ثانيا في نقاش مشروع قانون الصحافة والنشر المغربي

1. في شروط تأسيس صحيفة ورقية أو إلكترونية
يشترط مشروع قانون الصحافة أن يكون لكل صحيفة مدير نشر، وهو ما نصت عليه المادة 13 منه حيث تقول:"يجب أن يكون لكل مطبوع دوري أو صحيفة إلكترونية أو أية دعامة إلكترونية أخرى مديرا للنشر" ، ومدير النشر هذا يعتبر بموجب مقتضيات مشروع قانون الصحافة مسئولا عن كل ما قد يصدر من الصحيفة التي يديرها، بحيث يتوجب عليه أن يتحقق من هوية أصحاب المقالات المنشورة بالصحيفة التي يديرها، ومن الأخبار وحتى من التعاليق التي تدعم محتوى إعلامي، وأن يلتزم بالكشف عن هوية صاحب المقال لدى وكيل الملك عند الاقتضاء، وإلا فهو بموجب هذا القانون يعتبر كأنه صاحب هذا المقال، مع ما يقتضيه ذلك من مسؤوليات قانونية، تقول المادة 15 من مشروع قانون الصحافة بهذا الصدد: " يسهر مدير النشر على ضمان التقيد بالأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بممارسة مهنة الصحافة من لدن الصحافيين العاملين بالمؤسسة. و يتحقق كذلك، قبل النشر، من الأخبار أو التعاليق أو الصور أو كل شكل يحمل أو يدعم محتوى إعلاميا، ومن هوية محرري المقالات الموقعة بأسماء مستعارة قبل نشرها. يلزم مدير النشر، عند البحث أو التحقيق في شأن مضمون مقال غير موقع أو يحمل توقيعا مستعارا، بالكشف عن هوية محرر المقال لوكيل الملك أو لقاضي التحقيق. ويعتبر مدير النشر كأنه صاحب المقال، عند عدم امتثاله لهذا الأمر أو في حالة ما إذا تبين أن الهوية المكشوف عنها غير صحيحة. يتعرض مدير نشر المطبوع أو الصحيفة الإلكترونية للمتابعات وذلك في الحالات ووفق الشروط وضمن الحدود المنصوص عليها في هذا القانون."
أتصور كيف سيكون اشتغال وإبداع وحرية مدير النشر، مع عمله المضني في التحقق من هوية أصحاب المقالات والخبر ومن مراقبة التعاليق، مع ما يستتبع ذلك من "رقابة ذاتية" صارمة كي لا يقع في المحظور القانوني؟
لنكمل مسيرتنا مع شروط التأسيس، يوجب مشروع قانون الصحافة على مدير النشر شرطا أساسيا وفريدا كي يتمتع بصفة مدير النشر، وهو شرط أن يتوفر على صفة صحفي مهني، وهو شرط لم يكن حتى في القانون السابق، تقول المادة 14 من مشروع قانون الصحافة والنشر بهذا الصدد: " يجب أن تتوفر في مدير النشر الشروط التالية:
- أن يكون راشدا ومن جنسية مغربية وقاطنا بالمغرب؛
- أن يتمتع بحقوقه المدنية؛
- أن لا يكون قد صدر في حقه حكم نهائي من أجل جناية أو جنحة في قضايا الابتزاز والاحتيال والنصب والارتشاء واستغلال النفوذ أو صدر في حقه حكم بالحرمان من واحد أو أكثر من حقوقه الوطنية باستثناء من تمتع برد الاعتبار القضائي؛
- أن يتوفر على صفة صحفي مهني وفقا للمقتضيات الواردة في التشريع المتعلق بالصحفي المهني."
من هو الصحفي المهني وفقا للمقتضيات الواردة في التشريع المتعلق بالصحفي؟
يجيبنا عن هذا السؤال مشروع قانون آخر قيد التحضير متعلق بالنظام الأساسي للصحفيين المهنيين، حيث تعرف مادته الأولى الصحفي المهني فتقول: " – الصحفي المهني: كل شخص يزاول مهنة الصحافة بصورة رئيسية ومنتظمة يكون أجره الرئيسي من مزاولة مهنة الصحافة، في واحدة أو أكثر من مؤسسات الصحافة المكتوبة أو الإلكترونية أو السمعية أو السمعية البصرية أو وكالات الأنباء عمومية كانت أو خاصة التي يوجد مقرها الرئيسي بالمغرب." .
طبعا هذا المشروع يعرف أنواعا أخرى من الصحفيين مثل الصحفي المعتمد والصحفي المتدرب والصحفي الشرفي والصحفي الحر، وقاسمهم المشترك أنهم كلهم تنطبق عليهم صفة النوع الأول الذي هو الصحفي المهني، وفي مادته رقم 6 يشترط ضمن ما تشترطه لمن أراد ان يحوز على بطاقة الصحافة المهنية:
" أن مهنة الصحافة هي نشاطه الرئيسي والمنتظم ومصدر أجره المهني الأساسي
و"أنه ليس أجيرا لدى دولة أو منظمة أجنبية"
لنعد تركيب كل هذه المواد لكي تتضح الصورة، التأسيس لصحيفة يشترط وجود مدير نشر، مدير النشر يشترط فيه أن يكون صحفيا مهنيا، الصحفي المهني يشترط فيه أن يكون أجره الأساسي من الصحافة وهي نشاطه الرئيسي، لو أسقطنا هذه الشروط على خارطة الجرائد والمطبوعات الورقية والصحف الإلكترونية لتمت تنحية الآلاف من المواقع والعشرات من المجلات والجرائد لمخالفتها شروط التأسيس، ولوجدنا المشهد الصحفي مختصرا في بضع مواقع وبضع جرائد وبضع مجلات، وهذا يعني في نظرنا تحكما في هذا المشهد واستئثار بضع صحفيين به وبالتالي خنق منهجي لحرية الصحافة باسم تقنين حرية الصحافة، بالتحكم فيه وفي حرية الصحافة من جهة، وبانتعاش اللوبيات الصحفية المستفيدة من سريان هذا المشروع والتي قد تتشكل بالمال، لتخنق أي صوت حر حتى ولو كان صحفيا مهنيا وفق ما نص عليه المشروعان،
وسوف نرى لاحقا أن مدير النشر المغلوب على أمره، سوف يجد عمله ومستقبله وقوته اليومي معرضا لمطرقة الغرامات المالية، التي ستدفعه إلى ممارسة الرقابة الذاتية الصارمة، مما يحد من حريته في ممارسة الصحافة كما يحلم أو كما يرتضي إن رضي أن يظل مشتغلا بتلك المهنة.
2-في إجراءات التأسيس
لتأسيس صحيفة إلكترونية كانت أو ورقية يتوجب على مؤسسها أن يقوم برحلة عبر العديد من مؤسسات الإدارة العمومية، بدءا بالمحكمة الابتدائية، مرورا بالوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات-في حالة الصحيفة الإلكترونية- ثم الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري-بالنسبة للصحيفة الإلكترونية التي تبث مواد إذاعية أو تلفزيونية على الأنترنيت- ثم المركز السينمائي المغربي-في حالة قيام الصحيفة الإلكترونية بالتصوير الذاتي-فكيف يتم ذلك؟
تنص المادة 20 من مشروع قانون الصحافة على أن يقدم المؤسس لصحيفة بيانات إلى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية التي يوجد فيه المقر الرئيسي للصحيفة، تقول المادة 20 بهذا الصدد: " يجب التصريح بنشر أي مطبوع دوري أو صحيفة إلكترونية داخل أجل ثلاثين يوما السابقة لليوم الذي يتوقع فيه إصداره. و يكون هذا التصريح في ثلاثة نظائر لدى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية الذي يوجد فيه المقر الرئيسي للمؤسسة الصحفية ويتضمن البيانات التالية:
- اسم المطبوع الدوري وطريقة نشره وتوزيعه أو اسم الصحيفة الإلكترونية واسم نطاقها؛
- الحالة المدنية لمدير النشر ومدير النشر المساعد عند الاقتضاء والمحررين إن وجدوا وكذا جنسيتهم ومحل سكناهم ومستواهم الدراسي الموثق بشواهد ووثائق رسمية وأرقام بطائقهم الوطنية أو بطاقة الإقامة بالنسبة للأجانب وسجلهم العدلي؛
- اسم وعنوان المطبعة المعهود إليها بالطباعة أو اسم وعنوان مضيف مقدمي الخدمات بالنسبة للصحيفة الإلكترونية؛
- اسم وعنوان المؤسسة الصحفية المالكة أو المستأجرة أو المسيرة للمطبوع الدوري أو للصحيفة الإلكترونية؛
- رقم تسجيل المؤسسة الصحفية في السجل التجاري؛
- بيان اللغة أو اللغات التي ستستعمل في النشر؛
- مبلغ رأس المال الموظف في المؤسسة الصحفية مع بيان أصل الأموال المستثمرة وجنسية مالكي السندات والأسهم الممثلة لرأسمال المؤسسة.
تضاف البيانات التالية فيما يخص المؤسسات الصحفية المكونة على شكل شركات:
- تاريخ عقد تأسيس الشركة، والمكان الذي وقع فيه الإشهار القانوني؛
- الحالة المدنية لأعضاء مجلس الإدارة والمساهمين وبصفة عامة مسيري وأعضاء الشركة ومهنتهم وجنسيتهم ومحل سكناهم وكذا اسم الشركات التجارية أو الصناعية أو المالية التي يعتبرون متصرفين أو مديرين أو مسيرين فيها.
كل تغيير يطرأ على البيانات المنصوص عليها في هذه المادة يجب التصريح به داخل أجل 60 يوما الموالية له لدى وكيل الملك بالمحكمة التي تلقت التصريح الأول.
يجوز لمن يعنيه الأمر الاطلاع على التصريح لدى النيابة العامة."
وإذا كانت الصحيفة إلكترونية، فيلزم إيداع ملف بنفس البيانات السابقة مرفوقا بوصل التصريح لدى الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات، وهذا ما نصت عليه المادة 34 من مشروع قانون الصحافة: " يودع، لدى الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات، مع وصل التصريح ملف بنفس البيانات المنصوص عليها، في المادة 20 أعلاه، من أجل الاستفادة من تدبير امتداد اسم النطاق الوطن press.ma" ،
وطبعا بما أن الصحيفة الإلكترونية في الغالب يختار أصحابها بث مواد إذاعية أو تلفزية، فإنها ملزمة حسب مشروع قانون الصحافة أن تودع نفس الملف بنفس البيانات السابقة لدى الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، تقول المادة 34 بهذا الصدد: " تودِع الصحف الإلكترونية التي تبث بصفة عرضية مواد إذاعية أو تلفزيونية عبر الإنترنت، لدى الهيأة
العليا للاتصال السمعي البصري، نفس ملف البيانات المنصوص عليه أعلاه."، وكذلك في الغالب تكون للصحيفة الإلكترونية فيديوهاتها الخاصة المصورة من طرف طاقمها، وإذن هي ملزمة أيضا حسب هذا المشروع أن تأخذ رخصة للتصوير الذاتي صالحة لمدة سنة مسلمة من طرف المركز السينمائي المغربي، عن ذلك نصت المادة 35 من مشروع قانون الصحافة: " تستفيد الصحيفة الإلكترونية التي استوفت شروط المادة 20 أعلاه، من رخصة للتصوير الذاتي، مسلمة من طرف المركز السينمائي المغربي، صالحة لمدة سنة، للإنتاج السمعي البصري الموجه لخدمة الصحافة الإلكترونية. يتعرض كل تصوير بدون رخصة للعقوبات المنصوص عليها في قانون الصناعة السينماتوغرافية."
هكذا فإن البحث عن ولادة قانوني لصوت صحفي، بالشروط التي في الغالب ستكون تعجيزية لكل من أراد أن تكون له نافذة إعلامية وصحفية حرة، يتطلب رحلة مضنية تلتمس تصريحا بالتأسيس من جهة وترخيصا لمزاولة أنشطة من صميم العمل الصحفي، مما له الأثر الوخيم على حرية التأسيس لأي عمل صحفي في حد ذاتها، والتي من المفترض أن تتطلب بسطا للحرية لا تقييدها وتعقيدها وتقنين عرقلتها.
3-في الغرامات والعقوبات و الآثار على سلب الحرية
أخذ موضوع الغرامات بمشروع قانون الصحافة حيزا كبيرا ضمن مواده، فهو مثلا حسب مادته 24 "يعاقب بغرامة مالية تتراوح بين 2.000 و10.000 درهم مالك المطبوع الدوري أو المستأجر المسير له، وعند عدم وجودهما مدير النشر، وعند عدمه صاحب المطبعة، وعند عدمه موزع المطبوع الدوري، الذي لم يكن موضوع تصريح طبقا لمقتضيات المادتين 20 و 21 أعلاه، أو استند في إصداره على تصريح أصبح عديم الأثر طبقا لمقتضيات المادة 23 أعلاه.لا يمكن استمرار نشر المطبوع الدوري إلا بعد القيام بالإجراءات المنصوص عليها في المادة 20 أعلاه. في حالة الامتناع عن القيام بالإجراءات المذكورة، يعاقب الأشخاص الواردين في الفقرة الأولى أعلاه بالتضامن بغرامة قدرها 20.000 درهم يؤدونها عند كل نشر جديد غير قانوني، وتحتسب عن كل عدد ينشر ابتداء من يوم النطق بالحكم إذا صدر حضوريا أو ابتداء من اليوم الثالث الموالي لتبليغ الحكم إذا صدر غيابيا ولو كان هناك طعن. تتعرض الصحيفة الإلكترونية في حالة عدم التصريح بإحداثها لنفس العقوبة المشار اليها في الفقرة الأولى أعلاه وتتعرض كذلك للحجب إلى حين القيام بالإجراءات المنصوص عليها في المادة 20 أعلاه." ،
و حسب ماجاء في المادة 77 من مشروع قانون الصحافة والنشر "يعاقب "بغرامة من 20.000 إلى 200.000 درهم كل من قام بسوء نية بنشر أو إذاعة أو نقل نبأ زائف أو ادعاءات أو وقائع غير صحيحة أو مستندات مختلقة أو مدلس فيها منسوبة للغير إذا أخلت بالنظام العام أو أثارت الفزع بين الناس، بأية وسيلة من الوسائل ولا سيما بواسطة الخطب أو الصياح أو التهديدات المفوه بها في الأماكن أو الاجتماعات العمومية و إما بواسطة المكتوبات والمطبوعات المبيعة أو الموزعة أو المعروضة للبيع أو المعروضة في الأماكن أو الاجتماعات العمومية وإما بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم أو بواسطة مختلف وسائل الإعلام السمعية البصرية أو الإلكترونية وأية وسيلة أخرى تستعمل لهذا الغرض دعامة إلكترونية..." ، وفي المادة 85 من مشروع قانون لصحافة والنشر "يعاقب بغرامة من 100.000 إلى 300.000 درهم على المس بشخص وكرامة رؤساء الدول ورؤساء الحكومات ووزراء الشؤون الخارجية للدول الأجنبية، بواسطة إحدى الوسائل المنصوص عليها في المادة 77 أعلاه". وحسب المادة 86 من نفس مشروع قانون الصحافة والنشر "يعاقب بغرامة من 50.000 درهم إلى 200.000 درهم على المس بشخص وكرامة الممثلين الدبلوماسيين أو القنصليين الأجانب المعتمدين أو المندوبين لدى جلالة الملك، بواسطة إحدى الوسائل المنصوص عليها في المادة 77 أعلاه." ، وفي المادة 88 من مشروع قانون الصحافة والنشر: " يعاقب بغرامة من 100.000 إلى 200.000 درهم، عن كل قذف يرتكب بإحدى الوسائل المبينة في المادة 79 أعلاه، في حق المجالس أو الهيئات القضائية أو المحاكم أو الجيوش البرية أو البحرية أو الجوية أو الهيئات المؤسسة أو المنظمة أو الإدارات العمومية بالمغرب، أو في حق وزير أو عدة وزراء، من أجل مهامهم أو صفاتهم أو في حق موظف أو أحد رجال أو أعوان السلطة العمومية أو كل شخص مكلف بمصلحة أو مهمة عمومية مؤقتة كانت أم مستمرة أو مساعد قضائي أو شاهد من جراء تأدية شهادته. يعاقب بغرامة من 5.000 إلى 20.000 درهم على السب و الإهانة الموجه بنفس الوسائل إلى الهيئات والأشخاص المنصوص عليهم في الفقرة الأولى أعلاه". وفي المادة 89 من مشروع قانون الصحافة والنشر: " يعاقب بغرامة من 10.000 إلى 100.000 درهم عن القذف الموجه للأفراد بإحدى الوسائل المبينة في المادة 85 أعلاه.
ويعاقب بغرامة من 5.000 إلى 20.000 درهم على السب الموجه بنفس الطريقة إلى الأفراد"
طبعا لم أنقل كل ما جاء في باب الغرامات والعقوبات، اخترت فقط من هي مرتبطة بغرض إظهار المواد التي هي معرضة للتأويل التجريمي، من حيث سلطة التقدير لما قد يسمى قذفا أو سبا، وما هي حدود انتقاد الشخصيات العمومية و سلوكاتها وقراراتها وأفعالها، بل أن حتى الحياة الخاصة لهذه الشخصيات لها تقاطعات مع صفاتهم العمومية، وأضيف إليها التأويل الواسع في اتجاه اتهام الصحفي الذي تفتحه المادة 76 من هذا المشروع قانون، إذ تنص على ما يلي: " يتم الحجز وفق أحكام المادة 31 أعلاه، إذا تضمنت إحدى المطبوعات أو المطبوعات الدورية، إساءة للدين الإسلامي، أو الإساءة للاحترام والتوقير الواجبين لشخص الملك وأصحاب السمو الملكي والأمراء والأميرات أو التحريض على الوحدة الترابية وفقا لأحكام الدستور"
وإذن فمطرقة "كل مامن شأنه..."، نازلة على سلوك وفعل وأداء كل صحفي وكل مدير نشر، مما له الأثر الكبير على تقييد حريته الصحفية في التحقيق ونقل الخبر والتعليق عليه...

يتبع