لا يمل الخطاب الرسمي من تذكير الرعايا بالوطنية الصادقة، والتحلي بحب الوطن والإخلاص له، وخدمته بحب وتفان. وهذا الخطاب يُذكرني ببعض الخطابات الرائجة في بعض حجرات الدرس التي كانت تُلح على الطلبة بأن يتحلّوا بالروح النقدية، وهو خطاب شائع حتى لدى بعض النجوم في عالم الفكر، الذين علا كعبهم وأصبحوا حُجج في كل نقاش جدي، فعلى سبيل المثال نجد بعضهم يقول أنه يجب أن نقطع مع الثرات لأنه سبب تخلفنا، وآخر يدعو إلى تبني قيم الحداثة الغربية، هذه النوع من الخطابات المعيارية الأدبية تم تجاوزها في المجتمعات ذات التفكير العلمي، وأثبت الواقع والتاريخ عدم جدواها، لأن لغة 'يجب' و 'ينبغي' هي لغة الشعر والأخلاق، أما العلم و الفكر فلا يعترفان بالأهواء والرغبات بل لهما منطق آخر، هو منطق الإكتشاف والتجريب والملاحظة والبناء والخلخلة. لهذا نقول بأن الوطنية الصادقة أو التفكير النقدي أو الحداثة هي ليست قلادة أو سترة نرتديها ونخلعها متى شئنا، بل إن الوطنية الصادقة تُبنى منذ الطفولة ويتم ترميمها كل يوم؛ يتم ترميمها بالعدل الحقيقي، وبالتوزيع العادل للثروات( واسمحوا لي ان أشرح لكم بالخشيبات)، أما العدل فهو هو إعطاء كل ذي حق حقه، أي مبدأ الإنصاف،.. بمعنى أن من درس ويستحق وظيفة فله ذلك، ومن أتقن عملا يجب ان يتقاضى عنه راتبا بقدر عمله، ومن انهى حياته في عمل ما، سواء كان يدويا أو فكريا أو علميا أو فنيا يجب أن يُكرم على قدر عمله. لكن لمَّا يرى المرء ميزان العدالة غير متوازن، وأن منطق العبث والخبط العشوائي هو القاعدة فلا تنتظروا لا مواطنة صادقة ولا "هم يحزنون" ...

فالحديث عن المواطنة في منظومة التراتبية الطبيعية بين المواطنين، بين الحاكم والمحكوم، أوبين فئة شريفة وأخرى أقل شرفا، هو حديث مدخول بلغة أبي نصر الفارابي، كأننا نقول بأن الأقمار الإصطناعية ظهرت عند البابليين أو الأشوريين القدامى.فالمواطنة ليست اختيارا بل هي مرحلة تاريخية ظهرت في أوربا بعد ثورات علمية حقيقية هزت وخلخلت بنية "العقل الغربي"، مثل الكوبرنيكية التي طعنت في الكتاب المقدس، والداروينية التي مرغت كبرياء هذا الكائن في الوحل، من خلال فرضية الأصل الواحد للكائنات. فانهيار التراتبية في الطبقات الاجتماعية ما كان ليتم بدون ثورة علمية تُغير نظرة الإنسان إلى العالم وذاته، هذه الثورة اكتملت مع إختراع كوبرنيك للمنظار سنة 1609م؛ حين وجه هذا الأخير المنظار إلى القمر لاحظ أنه (القمر) يتكون من جبال وضخور وحصى وبالتالي فلا فرق بينه وبين الأرض، وإذا كان القمر هكدا ومع ذلك يسبح في الفضاء فلماذا الأرض نعتبرها ثابتة ؟ فهذا التساؤلات هي التي أدت إلى التشكيك في فرضية ثبات الأرض المُدعمة بالفلسفة الأرسطية والفلك البطليمي (بطليموس) والكتاب المقدس، وهي الفرضية التي تعتبر السماء مقدسة خالدة وثابتة لأنها مسكن الإله، وتعتبر الأرض مدنسة لأن من خصائصها التكون والفساد والإندثار. المقصود أن هذه التمايز بين السماء والأرض هو ما يعطي الشرعية للتراتبية بين البشر، هو ما يعطي الأولوية والأسبقية للمؤسسة الدينية لأنها تستمد شرعيتها من عالم الإله بلغة فيورباخ، وهو عالم المقدس والثابت والمطلق ... لكن النظام الجديد الذي يساوي بين السماء والأرض يُفقد الطبقة الحاكمة والمحتكرة للدين والسلطة شرعية ادعاءاتها، وهذا هو ما يفسر الصراع المعلوم بين الكنيسة والنظام الكوبرنيكي الجديد، ومن هنا ستصبح الذات الإنسانية مصدر المعرفة والحقيقة، وبما ان الذات واحدة فلا فرق بين قس أو كاهن وعالم وحرفي ...إلخ، وهذا ما انعكس على المجالات الأخرى مثل السياسة (الديموقراطية) والأخلاق ...

مناسبة هذا الكلام الذي يحتاج إلى تدقيق أكثر لأن مجالنا هنا لا يتسع، لكي نبين فكريا وعلميا وواقعيا أن المواطنة لا ولن تستقيم في ظل منظومة قروسطوية، تُفاضل بين الناس، ونظام حكم يستمد شرعيته ومشروعيته من المقدس والسماء،ولا يمكن أن نبني المواطنة الصادقة في نظام حكم يوسع الشرخ بين مواطنيه، بل المواطنة لا توجد خارج نسق من المفاهيم مثل دولة القانون التي تطبق المساطر على أبنائها على إختلاف مواقعهم ومستوياتهم الإجتماعية بدل منطق العاطفة والغضبات والأهواء، المواطنة الصادقة تبنى حينما تعمل الدولة بكل إمكاناتها وقوتها على تكافؤ الفرص بين أبنائها، لا ان تعطي لهذا وتكرم هذا، وفقا لمعايير ذاتية وخاصة .