في يوم واحد لقن اليهود والنصارى لـ"تجار الدين"، الذين يديرون الشأن العام في المغرب، درسين في الديمقراطية.

في غواتيمالا أعلن جيمي موراليس، وهو "مسيحي إنجيلي"، تخصيصه لأكثر من نصف راتبه الشهري للفقراء في بلاده، انسجاما مع وعوده، التي قدمها في حملته الانتخابات الرئاسية، مشيرة وكالة "فرانس برس"،  إلى أن موراليس خصص 60 بالمائة من راتبه لمؤسسات تُعنى بمساعدة المحتاجين، كما ساعد ماديا على إعادة بناء ميناء داخلي ومدرسة.

وفي إسرائيل، حيث اليهود، دخل رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت، يوم الإثنين 15 فبراير الجاري، "سجن الرملة" لقضاء عقوبة 19 شهرا بعد أن أدين بالفساد، ليُصبح أول رئيس للوزراء يُودع السجن.

أما في المغرب، حيث يدير الشأن العام "اللي خدامين مع الله"، بحسب ما صرح به كبيرهم عبد الإله بنكيران،  فقد هاجم الأخير رؤوسا نافذة في الدولة المغربية، قبل أن يُطالب الملك بإبعادها عن مراكز القرار، لـ"فسادها"، وفقا لمنطوقه، واعدا بمعية شركائه في "استغلال الدين في السياسة" المغاربة، خلال حملتهم الإنتخابية، بمتابعة المفسدين وتطهيرهم ومساءلتهم، وحين دخل إلى الحكومة، وبدل أن يشرع في متابعة المفسدين وتطهير جميع مناحي الحياة المغربية منهم، لم يتورع، وأمام العالم، على قناة الجزيرة، في القول: "عفا الله عما سلف"، قبل أن يلتف على وعوده الإنتخابية بقاموس "حيواني" وظف فيه عبارات "التماسيح والعفاريت"، مُوهما الشعب بأنه حاول التغيير ولكن "آيادي خفية" عاكست سياسته.

بل والأفظع سيشرع رفقة "تاجر" آخر في الدين في "تطهير" العدالة من أشرف قضاتها، مع اضطهاد بعض الحقوقيين و أبرز المواقع الإلكترونية المشهود لها بالمهنية والإستقلالية، وخنق الحوار الإجتماعي، وقمع الحركات الاحتجاجية، خاصة حركة الأطر المعطلة والأساتذة المتدربين، بشكل وحشي ومنقطع النظير، رافضا في خضم كل هذا، منح وصولات تأسيس الجمعيات أو قبول ملفات تجديد مكاتبها.

وفي المغرب،  أيضا حيث يدير الشأن العام "اللي خدامين مع الله"، والله بريء مِما يفعلون، لا يخجل "تاجر" منهم "بلطجي" في ضرب مواطن بسيط أو حتى عجوز في الشارع العام بمدينة مكناس، بل إن "تاجرهم الكبير"  يتباهى بحمل السُّبحة أمام شاشات الكاميرا، و"التواضع" لأكل "البيصارة"، قبل التقاط صور جماعية، تتكلف "الكتيبة" بنشرها على الصفحات الإجتماعية، وإذا فضح مواطن فسادا، لا تجد النيابة العامة التابعة له غضاضة في اعتقال فاضح الفساد بدل الفاسد المسؤول عن تشييد الطريق المغشوشة، وحين تتعالى الأصوات مستنكرة هذه الفضيحة، ويتأكد "تجار الدين" أن الأمر يمكن أن يخرج عن السيطرة، والأهم عندما يتنازل المشتكي عن شكايته، لا يجد " وزير العزل" أي حرج في التماس الإفراج عن فاضح الفساد، الذي كان سيخرج بقوة القانون، حتى ولو لم يكن هناك ملتمس للنياة العامة؛ لأن صاحب المصلحة تنازل عن شكايته.

في المغرب، حيث يدير الشأن العام "اللي خدامين مع الله"، والله بريء مما يفعلون،  هناك آلاف الأسر المغربية لا تجد ما تسد به رمق العيش،  وآلاف الأسر تسكن في الكهوف والبراريك ومع ذلك لا يتورع رئيس الحكومة في تلقي كل سنة مليون درهم، وربما أكثر من ذلك بكثير، كرواتب شهرية وتعويضات عن السكن والتنقل والتعيين وتمثيل الدولة في الخارج وتعويض عن 10 أشهر بعد انتهاء الولاية، وحين يأتي إلى البرلمان ليُدلس على وعي الشعب حول وصفته بخصوص "إصلاح صندوق التقاعد"، لا يرف له جفن، وهو يتحدث عن الوطن ومصلحة الوطن و"الدواء المر" الذي على المغاربة قبول تجرعه لمعالجة وضعية الصناديق، بل ويقول في شريط فيديو، أمام شاشات الكاميرا، دون خجل ولاحياء "فين كنا حنا موالفين بشي ملاين".

 ما هي العبر من كل سبق؟

العبرة الأولى، هي أن تقسيم الناس على أساس عقائدي، هو أمر يمس بالبنية الوطنية والدينية المشكلة لعناصر الهوية المغربية، فليس كل من خالفنا ليس مسلما أو مؤمنا أو محرضا أومدفوعا أوعلمانيا أوسلكوطا أو باحثا عن الفتنة، فليس هناك فئة معصومة من الخطأ وفئة يسكنها الخطأ، فالإيمان أفعال وليس أقوال و"الإيمان الذي تنقصه الأعمال هو إيمان ميت" كما قال "إسحاق دويتشر"، لهذا يقول المغاربة اليوم لـ"تجار الدين"  إننا نريد أن نرى أفعالكم وليس أقوالكم وسبحاتهكم ولحاكم وعنترياتكم؛ لأن الإيمان لا يراه المواطن، لكونه علاقة ربانية يعرفها الخالق وحده، فغير وارد قياس درجة الايمان او القرب لله من خلال الانتماء للحزب او المواظبة على المسجد والصلاة، لكونها قد تكون مظاهر خداعة للنصب على البسطاء واستمالتهم انتخابيا كصوت  فقط، أو شراء حاجات للمحتاجين ونصب خيام العزاء أو توفير ناقلة للأموات، فالناس تطلب حقها في الشغل والعمل والتطبيب وليس الهبات والوصايا التي يعلم الله وحده درجة الاحسان فيها.

العبرة الثانية، أنك قد تجد مسؤولا يحمل السبحة ويصلي الفجر ويصوم ويجاهر بخوف الله ليل نهار لكن في الأخير تجده يتهرب من أداء واجبات خزينة الدولة وينهب المال العام ويقيم في فيلا ضخمة ويتلقى تعويضا بقيمة 15 ألف درهم شهريا عن السكن، بل والأفجع يتلقى كل شهر 5000 درهم كتعويض لتجهيز منزله بالأواني الفضية، وفي الأخير يحرم أستاذة أو أستاذا من 1200 درهم كل شهر، باسم التقشف وترشيد النفقات والميزانية العامة، بل والأخطر تجده يغض الطرف عن فاسدين استغلوا نفوذهم للسطو على صفقة التأمين الفلاحي، وعن فاسد آخر صرف 85 مليار من المال العام في ظرف سنة، في وقت تجد في دولة اليهود، رئيس الوزراء يُقاد إلى السجن فيما دولة النصارى يتبرع رئيسها بـ 60 بالمائة من راتبه على مؤسسات تعنى بمساعدة المحتاجين، رغم أن هذه المبادرات هي من صميم الدين الإسلامي السمح والكريم، الذي يحاول تجار الدين، خائبين، تشويهه، بعد أن أدرك العالم أن هُناك فرق شاسع بين الإسلام كدين محبة وتسامح وعدل في كثير من جوانبه، وبين "تجار الدين" القائدين للحكومة المغربية، الراغبين في الهيمنة على مفاصل الدولة تدريجيا.