مدخل
هل فعلا مشروع قانون الصحافة والنشر يعكس التحول المنشود فيما يخص بسط حرية الصحافة والتعبير عموما؟، هل تلتزم مواده المقترحة بمقتضيات كفالة وحماية حرية التعبير والصحافة كما نصت عليها المواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب؟
مقصدنا من هذه الدراسة يتلخص في نقطتين:

أولها تشريح نقدي لأهم مواد هذا القانون بغرض النظر إلى مدى تمثلها لغاية إطلاق حرية التعبير والصحافة أو تقييدها؛
ثانيها الإسهام في تقويم هذا المشروع والتنبيه إلى ما يعرقل حرية التعبير والصحافة من داخل مقتضيات مواده.
من أجل ذلك:

سنحاول في هذه الدراسة أن نساءل أهم مواد مشروع قانون الصحافة والنشر معتمدين معياريا على ما نصت عليه أهم المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وعلى أهم قرارات الهيئات الدولية لحقوق الإنسان المعتبرة في مجال حرية التعبير والصحافة، مسترشدين بملاحظات هيئات دولية مختصة بمتابعة حرية التعبير والصحافة في دول العالم، ومعتمدين على نماذج قوانين لحرية الصحافة معتمدة في بعض الدول الرائدة في مجال الحريات أو التي هي في طور الانتقال الديمقراطي...
أولا في مرجعية النقاش
أ-المرجعية الدولية ويمكن تقسيمها إلى
1-نصوص دولية معتمدة عالميا
وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية:
تضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الأمم المتحدة سنة 1948، التنصيص على حرية الأشخاص في الرأي والتعبير واستقاء وإذاعة الأنباء والأخبار بأي وسيلة ودون تقيد بالحدود الجغرافية حيث تقول مادته رقم 19: " لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية." ،
كما أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي اعتمدته الأمم المتحدة بموجب قرارها الصادر بتاريخ 16 دجنبر 1966 ودخل حيز التنفيذ بتاريخ 23 مارس 1976، ووقع عليه المغرب بتاريخ 19 يناير1977 وصادق وأعلن انضمامه إليه بتاريخ 3 ماي 1979 ، ونشره في جريدته الرسمية ، نص في مادته رقم 19 أيضا على ما يلي:" لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة، لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات، والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها."
2-قرارات وتقارير لهيئات حقوقية دولية
وفي مقدمتها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، واللجنة الأممية لحقوق الإنسان، ومؤسسة المقرر الأممي الخاص بحرية التعبير.
في دورته السادسة والعشرين دعا مجلس حقوق الإنسان إلى تعزيز وحماية حقوق الإنسان على الأنترنيت والتمتع بها حيث صرح نص بيانه على ما يلي: " وإذ يرى أن من الأهمية الأساسية انخراط الحكومة مع جميع أصحاب المصلحة المعنيين، بما فيهم اﻟﻤﺠتمع المدني والقطاع الخاص واﻟﻤﺠتمع التقني والوسط الأكاديمي، في حماية وتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية على الإنترنت،
1- يؤكد أن نفس الحقوق التي يتمتع ﺑﻬا الأشخاص خارج الإنترنت يجب أن
تحظى بالحماية أيضًا على الإنترنت، ولا سيما حرية التعبير، التي تنطبق دونما اعتبار للحدود
وعلى أي واسطة من وسائط الإعلام يختارها الفرد، وفقًا للمادة ١٩ من الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان ومن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛
2- يسلم بالطبيعة العالمية والمفتوحة للإنترنت بصفتها قوة دافعة في تسريع التقدم على طريق التنمية بمختلف أشكالها..." .
كما أكدت اللجنة الأممية المعنية بحقوق الإنسان أيضا على حماية حرية التعبير، حيث جاء في تعليقها رقم 34 على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ما يلي في الفقرة 42: "كما إن فرض العقوبات على المنافذ الإعلامية أو دور النشر أو الصحفيين ﻟﻤﺠرد أﻧﻬم يوجهون انتقادات للحكومة أو للنظام الاجتماعي والسياسي الذي تتبناه الحكومة لا يمكن أبداً أن يكون بمثابة قيد ضروري على حرية التعبير..." وعلى عدم فرض أي قيود على تشغيل أي نظام من نظم نشر المعلومات أو التعبير عن الرأي ، كما هو منصوص في الفقرة 43 من نفس التعليق 34: "ولا ينبغي أن يسمح بفرض أي قيود على تشغيل المواقع الشبكية أو المدونات الشبكية أو غيرها من نظم نشر المعلومات عن طريق الإنترنت أو الوسائل الإلكترونية أو أي وسائل أخرى، بما في ذلك نظم دعم هذا الاتصال، كموردي خدمة الإنترنت أو محركات البحث ، إلا في الحدود التي تكون متماشية مع الفقرة3. و ينبغي بوجه عام أن تكون القيود المسموح ﺑﻬا خاصة بالمحتوى، ويتنافى فرض حظر عام على تشغيل بعض المواقع والأنظمة مع الفقرة ٣. ويتعارض أيضاً مع الفقرة3 ، منع موقع أو نظم لنشر المعلومات من نشر مواد معينة لسبب لا يزيد عن كوﻧﻬا تنتقد الحكومة أو النظم الاجتماعية والسياسية التي تتبناها الحكومة..."، وعلى اعتبار مهنة الصحافة مهنة تتقاسمها فئات واسعة فاعلة في مجال النشر والتعبير والتحليل وتقصي الخبر حيث نصت الفقرة 44 على ما يلي: " والصحافة مهنة تتقاسمها طائفة واسعة من الجهات الفاعلة، بمن فيها المراسلون والمحللون المحترفون والمتفرغون فضلا عن أصحاب المدونات الإلكترونية وغيرهم ممن يشاركون في أشكال النشر الذاتي المطبوع أو على شبكة الإنترنت أو في مواضع أخرى، و تتعارض النظم الحكومية العامة لتسجيل الصحفيين أو الترخيص لهم مع الفقرة 3. و لا يُسمح بنظم الاعتماد المقيّد إلا عندما تكون هناك ضرورة لمنح الصحفيين امتيازا للوصول إلى أماكن و/أو مناسبات معينة. وينبغي أن تطبق هذه النظم بطريقة غير تمييزية ومتلائمة مع المادة 19 ومع الأحكام الأخرى للعهد على أساس معايير موضوعية وبمراعاة أن الصحافة مهنة تتشارك فيها طائفة واسعة من الجهات الفاعلة..." .
ويؤكد أيضا المقرر الأممي المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير في تقريره المقدم خلال الدورة السابعة والعشرين لمجلس حقوق الإنسان على ضرورة حماية حرية التعبير والصحافة وعدم تجريمها حيث نص تقريره على ما يلي: " لا يزال القلق يساور المقرر الخاص من أن التعبير المشروع عن الرأي على شبكة الإنترنت يجرَّم في انتهاك للالتزامات الدولية التي تقع على عاتق الدول إزاء حقوق الإنسان، إما عن طريق تطبيق قوانين جنائية قائمة على التعبير على الإنترنت، أو بوضع قوانين جديدة صُممت خصيصًا لتجريم التعبير عن الرأي على الإنترنت. وكثيرًا ما تبرَّر تلك القوانين بوصفها ضرورية لحماية سمعة الأشخاص أو الأمن القومي أو لمكافحة الإرهاب. إلا أن هذه القوانين، في الواقع العملي، تُستخدم لممارسة الرقابة على المحتويات التي لا تعجب الحكومة أو غيرها من الهيئات ذات النفوذ أو تلك التي تختلف معها. "
ب-المرجعية الدستورية
أقر الدستور المغربي في ديباجته، أن "المملكة المغربية، العضو العامل النشيط في المنظمات الدولية، تتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها من مبادئ وحقوق وواجبات، وتؤكد تشبثها بحقوق الإنسان كما ھي متعارف عليها عالميا." ، مع التأكيد على تلك المفارقة المتناقضة التي نسجلها في ديباجته أيضا والتي تجعله يقر بسمو المواثيق الدولية ويقيدها في نفس الآن بخصوصية الإطار المحلي، إذ كيف ستكون سامية إذا تقيدت محليا؟ .
لقد أكد في العديد من فصوله على كفالة حرية التعبير وعلى الحق في الحصول على المعلومات العمومية وفي نشر الأخبار والأفكار والآراء من غير قيد عدا ما ينص عليه القانون صراحة، نجد ذلك في فصله 25 الذي نص على أن " حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها" وفي الفصل 27 الذي نص على أن " للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات، الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.
لا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون، بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في ھذا الدستور، وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة"، و الفصل 28 نص على أن " حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية.
للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة..." فهل يعكس مشروع قانون الصحافة كل هذه المبادئ الحقوقية التي نصت عليها بعض المواثيق الدولية وصادق عليها المغرب، وتضمنتها تنصيصا أهم التقارير والتوصيات الدولية حول حرية التعبير والصحافة، وأقرها الدستور المغربي في ثنايا بعض فصوله؟
يتبع