدستور، يمكن فصلها عن أحكام هذه المادة، ويجوز بالتالي إصدار الأمر بتنفيذ القانون التنظيمي رقم106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، باستثناء هذه المقتضيات؛

وإذا كان هذا هو منطوق القرار ،فلا بأس من التعرض لتقييم مبادئه وخلاصاته التالية :

1-عدم دستورية تحديد لائحة الأخطاء الجسيمة على سبيل المثال اعتبارا للعواقب الوخيمة المترتبة عن توقيف القاضي ومراعاة لجسامة مسؤولياته، فإن على المشرع أن يحدد الحالات يعتبرها مكونة للخطأ الجسيم، وأن يستعمل في ذلك عبارات دقيقة وواضحة لا يعتريها لبس أو إبهام. معرفا الخطأ الجسيم في خطوة هامة ورائدة لضمان الأمن القانوني للقاضي الخطأ الجسيم والمتمثل في كل عمل إرادي أو كل إهمال أو استهانة يدلان على إخلال القاضي، بكيفية فادحة وغير مستساغة، بواجباته المهنية لدى ممارسته لمهامه القضائية؛

2-عدم دستورية المخالفات التأديبية لعموميتها من قبيل إخلال القاضي بواجب الاستقلال والتجرد والنزاهة والاستقامة،والإدلاء بتصريح يكتسي صبغة سياسية بالنظر لعمومية العبارات التي صيغت بها والتي تجعلها تفتقر إلى مضمون محدد، لا يمكن أن تكون أساسا لتوقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه.

4-عدم جواز اتخاذ الخرق الخطير لقاعدة مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق وحريات الأطراف" و"الخرق الخطير لقانون الموضوع" أساسا لتوقيف القاضي ولا لمتابعته تأديبيا إلا بعد ثبوته بحكم قضائي نهائي؛ مميزا المجلس بين الاجتهاد، المتمثل في المجهود الفكري الذي يبذله القاضي وفق الأصول المتعارف عليها في هذا الصدد، لتفسير وتطبيق مقتضيات القانون، بما يحتمله ذلك من الصواب والخطإ والذي يخضع لطرق الطعن، وبين الخرق الخطير لقاعدة مسطرية تشكل ضمانة أساسية لحقوق وحريات الأطراف وكذا الخرق الخطير لقانون الموضوع، وهي أعمال تعتبر ـ سواء كانت عمدية أو ناتجة عن تهاون غير مستساغ ـ إخلالا من القاضي بواجباته المهنية.

3-عدم جواز نقل قضاة الأحكام، في الحالات التي حددها المشرع، دون طلب منهم، إلا بصفة استثنائية، يبررها ضمان حق التقاضي المكفول دستوريا للمواطنين؛ضمان التوازن بين المبدإ الدستوري القاضي بعدم قابلية قضاة الأحكام للنقل إلا بمقتضى القانون، والمبدإ الدستوري الذي يكفل للمواطنين حق التقاضي.

4-استقلال النيابة العامة كسلطة قضائية عن السلطة التنفيذية لتصنيف أعضائها كقضاة،ولكون الاستقلال عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية شرط جوهري للانتماء إلى السلطة القضائية، الأمر الذي يحول دون إمكان تولي من لا ينتمي إلى السلطة القضائية لمهام قضائية وبالأحرى رئاسة هيئة أساسية فيها تتمثل في النيابة العامة،وقدر رتب المجلس الدستوري تبعا لذلك عدة نتائج :

- منح المشرع صلاحية وضع السياسة الجنائية وتقييمها بدل الحكومة
-الأوامر التي توجه للنيابة العامة من طرف رؤسائها يجب أن تكون كتابية وقانوينة .

ثانيا:قرار المجلس الدستوري رقم 991/16 م.د ،في الملف رقم 1473/16،والصادر بتاريخ 15/3/ 2016 بشأن مراقبة دستورية القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والذي صرح بأن مقتضيات القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية ليس فيها ما يخالف الدستور، مع مراعاة الملاحظة المسجلة على كل من المادة 54 (الفقرة الأخيرة) والمادة 110 منه.

تعكس ملاحظات المجلس الدستوري في هذا الجانب رغبته في تقوية دور المجلس الاعلى للسلطة القضائية لينهض بدوره الدستوري في حماية الضمانات الدستورية للقضاة،وتقييم أداء العدالة باستقلال عن السلطة التنفيذية ،وهكذا أسس المجلس للمرتكزات التالية :

1- إسناد مهمة تفتيش الشؤون القضائية – التي لا تكتسي صبغة إدارية أو مالية محضة – إلى جهة تنتمي إلى السلطة القضائية؛تحقيقا لمبدأ استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، المقرر في الفصل 107 من الدستور لأن طبيعة المهام الموكولة إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بموجب الفصل 113 من الدستور، المتمثلة، بالإضافة إلى السهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة، في وضع تقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة وإصدار التوصيات الملائمة بشأنها، وكذا إصدار آراء مفصلة حول كل مسألة تتعلق بالعدالة،مما يقتضي توفر المجلس على مفتشية عامة للشؤون القضائية
2-خصوصية الإدارة القضائية لاتصالها بأعمال القضاء تبرر الإشراف الإداري للمسؤولين القضائيين على المحاكم ،لأنه إذا كانت الإدارة العمومية موضوعة، بموجب الفصل 89 من الدستور، تحت تصرف الحكومة، فإن الإدارة القضائية تتميز عن باقي الإدارات العمومية بمساهمتها المباشرة في تدبير الشؤون القضائية المندرجة بطبيعتها في مهام السلطة القضائية؛

ويترتب على ذلك أن :

-مبدأ استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، المقرر في الفصل 107 من الدستور، لا يمكن اختزاله في المجلس الأعلى للسلطة القضائية واختصاصاته المحددة في الفصل 113 من الدستور؛بمعنى أن الإشراف الإداري للمحاكم يدبر من طرف المسؤولين القضائيين تحت إشرافه،لأنه هو المكلف بوضع تقارير تخص وضعية القضاء والمحاكم .

- إقامة هيئة مشتركة بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية والوزارة المكلفة بالعدل تتولى التنسيق في مجال الإدارة القضائية يقتضيه مبدأ التعاون بين السلط لإقامة علاقات تنسيق بينها قصد تحقيق غايات مشتركة، من خلال تسهيل كل سلطة لممارسة السلطة الأخرى لوظائفها خدمة للصالح العام.
وهذا التفسير يعني بداهة سحب الإشراف الإداري للمحاكم من يد وزارة العدل وتحويلها للمسؤولين القضائيين تحت إشراف المجلس الأعلى للسلطة القضائية ،ويبقى التنسيق يشمل حصرا فقط مرفق كتابة الضبط ومساعدي القضاء في غير الأمور القضائية.

3-حضور الوزير المكلف بالعدل في اجتماعات المجلس الأعلى للسلطة القضائية لا يجوز أن يتم إلا بطلب من المجلس أو بطلب من الوزير بعد موافقة المجلس؛لتقديم بيانات ومعلومات تتعلق بالإدارة القضائية أو أي موضوع يتعلق بسير مرفق العدالة، لإندراج ذلك في إطار التعاون بين السلط خدمة للصالح العام لمرفق القضاء.

4-اختصاص الوزارة المكلفة بالعدل والوزارة المكلفة بالمالية لاتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ مقررات المجلس المتعلقة بالوضعيات الإدارية والمالية للقضاة، طالما أن ذلك يتم بتعاون مع المصالح المختصة للمجلس ويقتصر على تنفيذ مقررات هذا الأخير، وهو ما يعد إعمالا لمبدإ التعاون بين السلط المقرر في الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور.

5-المادة 110 من الدستور ، لا تشترط عرض الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض لتقاريره المتعلقة بتنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة ولا حضوره لدى مناقشتها أمام اللجنتين المكلفتين بالتشريع بمجلسي البرلمان،لأن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يمكن أن يتم، فيما يخص السلطة القضائية المستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، بنفس الكيفية وبذات الأدوات التي يتم بها في مجالات أخرى، بالنظر لطبيعة السلطة القضائية واستقلالها وآليات اشتغالها والسبل المقررة لتصحيح أخطاء أعضائها.

ويترتب عن ذلك عدة نتائج منها:

- يظل الوكيل العام للملك بمحكمة النقض مسؤولا عن كيفية تنفيذه للسياسة الجنائية، وذلك أساسا أمام السلطة التي عينته المتمثلة في رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وكذا أمام هذا المجلس الذي يتعين عليه أن يقدم له تقارير دورية بشأن تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة.

- المشرع، باعتباره المختص بوضع السياسة الجنائية، يحق له تتبع كيفيات تنفيذ هذه السياسة قصد تعديل المقتضيات المتعلقة بها وتطويرها إذا اقتضى الأمر ذلك.

- تقارير الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيسا للنيابة العامة، بشأن تنفيذ السياسة الجنائية وسير النيابة العامة، تعد تقارير تهم الشأن العام القضائي التي يجوز للجميع -طبقا للمقاربة التشاركية للمجتمع المدني- ، لا سيما البرلمان، تدارسها والأخذ بما قد يرد فيها من توصيات، مع مراعاة مبدإ فصل السلط والاحترام الواجب للسلطة القضائية المستقلة.

لكن هذه المرتكزات المبدئية على أهميتها وصلابتها لم تمنع من تسرب بعض الهنات للقرارين ستكون موضوع دراسة لاحقة.