بديل ـ * المهدي مستقيم

نشر مركز " هيباتيا الاسكندرية للدراسات و التفكير"، الذي تشرف عليه الدكتورة هند عروب، دراسة فريدة و متميزة للباحث في علم الاجتماع" المهدي مستقيم" حول " المقاولة المغربية و معيقات الحداثة". يسائل الباحث غياب العقلنة الاقتصادية و طغيان واقع الزبونية في تدبير " مؤسسة" المقاولة المغربية.

الدراسة و إن كانت غنية من حيث المستوى النظري و المفاهيمي، فإنها لا تقف عند هذه الحدود، بل تتخطاها إلى البحث الميداني الذي جرت أطواره بمحطة الأداء الخاصة بمدينة الجديدة.

و عن مآرب الدراسة، يقول مستقيم، "نسعى من خلال هذه الدراسة إلى البحث عن الدوافع أو الأطر المرجعية للفعل الاجتماعي، بغاية فهم طبيعة النسق الثقافي الذي يلعب الدور المحدد أو الموجه للسلوكات والأفعال غير العقلانية التي تتم داخل المقاولة المغربية وعن اتجاهها ومصيرها."

و يرجع الباحث أسباب فشل المقاولة المغربية إلى " افتقادها لثقافة المقاولة التي تراهن عليها سوسيولوجيا المقاولات لتحقيق التنمية و التقدم، فالاستراتيجيات الفردية تعمل منفصلة عن الإستراتيجية الكلية للمقاولة ومتمردة عليها . هةه الإستراتيجية الفردية تنطلق من الأنا الشخصي وليس من أنا الجماعة أو أنا المقاولة. فهي في الحقيقة عبادة الأنا الفردي هي القوة المحركة لسلوكات المستخدمين في المقاولة.

فالسلوكات والأفعال التي تتحكم فيها الإستراتيجية الشخصية النابعة من المصلحة الذاتية تتم بدافع الزبونية التي تصبح عبارة عن حافز من أجل شراء الخضوع والاستسلام للشخص الذي تتمركز في يده السلطة وليس للتنظيم ككل."

ولتجاوز هذا الواقع، يرى المهدي مستقيم، أنه لابد من " مساءلة الجوهر عوض البحت عن آليات التنفيذ . ويجب أن يكون التفكير منسجما مع واقعنا حيث لا يجب استيراد النماذج دون مساءلتها، فالعقلنة والتحديث يجب بناؤهما انطلاقا من واقعنا الثقافي وهذا ما يزال مغيبا لدى صانعي القرار في المجتمع المغربي، فالكل يتحدث عن ضرورة تحديث نسيجنا الاقتصادي وضرورة سن تشريعات موازية دون التساؤل عن أية حداثة وتحديث نحن في حاجة إليه ودون استحضار قوي للإشكالات المركزية المرافقة لذلك".

وهذا نص الدراسة التي حظي "بديل" بإعادة نشرها على الموقع: 

نسعى من خلال هذه الدراسة إلى البحث عن الدوافع أو الأطر المرجعية للفعل الاجتماعي، بغاية فهم طبيعة النسق الثقافي الذي يلعب الدور المحدد أو الموجه للسلوكات والأفعال غير العقلانية التي تتم داخل المقاولة المغربية وعن اتجاهها ومصيرها.

تشكو المقاولة المغربية من عدة مشاكل تحول دون تحقيقها للأهداف التي جاءت من أجلها، ألا وهي العمل على تحقيق التنمية والتقدم. الشيء الذي جعل العديد من الفاعلين يهتمون بها، وكان لكل فاعل من هؤلاء تصوره الخاص لأسباب هذه الأزمة وللحلول المقترحة لها . إن هذا العجز والإخفاق المتواصل، رغم السياسات الإصلاحية، هو الذي دفعنا إلى البحث عن معيقات أخرى تتصل بالبنية الثقافية.
هناك من ربط أزمة المقاولة المغربية بطبيعة البناء المجتمعي للمجتمع المغربي، لكونه متخلفا ولم يصل بعد إلى المرحلة الرأسمالية التي أنتجت هذه المقاولة كمنتوج حضاري .
وهذا ما أكده الأستاذ "عبد المالك ورد" حيت بين أن مؤسسة تدبير الشأن العام في المغرب "لازالت لم تستوعب بعد متطلبات التغيير، ومازالت عبارة عن آلة ضخمة معقدة تعمل من دون أن تنتج الجودة، إنها تحتاج إلى استراتيجية جديدة خلاقة وملائمة تجعل من مشاركة كل الفاعلين هدفها الأسمى" حتى تساير ركب العولمة ومتطلباتها وتنتج مقاولة أكثر عقلانية وأكثر فعالية لضمان المنافسة الاقتصادية ومسايرة التحولات المؤسساتية .


وبخلاف ذلك، هناك تصور يتمثل في طرح" قندر فرانك"GUNDFRANK ََANDRE الذي يرى "أن التخلف لا يرجع إلى وجود واستمرار المؤسسات التقليدية البالية بل بالعكس أن التخلف كان ولا يزال وليد هذه العملية التاريخية التي أعطت هذا التطور الاقتصادي الذي نعني به تطور الرأسمالية ذاتها " أي أن الأزمة لا تعود للبنية التقليدية البالية، بل هي وليدة ونتاج للتبعية الاقتصادية والتكنولوجية، التي أصبحت تعاني منها بلدان العالم الثالث، خاصة بعد انفتاحها على دول المركز وبنيتها الاجتماعية والاقتصادية.
نلاحظ أن هذين التصورين رغم اختلافهما إلا أنهما يشتركان في نقطة واحدة، وهي إرجاع أزمة المقاولة الاقتصادية للبنية الاجتماعية الكلية. فهي بنية هجينة لا تحمل صفات الأصالة ولا قوة الحداثة المنتجة للحضارة الغربية، فهي تنتج ثقافة متناقضة . إنها بنية شاملة تعبر عن كيان اجتماعي بكل أبعاده الاقتصادية والاجتماعية والنفسية .
إن أزمة المقاولة–وفق هذين التصورين-متأصلة في طبيعة وشكل البناء الاجتماعي القائم.
إن المقاولة الاقتصادية بالنسبة لها ليست إلا مجرد مكان ونقطة التقاء للتحالفات والصراعات السياسية والتاريخية والاجتماعية، ولهذا فمصيرها مرتبط بطبيعة هذه الصراعات وإفرازاتها .

إن أزمة المقاولة المغربية في تصورنا أصبحت مرتبطة أكثر بطبيعة تشكل بنائها الاجتماعي الداخلي، وبطبيعة الممارسات التي تتم بها، بدليل التفاوت الموجود بين مقاولة وأخرى في مدى قدرة كل منهما على تجاوز أزمتها وتحقيق أهدافها بفعالية ونجاعة (الشيء الذي يعكس مثلا تفشي الزبونية وممارسات أخرى غير عقلانية تحكم العلاقات الاجتماعية داخل المقاولة والتي تمثل بالنسبة لنا الأزمة الحقيقية للمقاولة محل الدراسة)، وتصورنا هذا تسنده الأسس النظرية والابستيمولوجية التي يقوم عليها كل من علم اجتماع التنظيمات سابقا وعلم اجتماع المقاولة حاليا، فإن كانت علوم التسيير ترجع عجز المقاولة بصفة عامة إلى قصور في المنظومة التسييرية لكل مقاولة غير قادرة على تحقيق أهدافها الاقتصادية واختيار الوسائل المناسبة لذلك، أي عدم قدرة مسيريها على تنشيط وتفعيل هذه المنظومة. إلا أنها بقية صامتة عاجزة عن تفسير السبب الجوهري والحقيقي الذي يقف وراء قدرة هؤلاء المسيرين على إنتاج وإعادة إنتاج العقلنة الاقتصادية و التقنية و ثقافة المقاولة التي تقتضيها المقاولة الحديثة أو تربط بأحسن الأحوال ذلك بالكفاءة التعليمية والمهنية للطاقم المسير. فتصور هذه المقاربة يقوم على اختزال كبير لواقع المقاولة. على أنها مجرد عون اقتصادي يضم مجموعة من الوسائل والموارد المادية والبشرية التي لا تتطلب إلا تنشيطها وتتجاهل كليا أن المقاولة كيان بشري له خصوصياته السوسيولوجية والثقافية، بل إن هذه الخصوصية السوسيولوجية والثقافية التي تحكم العلاقات والممارسات التي تتم بداخل المقاولة وتحدد كذلك طبيعة العقلنة أو العقلنات الجزئية. إن الخصوصية السوسيوثقافية تؤثر بدورها على مدى قدرة هذا العون الاقتصادي على تجاوز أزمته الداخلية وهذا ما أوضحته العديد من النتائج العلمية التي حققتها السوسيولوجيا عموما وسوسيولوجيا التنظيمات وسوسيولوجيا المقاولة بشكل خاص .

تتضح إذن فاعلية العوائق الغير اقتصادية أي العوائق الاجتماعية والثقافية والسياسية، في خلق أزمة المقاولة المغربية. ونشير إلى أن بعض الدراسات الحديثة التي قام بها بعض الخبراء المعتمدين من طرف صندوق النقد الدولي بدأت تلتفت إلى دور العوامل الاجتماعية والثقافية في تشكيل أزمة المقاولة بدل أن تركز فقط على ضرورة تكييف المنظومة المؤسساتية لدى العالم الثالث مع مقتضيات الاقتصاد الدولي والعولمة .
إن الخصوصية السوسيولوجية للكيان البشري المكون للمقاولة وما ينتجه من معايير وقيم ثقافية، ليست عوامل تابعة ومنفعلة بالقواعد التنظيمية الرسمية والمؤسساتية التي تحكم هدا العون الاقتصادي بل إن هذا الكيان البشري يتميز بالاستقلالية والفاعلية النسبية، سواء في علاقته بالمجتمع الكلي أو في علاقته بهذا العون الاقتصادي .
فالمقاولة في المقاربة السوسيولوجية تتشكل من روابط اجتماعية معقدة وأصيلة لها تاريخها الذي يصنعه الفاعلون الاجتماعيون كرد فعل على الإشكالات الداخلية والخارجية المطروحة. فالمقاولة بهذا المعنى هي مجال وإطار للتفاعل والفعل الاجتماعي يتجاوز الضوابط والقواعد القانونية الرسمية إذ تتحكم فيه أطر مرجعية أخرى غير رسمية نابعة من الخصوصية السوسيولوجية والثقافية للتشكل الاجتماعي القائم.

لا شك أن النمو الاقتصادي أمر حيوي وحاسم في ارتقاء المجتمع و تقدمه. انه شرط لازم لأي تقدم إلا أنه وحده غير كاف. هناك عنصران ضروريان لتحقيق التنمية الأول هو وجود رأس مال بشري يتمثل في القدرات والطاقات الإنتاجية القائمة على الاقتدار المعرفي والمهني ،الذي يرتكز أساسا على ثقافة الانجاز الثاني هو تحقيق تنمية مجتمعية أي التنمية التي تحيلنا على خصائص المجتمع(بناه، وثقافته، وحصانته، وعافية مؤسساته وعلاقاته.) إنه مشروع مجتمعي.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن أن تنتشر وتسود المعايير المؤسساتية الحديثة في مجتمع تهيمن عليه شبكات التحالفات، النسب، الجماعة، الرشوة، الزبونية، غياب ثقافة تنظيمية؟
إن المشكل لا يكمن في القوانين كنصوص،وإنما في قدرة الناس- حتى لا أقول المواطنين-على الخضوع للمعايير المؤسساتية التي تقوم بالمراقبة والتغيير .
من هنا يتم الانتقال من تحديث المؤسسات إلى تحديث الوعي، حيت يصبح الشخص محركا لتاريخه، ولتحقيق ذلك يجب الانتقال من دولة القانون إلى مجتمع القانون، من المجتمع المدني إلى مجتمع المواطنة ،فالمواطنة هي أساس التحديث المؤسساتي .
لقد أصبح الانخراط في الاقتصاد العالمي رهينا بتحديث المقاولات و المؤسسات والدفاع عن حقوق الفرد والمواطنة . ومن أجل تحقيق ذلك لابد من تجاوز ما يلي:
أ- الزبونية:
في تـعريفه للزبونية بين "جون فرو نسوا مدار"Jean François Medard أنها علاقة تبعية شخصية غير مبنية على القرابة تقوم على التبادل الغير متكافئ بين طرفين هما الزبناء والوجهاء أو الشفعاء، لكن تعريف"مدار" هذا لم يتضمن طرفا أساسيا وحلقة ضرورية في العلاقات الزبونية التي تقوم بدور الوساطة بين الوجهاء والزبناء ألا وهي حلقة الوسطاء.
أطراف العلاقات الزبونية :
الوجهاء:
هم من يترأسون قمة الهرم الاجتماعي للنظام الزبوني، يصدرون الأوامر ويتحكمون في القرارات، ويمثلون الجماعة الضاغطة، تم يمتلكون القوة، والنفوذ،وفي المغرب هده الفئة يتم نعتها بمجموعة من التسميات: الجواد،هل الخيمة لكبيرة، ولاد ناس، الكتاف، المغارف، الركايز الرباط،الأعيان.
الزبناء:
يتمركزون في أسفل الهرم الاجتماعي للنظام الزبوني ،هم من في حاجة لخدمات الزبناء، من بين صفاتهم السعي الحثيث،التقرب من الوجهاء للحصول على الرضا (الحزارة، التملحيس) مقابل الطاعة،والولاء،والهدايا،والعطايا.في المغرب هاته الفئة هي الأخرى يتم نعتها من طرف الوجهاء بمجموعة من التسميات: الدراوش، المقطوعين اليد، الحراطن...
الوسطاء:
هي الفئة التي تلعب دور الوساطة بين الوجهاء والزبناء، وتنتمي إلى شرائح اجتماعية مختلفة كما أنها فئة مؤهلة للعب دور الوساطة (الجبهة،التسنطيحة) أي أنها فئة لها أوضاع ومواصفات تمكنها من لعب دور الوساطة لفائدة الوجهاء وأحيانا بشكل تخصصي ووفق حاجات الزبناء.

يؤكد"إتيان برينو"ETINNE BRUNO أن الزبونية ميكانيزم تستعمله السلطة لدمج مجموعة هامشية أو محيطية والتي لها نسقها الثقافي الخاص الذي يوجه سلوكاتها وأفعالها. ولذا فالزبونية تستعمل من طرف النخبة السياسية التي تسيطر على الدولة والأمة من أجل فرض نسقها الخاص من القيم، ولتدعيم سلطتها وسلطانها. فالزبونية حسب برينو أخدت شكل المحاباة السياسية وتتم وفق علاقة تبادلية بين مركز القرار أو السلطة وباقي المجتمع. كأن المركز يقدم للمحيط شيئا يحتاج إليه، مستحقا أو غير مستحق، مقابل حصوله من عند هذا المحيط و أفراده على قدر من الطاعة والامتثال.
حسب ما جاء به برينو، فإن الخضوع والامتثال تحتاج لهما السلطة المركزية من أجل غرس قيم تؤمن بها هي دون بقية أفراد المجتمع.

فالمؤسسة السياسية الحديثة عليها أن تستعمل قيم المجتمع المحلي من أجل تحقيق الاندماج السياسي على حساب البنيات الاجتماعية القديمة فالزبونية كما أشار إلى ذلك برينو تنتقل من وسيلة للاستمرار والمحافظة على قيم المجتمع المحلي إلى وسيلة سياسية من أجل القضاء على هذه القيم وإحداث قيم أخرى محلها، وذلك عن طريق الوسطاء الذين ينتمون إلى المحيط ويحومون حول المركز أي القريبين من ثقافة المركز ،غدت العلاقات الزبونية في المغرب تنتشر بشكل كبير بل تكاد تغطي كل المجتمع، لقد تواجدت في الماضي وكانت تتمثل في علاقة القبائل بالشيوخ.حيت صارت مجموعة من القبائل زبونة لدى أسر شريفة، تقدم لها موارد مادية من أجل الحصول على مقابل في المستقبل، وتمثلت الزبونية أيضا في علاقة الحراطين بالأحرار، والخماسة والرباعة بملاك الأراضي، الشرفاء بالعوام، خدام الزوايا بالأشراف، الأفراد بموظفي المصالح والمكاتب،التجار بالزطاطة، عائلات التجار بالمخزن... وتتواجد اليوم في المغرب لمعاصر وتنتشر بشكل كبير في مؤسساته "الحديثة" من أحزاب، برلمان، إدارات، مقاولات... فما هي أهم أسباب انتشار الزبونية؟
يمكن تلخيص أهم أسباب انتشار الزبونية فيما يلي:
-الزبونية في المغرب تهيكلها لغة،ترسخها أمثلة شعبية،في اتجاه تطبيع و ترسيخ هذا النوع من العلاقات بين الأفراد. ومن بين هذه الأمثلة الشعبية:" لما عندو مغرف احرق يدو"المغرف هنا هو الواسطة التي يمكن أن تحقق للفرد غرضا معينا، أو حاجة معينة لكن أقل الخسائر وبسهولة. هناك أيضا" لعندو باب واحد الله اسدو عليه" فالتوفر على أكثر من باب يعني التوفر على أكثر من حل وأكثر من مخرج بما في ذلك الأبواب الغير الشرعية.
"خسارت المال ولا خصارت الصحاب"،فالرأسمال الكبير والحقيقي هو الحصول على أكبر عدد من الوسطاء، أما المال فليس له قيمة أمام الحرص على الوسيط أو الصديق... هذه الأمثلة تجعل العلاقات الزبونية مقبولة ومستساغة.
- أن انتشار العلاقات الزبونية رهين باستمرار العواطف الأولية، وعواطف الحاجة،وإعادة تنشيط البنيات الانقسامية حيت تقوم هذه العواطف بتحفيز العداوة بين القبائل وبين المدن و البوادي،بين ما هو مدني وما هو عسكري
- منطق النظام الباتريمونيالي يتطلب سيادة وهيمنة العلاقات الزبونية عل المعايير والضوابط المؤسساتية.
- تلاشي واندثار الهياكل الجماعية والتقليدية التي كانت تقوم في السابق بتنظيم التعاون، والتعبئة، والمقاومة على الصعيد الجماعي.
- تدني مستوى تنظيم وتعميق حقوق المواطنة،حيت إن الحقوق الاقتصادية، والثقافية ولاجتماعية والسياسية غير مضمونة للمواطن، رغم كل الدساتير أو القوانين التي تنص عليها فهي غير مضمونة إما بالنسبة للكل أو الحدود بين مجال المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.
- شدة الاختلال في التوازنات بين الطبقات العليا والدنيا، وهيمنة عناصر المنظومة الزبونية على ثقافة الاستقلال الذاتي .

النتائج المترتبة عن العلاقات الزبونية :
- انتشار الزبونية الإلزامية، أي أن مجموعة من المواطنين يفرض عليهم التحول إلى زبناء رغم عدم اقتناعهم بالزبونية. حيت يكون المرء محاصرا ومفروضا عليه ممارسة الزبونية وتكون الزبونية بدون شروط عقائدية .
- ارتفاع وتنامي ظاهرة الوجاهة، أو الوساطة الإلزامية، بحيث أن هناك فئات يفرض عليها عن طريق الضغط الاجتماعي ومنطق الضرورة أن تتحول إلى وجهاء ووسطاء، رغم عدم اقتناعهم بذلك، ويبررونه بضرورة الإغاثة والمساعدة للجيران أو العائلة تجنبا للكوارث.
- توسع رقعة ونطاق المعاملات الزبونية بحيث تصبح دائرة هذه المعاملات تكتسح أكثر ما يمكن من دواليب الحياة الاجتماعية ومن مرافق والقطاعات والمجالات بما فيها مجالات الثقافة والمعرفة والعلاقات الأسرية والصداقة...،هذه الوضعية يمكن تسميتها بمسلسل التزبين .
ب- غياب الثقافة التنظيمية:
تعتبر الثقافة التنظيمية سيرورة وعملية متواصلة حيث تصبح المنظمة أو المقاولة مكان لإنتاج هذه الثقافة كلما قامت بإعادة إنتاج النسق الاجتماعي المشكل لها بواسطة الفعل الاجتماعي.
إن غياب ثقافة من هذا النوع يعد حاجزا أمام الانتقال إلى مقاولة حديثة، وهذا ما أشار إليه ميشيل كروزييه في كتابات عديدة، فالثقافة التنظيمية تكمن في قدرة المنظمة على إنتاج مجموعة بشرية بما بما تحمله من علاقات تبعية وقيادة وعلاقات غير متساوية تكون مقبولة من طرف جميع أعضائها، بحيث يستطيعون تحقيق الهدف المشترك من جهة، وإعادة إنتاج هذه المجموعة من جهة ثانية والثقافة بهذا المعنى تسمح للفريق أو المجموعة بأن تتشكل أو تتكون بصفتها كذلك. وذلك بواسطة إنتاج أدوات وطرق الدمج والانتماء لهذه المجموعة أولا وإنتاج الحلول التي تمكنهم من تعبئة قدراتهم ومعارفهم وتوحيد مصالحهم، حتى المتضاربة منها، من أجل استمرار هذه المجموعة وبقائها ثانيا.
فالثقافة التنظيمية تعني إيجاد العقلنة المشتركة، وتعني كذلك مجمل المعاني والوسائل، التي أوجدتها المجموعة من أجل معالجة مشاكلها ومواجهة قضاياها وتكون مقبولة من طرف أغلبية أعضاء المنظمة. فهذا المفهوم للثقافة التنظيمية ينطلق من تحديد كيفية تكوين وتشكيل هذه الثقافة وليس مجرد تقديم وصف لها. وبهذا تكون الثقافة التنظيمية سيرورة وعملية متواصلة تعبر عن الكيفية التي تنتج بها هذه المجموعة نفسها أي اندماج أعضائها فيها وعن قدراتها على الفعل والعمل على تحقيق أهدافها ومشاريعها


تتوزع هذه الدراسة على شقين اثنين: الأول نظري والأخر تطبيقي، الشق الأول جعلناه ثلاثة فصول، الأول خصصناه للمسار التاريخي الذي قطعه مفهوم الحداثة ومختلف مظاهرها.
أما الفصل الثاني فعملنا فيه على تحديد مفهوم المقاولة من منظور علم الاجتماع، والعوامل التي ساهمت في ظهورها، كما عملنا على تحديد سمات المقاولة الحديثة، إضافة إلى تطور المقاولة في النظرية السوسيولوجية من سوسيولوجيا التنظيمات وصولا إلى سوسيولوجيا المقاولة، ثم خصصنا الفصل الثالث للمقاولة المغربية وأهم العقبات التي تحول دون جعلها مقاولة حديثة حتى تحقق الهدف الذي جاءت من أجله ألا وهو التنمية.
ويمكننا أن نستخلص أهم النتائج التي توصلنا إليها في بحثنا النظري على الشكل التالي:
عرف تطور المقاولة في النظرية السوسيولوجية ثلاثة مراحل أساسية:
أ-المرحلة الأولى: وهي مرحلة علم اجتماع المصنع أو علم اجتماع الشغل، وفي هذه المرحلة كانت التفسيرات السوسيولوجية تقوم بتفسير العلاقات الاجتماعية داخل الورشة الصناعية على أنها إعادة إنتاج للعلاقات الاجتماعية الاقتصادية التي تحكم البناء الرأسمالي القائم والذي يعتبر المقاولة الاقتصادية الصناعية أحد مظاهره أو على أنها إنتاج للنسق التكنولوجي وبالتالي فالمقاولة ماهي إلا مكان لإنجاز العمل ليس أكثر .
ب- المرحلة الثانية: وهي مرحلة علم اجتماع التنظيمات، ففي هذه المرحلة لم يعد ينظر للمقاولة الصناعية الإنتاجية على أنها مجرد امتداد للبناء الكلي وإنتاج لتناقضاته بل أصبح ينظر لها على أنها نسق تنظيمي مستقل عن البناء الاجتماعي وبالتالي هي تنظيم يضم مجموعة من الفاعلين يتميزون بدرجة عالية من الخلق والإبداع و تحكمهم علاقات السلطة والتبعية النابعة من البناء الداخلي و عليه فلا بد من فهمها و تحليلها على هدا الأساس فعلم اجتماع التنظيمات في هذه الحالة يقوم بتحليل علاقات السلطة و التبعية، واستراتيجيات الفاعلين فيها التي تشكلت على خلفية العلاقات الاجتماعية و على أرضية مناطق الارتياب التي لم يستطع النسق التنظيمي أن يشملها أو يقننها. إذن فموضوع علم الاجتماع هنا أصبح يختلف عن موضوع علم الاجتماع الذي كان سائدا في المرحلة السابقة .
ج- المرحلة الثالثة: وهي مرحلة علم اجتماع المقاولة، إن مرحلة علم اجتماع المقاولة عمقت التصور السابق ونظرت للمقاولة على أنها مؤسسة اجتماعية قبل أن تكون اقتصادية منتجة لكيانات اجتماعية تحكمها روابط اجتماعية كاملة وليس فقط رسمية قانونية ونظرت للفاعلين فيها على أنهم أعضاء يتماهون إلى هذه المؤسسة الاجتماعية وبذلك تشكل مجموعة انتماء لهم واعتبرت كذلك أن هدا الكيان المشكل للمقاولة هو منتج لثقافته التي تعبر عن قدرته عن الفعل والعمل الجماعي من أجل إنجاز وتحقيق العمل المشترك فسوسيولوجية المقاولة هنا هي مستوى تحليلي أخر لا ينظر للمقاولة على أنها وحدة اقتصادية نجاعتها تتوقف فقط على مدى قدرتها على تقسيم العمل وتوزيع المهام الجزئية على أفرادها ولا على مدى قدرة أفرادها في خلق قواعد وضوابط لاستراتيجياتهم توجيهها كما يرى كروزيه بل على مدى قدرتها بأن تكون مؤسسة اجتماعية ناحتة لهوية ومنتجة لثقافة قادرة على إيجاد الحلول و الاجابات للإشكالات الموضوعية التي تحول دون تحقيق النجاعة و الفاعلية أو التنمية و التقدم وبالتالي لا بد من فهمها وتحليلها على هذا الأساس.

 أما فيما يخص الشق التطبيقي الذي سنركز عليه في هذه الورقة، فإننا سنعرض نتائج الملاحظة المشاركة والمقابلة كما سنجيب عن الإشكالية التي أثرناها، تم سنمر للتحقق من صدق الفرضيات التي وضعناها.

 1 . مجالات البحث:

1.1 – المجال البشري:بالنسبة للملاحظة المشاركة فهي شملت كل مجتمع البحث والمكون من ثلاثون مبحوثا (مستخدما)، بينما المقابلة اقتصرت على عشرون مبحوثا.
2.1 - المجال الزمني: فترة بداية العمل في موضوع البحث ابتدأت مند نونبر2011 إلى 22 ماي 2012 .
3 .1 – المجال الجغرافي: مدينة الجديدة ومدينة أزمور.
4 .1 – عينة البحث: تتمثل أصعب وأدق المراحل المؤثرة في مسلسل البحث ككل في اللحظة الزمنية التي يكون فيها الباحث أو مجموعة البحث مقبلة على إتحاد قرارات حاسمة لاختيار عينة البحث التمثيلية لموضوع دراسته، وبالتالي فنجاعة مختلف التقنيات المستعملة (الملاحظة، المقابلة، الاستمارة) ونجاحها يتوقف على إصابة العينة التي تشكل البؤرة الحقيقية لمجتمع الدراسة ككل، وكدا القدرة على الصياغة الجيدة لتقرير البحث.
هناك عدة أنواع من العينات، لكن اخترت فيما يخص الملاحظة المشاركة،العينة العمدية القائمة على الانتقال بالكل الكبير(على أنه مجموعة من الأجزاء)، إلى الكل الصغير (على أنه مجموعة من الأجزاء أيضا ). وفيما فيما يخص المقابلة فقد عملت أيضا على اختيار العينة ذات التمثيل العمدي وذلك راجع لمعرفتي المسبقة بخصائص قاعدة المعاينة التي مكنتني من اختيار الخصائص التي تهم البحت أكثر من غيرها.
1.5 _ مراحل تأسيس المقاولة محل الدراسة :
عرف تأسيس محطة الأداء الخاصة بمدينة الجديدة خمسة مراحل:
الأولى: سنة 2003 تأسيس الشطر الأول الإحاطة بمدينة الدار البيضاء ب 27,5 كلم
الثانية: سنة 2004 تأسيس الشطر الثاني الإحاطة بالدار البيضاء ب 6,5 كلم
الثالثة: سنة 2004 \19 فبراير تأسيس الطريق السيار الرابط بين الدار البيضاء وحد السوالم ب 16 كلم
الرابعة:سنة 2005 \30 يونيو تأسيس الطريق السيار الرابط بين حد السوالم واثنين شتوكة ب 35 كلم
الخامسة :2006 \4 نوفمبر تأسيس الطريق السيار الرابط بين اثنين شتوكة والجديدة ب 28 كلم
2-أدوات جمع المعطيات:
تشكل أدوات جمع المعطيات بالنسبة للباحث وسائله الإنتاجية التي يعمل بواسطتها على دراسة الواقع، وفهمه فهما علميا دقيقا وليس فهما حدسيا تخمينيا، ومن تم تحتل هده الأدوات أهمية خاصة وأساسية في عملية الإنتاج العلمي، فلا بد على الباحث أن يعطيها حقها من العناية والتدقيق حتى تكون فعالة وناجعة في تحقيق الهدف المتوخى منها ونجاعة هده الوسائل يتوقف على كفاءتها من جهة وحسن استعمالها من جهة ثانية أي باختصار على توقف قوى الإنتاج الفكرية. ومن هدا المنطلق اعتمدت في الدراسة الميدانية على مجموعة من الأدوات التي نعتقد بأنها متكاملة فيما بينها من أجل تحقيق هدا الهدف.
السجلات والوثائق الإدارية:
استخدمت هده الأداة في جمع البيانات المتعلقة بمجتمع الدراسة وكذلك المعطيات المتعلقة بالتعريف بمجال الدراسة، وكذلك السجلات الإدارية التي تخص القائمة الاسمية للمستخدمين وتوزيعهم على مختلف الهيئات الداخلية للمقاولة.
الملاحظة بالمشاركة:
اعتمدت في محاولتي لفهم مجتمع الدراسة على الملاحظة المشاركة فهده الأداة شملت كل قطاعات نشاط المقاولة من أكشاك القبض إلى الهياكل الإدارية وحتى حافلة نقل المستخدمين كل هده الإمكانات كانت تشكل مجالات للملاحظة العلمية إذ كنت أقضي فثرة عملي وفترات الاستراحة وفترات النقل في تقصي الوقائع، فسلوك المستخدمين والرؤساء وأفعالهم الاجتماعية وطريقة تسييرهم للعمل، كل هده العوامل تشكل موضوعا للملاحظة فالمعطيات الأولية التي جمعتها من المجتمع المدروس ساهمت كثيرا في تحديد الخصائص التي قمنا على أساسها بعملية المعاينة والتدقيق في بلورة أسئلة المقابلة.
المقابلة:
الهدف من استعمالنا لتقنية المقابلة في بحثنا هذا هو إغناء البحث وغلق الثغرات التي يمكن أن تتركها الملاحظة المشاركة . فالمقابلة كانت فردية لتفادي الإحراج الذي يمكن أن يطرأ على الباحث أمام الأفراد الآخرين كما كانت تتم بصورة مباشرة ورسمية .

 3 . سبب اختيار المقاولة محل الدراسة:

- كونها مقاولة عمومية اقتصادية قائمة بذاتها ومتكاملة ولها وزنها في الاقتصاد المغربي .
- كوني عملت فيها الشيء الذي مكنني من رصد مجموعة من الملاحظات السوسيولوجية بخصوص العلاقات الاجتماعية والتفاعلات التي تحكمها . عامل مكنني من تجاوز العديد الصعوبات المتمثلة في استجواب المبحوثين أثناء إجراء المقابلات ذلك أنني ربطت معهم علاقات طيبة.


إشكالية البحث:
إن البحث الذي نروم إنجازه وليد ملاحظات عنت لنا من خلال اشتغالنا في العطل الصيفية في مقاولة الطرق السيارة بالمغرب (L’ADM) فرع الجديدة أزمور، ومعايشتنا لواقعها، ومفادها أن المقاولة محل الدراسة تعيش أزمة تحول دون الارتقاء بالعمل المقاولاتي ليصبح ممارسة ثقافية عقلانية ديمقراطية حديثة.
الشيء الذي لا يضمن لها منافسة اقتصادية تخول لها مسايرة التحولات المؤسساتية .
إن السؤال المركزي لهذا البحث هو:
كيف يمكن أن تنتشر وتسود ثقافة مقاولاتية حديثة في مقاولة تهمن عليها شبكة تحالفات غير عقلانية كالنسب والجماعة والرشوة والزبونية والخضوع والولاء... وتغيب فيها ثقافة تنظيمية .
وعنه تتفرع مجموعة من الأسئلة منها :
1 ) ما هي الإستراتيجية التي تتحكم في سلوكات مسيري المقاولة ؟ هل الأمر يتعلق بإستراتيجية جزئية من الإستراتيجية الكلية للمقاولة ؟ أم بإستراتيجية جزئية منطلقة من الأهداف الخاصة للمسيرين ؟
2 ) ما هي طبيعة الاستراتيجيات المتبناة من طرف مسيري المقاولة من أجل تحقيق الضبط والاندماج والتحكم في سلوكات وأفعال ومواقف المستخدمين ؟
3 ) إلى أي حد يمكن اعتبار سلوكات وأفعال المستخدمين التي تتحكم فيها الأطر المرجعية والنماذج الثقافية متماشية مع مقتضيات العقلنة الاقتصادية المنتجة للتقدم والتنمية ؟
فرضيات البحث:
الفرضية الأولى:
نفترض أن تشغيل المستخدمين في المقاولة محل الدراسة تتحكم فيه العلاقات الزبونية .
الفرضية الثانية :
نفترض أن السلوكات والأفعال التي يقوم بها المستخدمون داخل المقاولة محل الدراسة ذات طبيعة غير عقلانية لكون هده السلوكات والأفعال كوسيلة جماعية لا تعمل على تحقيق الهدف الذي يضمن استمرار المقاولة وبقاءها.
مفاهيم الدراسة :
ثقافة المقاولة :
مفهوم ثقافة المقاولة حسب أ.ه شيين E .H SCHIENهو"مجمل الاختيارات والافتراضات التي اكتشفتها وأنتجتها وطورتها مجموعة بشرية معينة، في محاولتها لإيجاد الحلول لمشاكل التأقلم الخارجي والاندماج الداخلي، والتي أثبتت نجاعتها وفعاليتها بالنسبة لهم واعتمدوها وأصبحوا يتداو لونها على أنها الطريقة الصحيحة والجيدة في إدراك ومعالجة هذه المشاكل " .
نستنتج من هدا التعريف ما يلي:
- ترتبط كل مجموعة بشرية ببعضها البعض على أنها كيان قائم بذاته تكون لها ثقافة خاصة .
- ثقافة المقاولة وليدة اختيارات المجموعة للحلول التي تعتقد أنها صحيحة ومثلى في مواجهة المحيط الخارجي، وتحقيق الاندماج والضبط الداخلي.
-إن الثقافة بهذا المعنى لها وظيفتان أساسيتان وهما: تحقيق الدمج الداخلي والتأقلم الخارجي.
- أن آليات الدمج والتأقلم في هده الحالة هي كفاءة جماعية وليست فردية كما أنها ضرورية من أجل بقاء الجماعة واستمرارها .
من خلال ما سبق نستطيع أن نقول أن النسق الفرعي للثقافة بكل مضامينه ( قيم معتقدات، رموز، طقوس...) يكمن دوره الأساسي في:
- ضبط السلوكات والأفعال وتوجيهها.
- تحقيق التناسق والانسجام داخل المجموعة البشرية المكونة للتنظيم .
- تقديم أطر مرجعية لكيفية التعامل مع المشاكل الخارجية وكيفية حلها.
- منح المجموعة البشرية آليات الدمج والانتماء لجعلها أن تكون قادرة على الاستمرار والبقاء رغم كل ما تتضمنه من فوارق بين أعضائها.
الحداثة:
الحداثة هي قطيعة مع الفكر الذي كان سائدا في القرون الوسطى . وساهم في تحقيقها بشكل كبير النجاحات التي حققها العلم والفلسفة الحديثة على يد كوبرنيكوسKEPERNIKUS وغاليليGALILEE وديكارت DESCARTES. الحداثة إذن هي حركة قطع مع كل أشكال الماضي، ليس لاحتقاره، أو تدميره، وإنما لتجديده ودمجه في مسارها ودروبها.
وتقوم الحداثة على مبادئ أساسية هما العقل والعقلانية، حيث أصبح العقل الحسابي النقدي معيارا لكل معرفة ومرجعها النهائي .

حدود البحث :

 ونشير أنه اعترضتنا بعض الصعوبات تمتلث أساسا في محدودية سوسيولوجيا المقاولة في فضائنا الثقافي حيت لم أعثر على أية دراسة في هذا المجال بالإضافة إلى ندرة المراجع.

كما اعترضتنا بعض العوائق المنهجية، فالمفاهيم التي اختبرت نجاحها الكبير في الفضاء المعرفي الغربي تكشف أحيانا عن عجز ما في فهم مجتمعاتنا التي لها مميزاتها الخاصة.
لكن هذه الصعوبات كانت تحفزنا على البحث دون أن تقف عائقا أمام نموه وذلك بمساعدة الأستاذة المشرفة وبعض أساتذة المسلك فلهم كل الشكر والتقدير .

 الزبونية كآلية لتحقيق الاستسلام و الخضوع للشخص الذي تتمركز في يده السلطة داخل المقاولة

 _ دليل الفرضية الأولى :

نفترض أن تشغيل المستخدمين في المقاولة محل الدراسة تتحكم فيه العلاقات الزبونية.
أ- النتائج الميدانية:
من أجل التحقق من صحة الفرضية الجزئية الأولى ، كنت أستغل فترات العمل الليلية الممتدة من الساعة العاشرة ليلا إلى الساعة السادسة صباحا من أجل القيام بعملية التقصي غير المباشر، واخترت هده الفترة لأن حركة المرور تكون فيها ضعيفة جدا بالمقارنة مع فترات العمل الصباحية والمسائية. فمن أجل مقاومة النوم والملل كنا نخرج من أكشاك القبض لتبادل الحديث. فكنت أوظف آلية التقصي غير المباشر كما أشرت في البداية مع كل زميل يعمل معي في هذه الفترة. وجاءت نتائج التقصي على الشكل الآتي:
كل من(أ) و(ب) و(ت) تم تشغيلهم عن طريق وسطاء من الدرك الملكي يعملون في مقر الدرك الملكي المتواجد في محطة الأداء المجاور لإدارة الطريق السيار .
كل من (ك) و (ج) و(ظ) و (ط) و (غ) و (ض) و(ث) و (ئ) و (ن) و (ش) تم تشغيلهم عن طريق موظفين بإدارة الطرق السيارة بمحطة أداء الجديدة.
كل من (و) و(ز) و(ئ) و (م) و(ف) تم تشغيلهم عن طريق وسطاء خارجيين.
(ى) تم تشغيله عن طريق وسيط مستخدم بإدارة الطرق السيارة بمحطة أداء بير جديد.
أما فيما يخص المستخدمات فكنت أستغل اختلاطنا بهن داخل وسيلة النقل التي تقلنا إلى منازلنا، حيت كنت كل يوم أجلس بالقرب من مستخدمة مختلفة وأقوم بتوظيف آلية التقصي غير المباشر، وجاءت نتائج التقصي على الشكل التالي :
_ (ة) تم تشغيلها عن طريق وسيط من الدرك الملكي يشتغل في مقر الدرك الملكي المتواجد في محطة الأداء المجاور لإدارة الطريق السيار .
_ (ل)تم تشغيلها عن طريق وسيط موظف بإدارة الطرق السيارة بمحطة أداء الجديدة .
_ كل من (ح.ج) و(ه.ع) و(غ,ف) و(ق,ث) و(ص,ض) و(ذ.ط) و(ك.م) و(ن.ت) و(أ.ل) و(ب,ي) و(س,ش) و( ظ,ز) تم تشغيلهن وسطاء خارجيين .
وفيما يتعلق بالمستخدمين الذين يشتغلون داخل الإدارة ،فكان اللقاء بهم يتم في فترة الاستراحة التي تدوم نصف ساعة وكانت النتائج على الشكل التالي:
_ كل من (ة.لا) و (ك.ك) و (ت.ت) امتنعوا عن القول .
_ (س.س) تم تشغيله عن طريق وسيط خارجي .

 ب- التعليق على النتائج :

يبدو أن عملية تشغيل المستخدمين في المقاولة محل الدراسة تعتمد بالأساس على العلاقات الزبونية حيث يعتمد المستخدمون في تشغيلهم على وسطاء داخليين ينتمون إلى إدارة الطريق السيار أو خارجيين ينتمون إلى الدرك الملكي أو إلى مجالات أخرى. الشيء الذي يتنافى مع القيم البيروقراطية الحديثة التي تعتمد في تشغيلها للمستخدمين على الديمقراطية، الكفاءة، تكافؤ الفرص وعدم تفضيل فئة على حساب أخرى ..
ت- تحليل النتائج الميدانية:
تبين لنا من خلال الدراسة الميدانية أن المقاولة محل الدراسة لا تتوفر على ثقافة المقاولة بالمفهوم الاصطلاحي الذي رأيناه عند E.H SCHIEN وإنما تتوفر على ثقافة أفراد داخل المقاولة التي تؤطرها وتوجهها الاستراتيجيات الذاتية الخاصة بأصحابه، فالقوانين التنظيمية والرسمية لا تأتي موضحة وشارحة لقيم ومعايير النجاعة والفاعلية، أي لا تأتي لتكريس الدور الوظيفي وفق معايير ومقاييس الجودة ، كما نجد أن السلوكات الفردية للمسيرين تتحكم فيها الإستراتيجية الجزئية المنطلقة من الأهداف الخاصة لكل فرد فيها وليس من أهداف إستراتيجية جزئية من الإستراتيجية الكلية للمقاولة. أي أن الاستراتيجيات الفردية تعمل منفصلة عن الإستراتيجية الكلية للمنظمة ومتمردة عليها. هده الإستراتيجية الفردية تنطلق من الأنا الشخصي وليس من أنا الجماعة أو أنا المنظمة . فهي في الحقيقة عبادة الأنا الفردي والقوة المحركة لسلوكات المستخدمين في المقاولة .
فالسلوكات والأفعال التي تتحكم فيها الإستراتيجية الشخصية النابعة من المصلحة الذاتية تتم بدافع الزبونية التي تصبح عبارة عن حافز من أجل شراء الخضوع والاستسلام للشخص الذي تتمركز في يده السلطة وليس للتنظيم ككل.

يعكس هذا الوضع واقعا متدهورا، يفقد فيه التنظيم أدنى مقومات استمراره وأدائه لوظائفه لعدم قدرته على إنجاز الأهداف التي أنشئ من أجلها بالفاعلية المطلوبة، وذلك لغياب عوامل التضامن بين الأفراد المكونين له من أجل تحقيق الأهداف التي وجدوا من أجلها في المقاولة أي عدم قدرة النسق الثقافي الفرعي ، على تحقيق آليات الدمج والضبط الاجتماعي في توجيه السلوكات والأفعال وفق متطلبات النسق الفرعي للأهداف، حيت تصبح الزبونية آلية سلطوية موجهة لسلوكات وأفعال المستخدمين داخل المقاولة ومؤشرا على انتقال وعي الأفراد من مستوى أنا الجماعة أو أنا المقاولة إلى مستوى أنا الفرد. فالزبونية بهذا المعنى تقوي وتشرعن استبداد رئيس المقاولة وباقي المسؤولين حيت يصبح هؤلاء المسيرون يعبدون الأنا الفردي ولا يرون أنفسهم أعضاء أو جزءا من الكل بل يرون أنفسهم مركز هذا الكل.
هذه السلطة المتولدة عن الزبونية لا تنفي الترابط الاجتماعي أو العلاقة الاجتماعية التي تقوم على المعاشرة والمؤانسة، لكنها تنفي أن يكون هذا الترابط موجها بقيمة وظيفية أو حضارية. فوجود هذه العلاقة يكون من أجل :
- تحقيق مصلحة شخصية ذاتية في المقام الأول .
- حماية مصالح حصل عليها الفرد من وجوده في التنظيم .

وبالتالي إدا تعارضت مصلحة الفرد مع مصلحة المقاولة إلى درجة لا يستطيع فيها أن يوفق فيها بين المصلحتين، فإنه يضحي بمصلحة المقاولة سواء كان ذلك بصورة مباشرة صريحة أو بصورة غير مباشرة وضمنية. فتصبح القضايا التي تخدم المصلحة الذاتية للقائم على شؤون المقاولة أكثر أهمية من القضايا التي تهم دوره الوظيفي. وهذا ما يجعل الزبونية وما يتولد عنها من سلطة و استبداد تعمل على حساب قيم ومقومات العقلنة الاقتصادية والدور الوظيفي المرتبط بها، والذي يقتضي التضحية بكل ما هو آني مصلحي نفعي وذاتي من أجل ما هو مستقبلي جماعي حضاري. ففي الثقافة السلطوية تعطى المكانة والترتيب الاجتماعي داخل المقاولة على أساس الطاعة والخضوع وليس على أساس الجهد المبذول أو على أساس التفاني في خدمة غاية وأهداف المقاولة. وهذا راجع لكون هم المسير هو تحقيق السلطة الذاتية فقط. وعندها يفقد التنظيم نظامه وتضامنه الداخلي، أي يفقد الدمج والضبط الاجتماعيين، كما رأينا في البداية. وتصبح الزبونية هي مصدر الحكم والقيادة وعاملا للترتيب الاجتماعي : تصبح المكانة الهرمية مكتسبة عن طريق الزبونية وليس عن طريق الدور الوظيفي والتاريخي.

وعليه فالزبونية في هذه الحالة آلية من آليات الدمج والضبط الاجتماعيين الشيء الذي جعل "برينو" كما أشرنا إلى ذلك في بحتنا النظري يعتبرها ميكانيزما يستعمل من طرف السلطة لدمج مجموعة هامشية أو محيطية والتي لها نسقها الثقافي الخاص الذي يوجه سلوكاتها وأفعالها ولذا فالزبونية تستعمل من طرف السلطة من أجل فرض نسقها الخاص من القيم ولتدعيم سلطتها وسلطانها كذلك ، حيت أخدت الزبونية شكل المحاباة السياسية، وتتم وفق علاقة تبادلية بين مركز القرار أو السلطة وباقي المجتمع. وكأن المركز يقدم للمحيط شيئا يحتاج إليه، مستحقا أو غير مستحق مقابل حصوله من لدن هذا المحيط ومن أفراده على قدر من الطاعة والخضوع والامتثال.
إن تشغيل المستخدمين في المقاولة محل الدراسة يقوم على معادلة "أنا أقبلك ما دمت كما أريد أنا، وليس كما ترغب أنت أن تكون"، إن هذا القبول المشروط يترتب عنه حسب مصطفى حجازي القلق، والإحباط، والاكتئاب والاستسلام والتراخي والانهزامية والسلوكات التدميرية للذات وللآخرين والتصلب والتطرف، وبالتالي تهدر قيمة الذات وإمكانياتها ويمنع الإنسان من أن يصبح مشروعا قائما بذاته. حيت يعمل هذا القبول المشروط على تنمية ثقافة الولاء التي تتولد عنها التبعية والخضوع والتي تتنافى مع ثقافة الإنجاز التي تعتبر أساس رقي و تطور المجتمعات .

من خلال ملاحظاتنا الميدانية لواقع المقاولة محل الدراسة تبين لنا أن الفئة القيادية والمسيرة لها وقعت في تناقضات، من بينها التناقض بين متطلبات الثقافة الرأسمالية الحديثة ومتطلبات تكريس السلطة الذاتية. فهذا الصراع لو حسم على مستوى الممارسة التسييرية القيادية لصالح القيم الثقافية الرأسمالية لتعقلنت الوسائل والممارسات التي تقوم بها الفئة العمالية .

لكن المعطيات الميدانية تؤكد أن الحسم كان لصالح متطلبات تكريس السلطة الذاتية ، وبذلك تدهورت القيم ولم تعد ثقافة المقاولة هي التي تحكم الأفعال والسلوك. بمعنى آخر لم يعد النسق الفرعي للثقافة في خدمة النسق الفرعي للأهداف، ولم تعد هناك علاقة وظيفية بين النسقين الفرعيين، كما أنه تغيب العلاقة المتصلة والمتوازنة بين المجال الثقافي والمجال الاستراتيجي والمجال التنظيمي، حيت أنه يسيطر المجال الاستراتيجي الجزئي المنطلق من المصلحة الذاتية على باقي المجالات الأخرى .

وبالتالي فالزبونية ليست وسيلة في خدمة الثقافة الحديثة أو في خدمة الأهداف الإستراتيجية للمقاولة، بل هي وسيلة لتعميق اللاعقلانية والسلطة الذاتية. وعليه فالزبونية بالنسبة إلينا جاءت لتكريس علاقات اجتماعية تتم في شكل تبادل سلعي في هذه المقاولة. إن الزبونية لا تسهم في التنمية ولا تخدم الهدف الذي من أجله وجد الأفراد في المقاولة، بل هي وسيلة لتنمية وتوسيع رصيد السلطة الذاتية للفئة القيادية، فبالرغم من أن السلطة هي القوة المحركة للعلاقات الاجتماعية في تنظيم ما. فالزبونية بدورها تمنح للسلطة الذاتية إمكانية وجودها واستمرارها وتنميتها. فالعلاقة بينهما إذن هي علاقة تلازم، لأن استعمال الزبونية في المقاولة يعمل على التأسيس لشكل اجتماعي أو بناء اجتماعي على أساس الحافز المادي المباشر أو غير المباشر، وغالبا ما يكون هذا الحافز من أجل شراء الخضوع والاستسلام للشخص الذي تتمركز في يده السلطة وليس للتنظيم ككل.

وبالتالي فالمقاولة محل الدراسة تكاد تغيب عنها ثقافة المقاولة بالمعنى الاصطلاحي الذي رأيناه عند E.H SCHIEN . فهي محكومة بثقافة أفراد تؤطرها وتوجهها الاستراتجيات الذاتية الخاصة الإقبال على العمل و الأسباب التي تتحكم فيه  دليل الفرضية الثانية :

_ نفترض أن السلوكات والأفعال التي يقوم بها المستخدمون داخل المقاولة محل الدراسة ذات طبيعة غير عقلانية لكون هذه السلوكات والأفعال كوسيلة جماعية لا تعمل على تحقيق الهدف الذي يضمن استمرار المقاولة وبقاءها.

أ- النتائج الميدانية:

_ فيما يخص المتغير الخاص بالجدية والإخلاص في العمل، بين جل المبحوثين أن زملاءهم يعملون بجدية وإخلاص في العمل، في حين بينت قلة من المبحوثين أن زملاءهم لا يعملون بجدية في العمل حيت أرجعوا ذلك إلى غياب التحفيزات الأجرية وعدم اهتمام الإدارة بحالتهم الاجتماعية بالإضافة إلى غياب الدمج .
_ أما فيما يخص المتغير الخاص بالعوامل التي تتحكم في مستوى الدافعية في العمل لدى المبحوثين، فيمكن عرضه على الشكل الآتي :
+ الهدف من وراء الجدية والإخلاص في العمل هو الرفع من مستوى الأجور وتحسينها.
+ ربط الالتزام والجدية في العمل بالعوامل التنظيمية المتعلقة بالدقة في تنظيم العمل، أي أن الالتزام في العمل ليس مرتبطا بدوافع شخصية ذاتية وإنما هو وليد ضغط تنظيمي خارجي وما على المستخدم في هده الحالة إلا أن يلتزم به حتى ولو كان ضد رغبته ودوافعه .
+ ربط الجدية والإخلاص في العمل بالرقابة الإدارية للعمال فهده النقطة تشبه النقطة السابقة إلا أنها تختلف عنها في كونها مرتبطة بالتنظيم التقني للعمل وليس بالرقابة الإدارية.
+ ربط الجدية والإخلاص في العمل بدافع أو عامل السعي وراء تحقيق ضمان الشغل لأن نشاط المقاولة يكون في أوجه في أوقات وفترات معينة كفصل الصيف والعطل والمناسبات، وهو ما يؤدي مباشرة إلى تسريح العمالة الزائدة عن حاجة المقاولة في حالة انكماش نشاطها. وبما أن المستخدمين لهم عقود عمل غير دائمة فإنهم معرضون للتسريح في أية لحظة الشيء الذي يجعلهم يسعون وراء تحقيق الأمن وتفادي البطالة حتى يضمنوا استمرار الحياة المهنية داخل المقاولة وبالتالي فإن الدافع الذاتي الشخصي هو الذي كان يقف وراء اختيار هذا العامل .
+ربط الجدية والإخلاص في العمل بالمهنة ومستوى التعلق بها أي أن المعايير المهنية المحضة هي التي جعلت المستخدم يجد ويخلص في عمله، وليس العوامل المرتبطة بمحيط العمل كالتنظيم والرقابة الإدارية ولا العوامل التي تخص المقاولة .
+ ربط الجدية والإخلاص في العمل بعوامل دينية كالخوف من الله .

 ب- التعليق على النتائج :

يظهر إذن أن عوامل الدافعية إلى العمل مرتبطة بما هو ذاتي وشخصي، ولا تتعلق بالدور الوظيفي والاقتصادي للمقاولة، ولا بالدور التاريخي التنموي المرتبط بالمجتمع، ولا حتى بعوامل تخص المعايير والمقاييس الخاصة بالمهنة. فما يتحكم في مستوى دافعية العمال في علاقتهم بعملهم هي عوامل ذاتية شخصية مرتبطة بالعامل المادي، أو الخوف من فقدان منصب العمل أو من عدم استمرارية حياتهم المهنية إضافة إلى العامل البيروقراطي القائم على الرقابة الإدارية. لكن الشيء المؤكد والنهائي أن الدافعية بسبب الدور الوظيفي أو الدور التاريخي منعدمة.

ت- تحليل النتائج :

لا نهدف من خلال هذا المتغير في هذه المرحلة إلى التعرف على الدور الذي يقوم به النسق الاجتماعي عن طريق النسق التنظيمي في خلق الانسجام أو خلق الدافعية والاندماج. إن ما نسعى إليه هو فهم طبيعة ومستوى العلاقة التي تربط بين الأفراد بصفتهم فاعلين اجتماعيين من جهة، والمقاولة بصفتها منظمة مؤطرة لهذا الشكل الاجتماعي القائم فيها من جهة ثانية، ثم تحديد طبيعة العوامل التي تتحكم في هذه العلاقة، هل هي عوامل شخصية ذاتية أو عوامل موضوعية مرتبطة بالدور الوظيفي والاقتصادي أو بالدور التاريخي ؟
إن العلاقة التي تربط بين الفرد والمنظمة التي ينتمي إليها، دراسة معقدة، وكانت مركز اهتمام عديد من النظريات فمنها من يرى بأن العلاقة بين الفرد والمنظمة علاقة يتحكم فيها مستوى دافعية الفرد على انجاز المهام المنوطة به في المنظمة. غير أن هناك اختلافا كبيرا بين عدد من المنظرين في العوامل التي تتحكم وتوجه دافعية الفرد على القيام بهده المهام، فالنظرية السيكولوجية بمختلف مدارسها ربطت الدافعية بعوامل بيولوجية سيكولوجية كالحاجـات الأساسية والحاجات النفسية الأخرى كما بين دالك باريتو Pareto ومنها من ربطتها بالعادة كما يرى دفيد هيلD .Hull ومنها من ربطتها بالمنفعة أو المصلحة الاقتصادية كما هو الحال عند النفعيين الاقتصاديين والسوسيولوجين كسبنسر وهذا ما شكل مصدر إلهام بالنسبة للنظرية التايلورية في نظرتها للعلاقة التي تربط بين العامل ورب العمل بصفة خاصة أو بالمقاولة بصفة عامة.حيت ترى أن هذه العلاقة تقوم على المصالح والمنافع بين الطالب للأجر الذي هو العامل والطالب لقوة العامل الذي هو رب العمل. وقد بقي هذا الاعتقاد سائدا في الفكر التنظيمي إلى غاية ظهور النظرية النسقية الوظيفية عند بارسونز، بحيث وجه انتقادات لاذعة لهدا التصور النفعي القائم على النظرية الفردية . ومنها :

نظرة هدا التصور للمجتمع على أنه مجرد جمع بسيط لوحدات فردية، وليس كلا أو تشكلا اجتماعيا نوعيا يختلف عن الأجزاء المشكلة له، كما يرى دور كايم وبارسونز، وفي هده الحالة تصبح الأفعال والسلوكات لا تحكمها الدوافع الفردية سواء أكانت سيكولوجية أو اقتصادية نفعية أنما تحكمها القيم الجماعية سواء للمجتمع الكلي أو الوحدات الصغرى التي تشكله .

إن ما نستنتجه من خلال معايشتنا لأفراد مجتمع البحث، هو أن هناك هوة وتعارضا بين الخطاب الذي تضمنته أجوبة المبحوثين حول قضية الجدية في العمل وسلوكهم الفعلي. فالانسجام في المواقف من خلال الإجابات المقدمة من طرف المبحوثين شكلي، وظاهري يعلن على مستوى الخطاب أن شريحة المستخدمين يعملون بجدية وإخلاص للمقاولة، وهم أكثر وفاء من المسؤولين أو الفئة القيادية. فالخطاب إذن يريد أن يقنع الأطراف الأخرى بأن منطق التوزيع القائم على العوامل الشكلية كالخبرة والأقدمية ومستوى الوفاء لم يكن منصفا في حقها. إذن هناك تناقض بين الخطاب والممارسة ففيما يتعلق بالأجوبة المقدمة عن هدا السؤال من طرف أفراد العينة فعلى مستوى الممارسة يبقى المتحكم في الفعل هو العوامل الذاتية والشخصية حسب الظروف والواقع المهني لكل مستخدم.

أما فيما يتعلق بالعوامل التي تتحكم في مستوى الدافعية نحو العمل فيمكن أن نستنتج من خلال المعطيات الميدانية بأن السلوكات والأفعال الاجتماعية، التي تتم داخل المقاولة محل الدراسة، لا تقوم على توجه عام لدى أفراد العينة ينظر للعمل على أنه قيمة ثقافية في حد ذاته يوجه السلوكات ويوحدها ، ولا ينظرون له كذلك كضرورة وظيفية يقتضيها وجودهم في المقاولة، بل إن المتحكم في نظرة كل فئة وفرد فيها إلى العمل هو العوامل الذاتية أي أن العمل ليس وسيلة لتحقيق دور وظيفي أو الدور التاريخي، وهذا ما يجعل السلوكات والأفعال داخل المقاولة لا تتم وفق الضوابط الاجتماعية والثقافية إلا بالقدر الذي يسمح لها بتحقيق واستمرار الحاجات الخاصة والذاتية لكل فرد داخل المقاولة. إن الملاحظة السابقة تجري أيضا على نظرة أفراد العينة للأهمية التي

يعطونها لتطوير قدرتهم وكفاءتهم فهم لا ينظرون لها من خلال العوامل التي تحقق لهم حاجات شخصية نفسية.
أما الدافعية كما رأينا فإن جل المبحوثين أكدوا أنهم يعملون بجدية وإخلاص في المقاولة، لكن عند التعمق في العوامل التي تتحكم في توجيه هده الدافعية نلاحظ أن هده الدافعية توجهها كذلك عوامل نفسية وشخصية ذاتية.

نستنتج إذن أن مستوى الدافعية ومدى الجدية والإخلاص في العمل موجودة بالقدر الذي يضمن استمرار تحقيق الحاجات النفسية والذاتية لأفراد العينة وبالتالي إن المنفعة أو المصلحة الذاتية كما يراها النفعيون هي الموجهة للسلوكات والأفعال في نهاية المطاف.

فمن وجهة نظر المدرسة التاريخية سواء الماركسية أو مدرسة الفعل الاجتماعي فأن الفاعل الاجتماعي في هده الحالة غير واع بالدور التاريخي لأنه يعيش اغترابات كبيرة، ونظرا لعوامل تتحكم فيها دوافعه النفسية والشخصية. فالسعي وراء تحقيق المصالح الشخصية أصبح في حد ذاته ثقافة تؤطر السلوكات والأفعال داخل المقاولة .

إن الشكل التنظيمي المطبق في المقاولة والذي يؤطر ويهيكل الشكل الاجتماعي القائم بها، يشكل قاعدة أو أرضية مناسبة لطغيان الموجات الشخصية والذاتية على السلوكات والأفعال الاجتماعية التي تتم في المقاولة هذا ما تبين لنا من خلال المتغيرات المتعلقة ببعد تنظيم العمل وسيره داخل المقاولة

 خلاصات

وانسجاما مع ما سبق يمكن أن نسجل أن المقاولة محل الدراسة تفتقد لأدنى شروط قيام مقاولة حديثة أساسها العقلنة الاقتصادية، وذلك يرجع لسبب بسيط وهو افتقادها لثقافة المقاولة التي تراهن عليها سوسيولوجيا المقاولات لتحقيق التنمية و التقدم، فالاستراتيجيات الفردية تعمل منفصلة عن الإستراتيجية الكلية للمقاولة ومتمردة عليها . هةه الإستراتيجية الفردية تنطلق من الأنا الشخصي وليس من أنا الجماعة أو أنا المقاولة. فهي في الحقيقة عبادة الأنا الفردي هي القوة المحركة لسلوكات المستخدمين في المقاولة . 

فالسلوكات والأفعال التي تتحكم فيها الإستراتيجية الشخصية النابعة من المصلحة الذاتية تتم بدافع الزبونية التي تصبح عبارة عن حافز من أجل شراء الخضوع والاستسلام للشخص الذي تتمركز في يده السلطة وليس للتنظيم ككل.

كما أن غياب مفهوم العمل كإطار مرجعي يوجه السلوكات والأفعال وكقيمة ثقافية حضرية أو وظيفية، أدى بهده الأفعال الاجتماعية الجماعية أن تكون مؤطرة وموجهة بالاستراتيجيات الذاتية والخاصة بأصحابها وما يساعد على ذلك هو الأسس التي يقوم عليها التنظيم في المقاولة كونها غير قادرة على ضمان إنتاج السلوكيات والأفعال وفق مقتضيات الأهداف الاقتصادية للمقاولة وهدا ما يتطابق مع الفردية الثانية.
وعموما فقد تأكد لنا من خلال هذا البحت أن تجاوز أزمة المقاولة يتطلب مساءلة الجوهر عوض البحت عن آليات التنفيذ . ويجب أن يكون التفكير منسجما مع واقعنا حيث لا يجب استيراد النماذج دون مساءلتها، فالعقلنة والتحديث يجب بناؤهما انطلاقا من واقعنا الثقافي وهذا ما يزال مغيبا لدى صانعي القرار في المجتمع المغربي، فالكل يتحدث عن ضرورة تحديث نسيجنا الاقتصادي وضرورة سن تشريعات موازية دون التساؤل عن أية حداثة وتحديث نحن في حاجة إليه ودون استحضار قوي للإشكالات المركزية المرافقة لذلك .

فلا يمكن محاورة العولمة والاندماج في الاقتصاد العالمي بدون مساءلة هويتنا الثقافية من جديد ، فالتحليل الاقتصادي لوحده ارتكازا على مفهوم المنافسة الدولية غير كاف لتأهيل اقتصادنا الوطني والرفع من فعالية المقاولات المغربية ،وكدا تسهيل دخول الرأسمال والاستثمارات الخارجية، وبالتالي فهو غير كافي لإنتاج تدبير إداري جيد له كفاءة عالية.
وفي هذا الإطار يصبح للبحت السوسيولوجي وبالخصوص سوسيولوجيا المقاولة أهمية قصوى في فهم وتأهيل المقاولة المغربية .

إجمالا يمكن القول بأن المقاولة المغربية في كل تفرعاتها واستعمالاتها المتعددة هي في أمس الحاجة إل إلى إصلاح شامل يبدأ من البنيات ويصل إلى الأفعال والعلاقات والتفاعلات مرورا بالجانب التشريعي وتكوين المسيرين...فإرساء مقاولة عقلانية وديمقراطية هو الكفيل بخلق ثقافة إيجابية حديثة تجاه هذه المقاولة الفاشلة.

باحث في علم الاجتماع و أستاذ الفلسفة
حاصل على الإجازة في علم الإجتماع، جامعة أبي شعيب الدكالي – الجديدة/ المغرب

حاصل على دبلوم المدرسة العليا للأساتذة تخصص فلسفة- مراكش/ المغرب