مصطفى المريني

لم يكتف السيد رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران - هذه المرة- بتذكير الأطر العليا المعطلة بنسيان حقهم في الإدماج المباشر في أسلاك الوظيفة العمومية، والتوجه بدل ذلك إلى ترصد المباريات العمومية، والتنافس مع إخوانهم على قدم المساواة على بضع وظائف أصبحت في حكومته أندر من بيضة الديك!، وإنما تجاوز ذلك إلى إتهام الأطر العليا المعطلة بوجود خلل في دماغها، بسبب إصرارها على المطالبة بالإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية، أو على الأقل إيجاد مخارج مشرفة لوضعية العطالة التي ألفت نفسها مطوقة بأغلالها.
وسبب الخلل في أدمغة المعطلين بنظر السيد رئيس الحكومة، هو كون هؤلاء لا يريدون أن يفهموا أن الولوج إلى أسلاك الوظيفة العمومية أصبح مؤطرا بشروط دستورية وقانونية وتنظيمية صارمة، تملي على جميع الراغبين في الولوج إلى أسلاكها المرور عبر بوابة المباراة، ولا شيء غير المباراة، وذلك إعمالا لمبادئ المساواة والشفافية والنزاهة ومحاربة الفساد، التي يرفع لواءها السيد رئيس الحكومة، على الأقل في وجه هذه الفئات الضعيفة التي لا تطالب بأكثر من حقها الدستوري والإجتماعي في إيجاد فرص شغل تقيها ذل السؤال والحاجة.
لكن ما لايريد أن يفهمه السيد رئيس الحكومة بدوره هو أن هذه الفئات /الضحية لا تمانع من الناحية المبدئية على الأقل، في قبول مبدأ المباراة كمدخل وحيد للولوج إلى الوظائف العمومية، لكن بشرط أن يجيب السيد رئيس الحكومة على مجموعة من الهواجس التي تؤرق دماغ المعطلين ومنها على سبيل المثال: "ما هي إستراتيجية الحكومة في التعاطي مع معضلتهم؟ وفي إطار هذه الإستراتيجية، كم هو حجم المباريات التي سيرصدها بنكيران لمواجهة طلبات المعطلين؟ وكم يلزم المعطلين من الإنتظار حتى يتم إدماجهم؟ وماذا بالنسبة للذين فاتهم سن الولوج إلى الوظيفة العمومية؟ وما هي الصيغ والسياسات العمومية التي تقترحها الحكومة بشكل مؤقت على الأقل لصون كرامة هذه الفئة في مواجهة أعباء الحياة، كتخصيص منح إجتماعية أو مساعدات إقتصادية مثلا، أوإعداد برامج تنموية لفائدتهم لدفع غوائل الفاقة التي تتهددهم؟
هذه هي التوضيحات/التطمينات التي على رئيس الحكومة أن يقدمها إلى أرتال المعطلين، إذا كانت لديه حقا رؤية إصلاحية حقيقية في التعاطي مع هكذا معضلة إجتماعية، وعندئذ لن يجد أي خلل في أدمغة المعطلين تجاه سياسته في حل هذه المعضلة، بل سيجد منهم كل الدعم والفهم والإنخراط في عملية العلاج المتدرج الذي يفترض أن يخضع له هذا " الداء المزمن"، الذي ساهمت فيه كل الحكومات المتعاقبة، مع تفاوت في المسؤوليات بطبيعة الحال.. فالخلل إذن ليس في أدمغة المعطلين المطالبين بالإدماج في الوظيفة العمومية، وإنما الخلل الحقيقي يوجد في أدمغة الحكومة، وفي مقدمتها دماغ السيد رئيس الحكومة، الذي عجز عن إجتراح سياسات عمومية نوعية لمعالجة هكذا معضلة إجتماعية، فلجأ من أجل التغطية عن عجزه إلى سياسة الهروب إلى الأمام، وذلك بالتحجج بنصوص دستورية وقانونية (الفصل31 من الدستور، والمادة 2/22 من قانون الوظيفة العموميىة) التي تملي ضرورة المساواة في الولوج الى الوظائف العمومية عن طريق آلية المباراة.
ولعل السيد رئيس الحكومة يعرف أكثر من غيره أن هذه المقتضيات الدستورية والقانونية، يمكن إيجاد ألف طريقة لتأويلها في الإتجاه الذي يمكن أن يحل معضلة المعطلين، خاصة إذا وجدت إرادة حقيقية لدى الحكومة للتعاطي بالجدية المطلوبة مع هكذا ملف عمومي، لأن الدساتير والقوانين إنما وجدت لحل مثل هذه الإشكالات والمعضلات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية، بما يؤدي إلى إسعاد الناس وليس للتضييق عليهم، فهل لدى الحكومة هذه الإرادة فعلا؟

إن معضلة حملة الشواهد العليا هي نتيجة "خلل في أدمغة" الحكومات المتعاقبة، بما فيها بطبيعة الحال أدمغة وزراء حكومة السيد بنكيران التي صرفت الملايير على هذه الأطر من أجل تكوينها وإعدادها للإسهام في النهوض بالإقتصاد الوطني وتحقيق التنمية، حتى إذا إكتمل تكوينها واصبحت مهيأة للعطاء أغلقت في وجهها الآفاق وتركت لحالها لا تدري ما تصنع بأدمغتها ولا بكفاءاتها، فلا الحكومة إهتمت بحالها ولا القطاع الخاص إستوعب طلباتها، فأين تتوجه إذن ياسيد بنكيران للمطالبة بتشغيلها؟
إن الحق في الشغل يا سيد بنكيران تضمنه المعاهدات والمواثيق الدولية وأحكام الدساتير والقوانين الوطنية، لذلك فمن حق المعطلين، أن يطالبوك بتوفير فرص شغل لإدماجهم في الحياة الإجتماعية، أو على الأقل إيجاد صيغ عمومية لحفظ كرامتهم من ذل السؤال والفقر، وخاصة أن ثمة من طال به الأمد بإنتظار وظيفة = غودو لم تأت، فأصبح عالة على المجتمع، بل عنصراً خطراً على الأمن العام، وغداً ربما "سيخرج على المجتمع شاهرا سيفه في الناس، لأنه لا يجد قوت يومه". أليس دور الحكومات هوإطعام الناس من جوع وآمنهم من خوف؟ إذن ،مرة أخرى ،من في دماغه فعلا خلل ياسيدي الرئيس؟!..
ثم إن حل هذه المعضلة، أقصد بطالة الخريجين، لا تكمن في إحترام الدستور ولا القوانين، على الأقل في الجانب الشكلي الذي يتشبث به رئيس الحكومة في رفض طلبات الإدماج المباشر في أسلاك الوظيفة العمومية، لأن المشكل أعقد من هذا، ويتمثل أساسا في قلة فرص الشغل التي تنتجها الحكومة وكذا القطاع الخاص، والتي لا توازي طلبات الولوج إلى العمل، وخاصة وسط حملة الشواهد العليا التي ما تفتأ تتراكم سنة بعد سنة، مما يؤدي إلى أن يصبح بعضهم مع الوقت في وضعيىة عطالة مزمنة، بل إن بعضهم يفوته قطار الوظيفة العمومية الذي يشترط على ركابه سنا معينة وسلامة بدنية، بل ولياقة رياضية أحيانا لا تتوفر لغير الشباب الغض والفتي، وتخون كثيرين ممن طال دورهم لإقتناص فرصة عمل في إبانها، حتى قلت عندهم شروطها تلك، فكيف والحالة هاته نسوي بينه وبين عاطل قضى سنوات طوال في إنتظار الولوج إلى الوظيفة، دون أن يحالفه الحظ؟ كيف نلزم هؤلاء جميعا على التباري على منصب واحد، قد يكون أحدهم أشد حاجة إليه من الأخر؟
ربما قد يبدو هذا المنطق مثاليا للبعض، لكنه منطق صحيح في فلسفته وأبعاده ،لأنه يستحضر مفهوما أوسع من المساواة التي يتشدق بها رئيس الحكومة،،والمساواة - بالمناسبة- هي مبدأ أساسي لا يجادل أحد في أهميته عندما يستعمل في سياقه الصحيح، لكن يبدو في السياق الذي يوظفه فيه رئيس الحكومة "أشبه بالحق الذي يراد به باطل"، إذ ليس المطلوب هنا هو المساواة بين معطلين متفاوتين في مستوياتهم وأعمارهم وحاجاتهم وظروفهم الإجتماعية، وإن كانوا متساوين في الشواهد العلمية المحصل عليه، وإنما المطلوب هنا هوالعدل،وهو مفهوم أوسع وأشمل من مجرد نص دستوري جامد، وهذا ما يمكن أن يتحقق بدراسة كل الحالات على حدة، وذلك حسب ظروفها، ولا نعتقد ان الدساتير التي وجدت لتحقيق العدالة بين الناس وصون كرامتهم ستقف في هذه الطريق.
وهذا أساسا ما كان منتظرا من حزب المصباح الذي صعد إلى سدة الحكومة على متن شعارات المعطلين في عشرين فبراير، فإذا برئيسه اليوم يتنكر لوعوده، بل اكثر من هذا يتهم من أيدوه بالأمس بوجود خلل في أدمغتهم، لمجرد أنهم طالبوه بتدبير ملفهم المطلبي بما يلزم من الشجاعة السياسية والأدبية. فمن به خلل في دماغه حقا: السيد رئيس الحكومة الذي لا يبدي أي إهتمام جدي بمطالب المعطلين، الذين تهدر كرامتهم يوميا في الشوارع والساحات، أم هؤلاء المعطلين الذين لا يفعلون أكثر من المطالبة بتوفير فرص عمل شريفة تنقذهم من يم البطالة الذي يوشك أن يغرق كل آمالهم؟!